خالد عبدالرحيم السيد يكتب:مصر وإقرار الذمة المالية للرئيس

جولة عربية

الخميس, 24 مايو 2012 13:09
خالد عبدالرحيم السيد يكتب:مصر وإقرار الذمة المالية للرئيسخالد عبدالرحيم السيد
بقلم - خالد عبدالرحيم السيد

تشهد مصر حاليا أول انتخابات رئاسية حرة ونزيهة في مرحلة ما بعد الثورة التي أطاحت بنظام مبارك.

وقد ظلت مصر تلعب دورا سياسيا مهما ولفترة طويلة، ليس فقط في منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي، إنما على الصعيد الدولي أيضا، ولكن ومنذ نهاية عهد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، تضاءل نفوذها وخارت قواها في المنطقة رغم الجهود الكبيرة التي بذلتها من أجل الحفاظ على ذلك الدور الرائد الذي ذهب ولم يعد حتى الآن. وفي ظل الانتخابات الحالية، فإن العالم العربي بصفة خاصة والمجتمع الدولي ككل أصبح يتطلع من جديد نحو مصر بحثا بين ركام الحقيقة عن بارقة أمل لعلها تعيد لمصر ذلك الدور المفقود في المنطقة، خصوصا بعد انتفاضات الربيع العربي التي هزت منطقة الشرق الأوسط بأكملها العام الماضي.
وإذا ما أعدنا قراءة المشهد السياسي للثورة المصرية، فسنرى الكثير من الدروس التي يمكن استخلاصها، أحد أهم هذه الدروس هو أنه ورغم الاشتباكات المتكررة التي حدثت بين الشرطة والمتظاهرين المدنيين، فإن ثورة 25 يناير المصرية كانت سلمية مقارنة بالنهاية الدموية لحكم القذافي في ليبيا، والحرب التي طال أمدها في سوريا، رغم أن عدد سكان مصر يعتبر أعلى بكثير من عدد سكان كل من ليبيا وسوريا. أما الدرس الآخر الذي يمكننا استخلاصه، فهو ذلك الموقف المشرف للجيش في وقوفه إلى جانب الشعب، وبقائه محافظا على أمن البلد مع قدرته الكاملة على إدارة الملفات الأمنية والاستقرار في البلاد لأكثر من عام.
وفي جانب آخر، فقد أظهرت مصر أيضا خلال الحملة الانتخابية الحالية سعيها الدءوب من أجل استعادة مجدها السابق ومكانتها الرائدة في العالم العربي من خلال إقامة وتنظيم أول مناظرة رئاسية من نوعها، ليس في تاريخ الانتخابات الرئاسية في مصر فحسب، بل في كل منطقة الشرق الأوسط، حيث جمعت المناظرة الرئاسية اثنين من أبرز المرشحين لتولي رئاسة الجمهورية، هما عمرو موسى وعبد المنعم أبو الفتوح. وبالإضافة إلى ذلك، فلقد كانت تغطية وسائل الإعلام المصرية للحملة الانتخابية فريدة من نوعها في ظل هامش الحرية الكبير الذي حظيت به وسائل الإعلام المصرية بعد الثورة. ولعل أكثر ما يبعث على الدهشة هو أنه وخلال تلك المناظرة، طُلب من المرشحَين الكشف عن حالتهما الصحية وكذلك أوضاعهما المالية، وهو ما لم يحدث مطلقا من قبل خلال نظام مبارك، مع العلم بوجود القانون ولكن مجرد التفكير في طرح هاتين المسألتين، أو حتى مجرد التكهن بهما، كان يتخطى جميع الخطوط الحمراء، ولا شك أن الكل يتذكر جيدا واقعة صدور ذلك الحكم بالسجن ضد أحد الصحفيين قبل الثورة، بسبب نشره حديثا عن الحالة الصحية للرئيس المخلوع حسني مبارك.
ورغم أن للدول العربية قوانينها الخاصة التي تلزم كبار موظفي الدولة بتقديم بيانات ذممهم المالية والكشف عن أموالهم الثابتة، إلا أنه قد جرت العادة في عدم الامتثال لتلك القوانين من قبل المسؤولين أنفسهم. وتكمن الحقيقة المُرة في أن مطالبة هؤلاء المسؤولين التنفيذيين بإقرارات ذمة للكشف عن بياناتهم المالية، والتي ستعامل شأنها شأن أسرار الدولة، هو أمر نادر الحدوث في العالم العربي، حيث تعتبر الشفافية من أكبر القضايا الملحة في عالمنا العربي، إذ إن المسؤولين التنفيذيين غالبا ما يفضلون أن تكون أمورهم المالية طي الكتمان، ويرفضون الكشف عن كيفية حصولهم على ثرواتهم.
ويفترض أن يقدم مرشحو الرئاسة المصرية تقارير ذممهم المالية الحالية طبقا للقانون رقم 62 لعام 1975 الذي ينص على: "كل من يريد الخوض وترشيح نفسه لرئاسة الجمهورية تقديم إقرار لذمته المالية". وتأكيدا على مبدأ الشفافية وحق المواطن المصري في معرفة حجم ثروة المرشحين للرئاسة، فقد قام عدد من المرشحين بنشر ذممهم المالية. وقد تعتبر عملية كشف المسؤول عن ذممه المالية وأصوله الثابتة مسألة عادية وبسيطة جدا بالنسبة للمواطنين في الدول الغربية، باعتبار أنها أحد الإجراءات العادية التي ظل يمارسها الغربيون منذ سنوات طويلة خلت، فحتى الرئيس الأمريكي أوباما كان لزاما عليه أن يقدم بيانا بذممه وأصوله المالية بمجرد توليه لمنصب الرئاسة. أما في العالم العربي، ورغم أن تطبيق قواعد الكشف عن الأصول المالية لمرشحي الرئاسة يعتبر بكل تأكيد خطوة متقدمة حقيقية في طريق

تعزيز مبدأ الشفافية، فهو ما لا عين رأت ولا أذن سمعت به يحدث في عالمنا العربي، خاصة في ظل المكانة المقدسة الرفيعة التي يحظى بها أصحاب النفوذ من قيادات مؤسسات الدولة والمسؤولين الحكوميين، والتي دائما ما يحظر مجرد الحوم حول حماها أو الاقتراب من رحاها.
إن سؤال المرشحين عن أحوالهم الصحية وأوضاعهم المالية وكشف هذه المعلومات والحقائق لعامة الجمهور، تدل على أن المعلومات التي كشف عنها التحقيق في حسابات مبارك المكدسة بمليارات الدولارات، والصفقات التجارية المشبوهة، فضلا عن الكشف عن ثروات حكام الأنظمة العربية الأخرى مثل بشار الأسد وزين العابدين بن علي والقذافي وعائلاتهم، قد آتت أكلها حيث لم تعد تخشى الشعوب طرح هذه الأسئلة الصعبة على قادة المستقبل، لأنهم لا يريدون أن يلدغوا من نفس الجحر مرة أخرى. فلقد ظل الخط الفاصل بين الأموال والأصول العامة والموارد المالية الخاصة للشخصيات القيادية خلال الحقب السابقة غير مرئي، مما أدى إلى انتشار الفساد، ودأب عدد لا يستهان به من تلك الشخصيات القيادية في الشرق الأوسط في كثير من الأحيان على اعتبار الخزينة العامة للدولة مصدرا لسبل رفاهيتهم الخاصة وجزءا من مواردهم الشخصية.
ولقد ورد في المادة 8 من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد تحت الفقرة الخامسة بعنوان "مدونات قواعد سلوك الموظفين العموميين"، أن "تسعى كل دولة طرف، عند الاقتضاء ووفقا للمبادئ الأساسية لقانونها الداخلي، إلى وضع تدابير ونظم تلزم الموظفين العموميين بأن يفصحوا للسلطات المعنية عن أشياء منها ما لهم من أنشطة خارجية وعمل وظيفي واستثمارات وموجودات وهبات أو منافع كبيرة قد تفضي إلى تضارب في المصالح مع مهامهم كموظفين عموميين". ولكنه رغم وجود هذه القوانين والمراسيم المتعلقة بضرورة إعلان المسؤولين الحكوميين عن أصولهم ومواردهم المالية، فإن كثيرا من الدول في الشرق الأوسط لا تقوم بتطبيق هذه القوانين، عدا في الآونة الأخيرة فقط مع قدوم الربيع العربي، حيث بدأ الناس في إثارة الحديث حول هذه المسألة، وهذا شيء مثير للسخرية تماما، باعتبار أن تشجيع وتعزيز ثقافة الشفافية، هو من المبادئ الإنسانية والأخلاقية التي يحث عليها الإسلام. وهنا يتجلى في دور وسائل الإعلام وضرورة عقد مثل هذه المناظرات لتثقيف الشعب بحقه في تملك معلومات تخص مسؤوليه الحكوميين.
نعلم جميعا أن أحد الأسباب الرئيسة لانطلاق ثورة 25 يناير يعود إلى الفساد المستشرى آنذاك خلال عهد الرئيس المخلوع مبارك. والآن يمكن لمرشحي الانتخابات الرئاسية المصرية الجارية حاليا أن يضربوا مثلا في القدوة الصالحة، بأن يبرهنوا للشعب أن عهدا جديدا قد بدأ للتو، وأن ملامح الخوف والقهر والفساد التي ارتسمت على وجه النظام السابق، لم يعد لها مكانا في مستقبل البلاد. وأيا كان من سيفوز في الانتخابات الرئاسية، فستكون من ضمن أولوياته ضرورة توافر الإرادة السياسية لمكافحة الفساد، وتحسين أوضاع المواطنين الأسرية والوظيفية والمعيشية، وتوعية الجمهور وتعزيز السلوك الأخلاقي، وإقرار وتعزيز مبدأ الشفافية داخل مؤسسات الدولة من خلال تفعيل القوانين التي تجبر المسؤولين الحكوميين المنتخبين على تقديم إبراء ذممهم فيما يختص بإعلان بياناتهم وأصولهم المالية.
وباعتبار أن الانتخابات الحالية في مصر هي أول انتخابات حرة بعد عقود ظلت مصر ترزح خلالها تحت نيران دكتاتورية مبارك، فعلى الرئيس المنتخب أن يكون مثالا يحتذى به وقدوة حسنة عند تسلمه مهام المنصب الرئاسي بعد نيله ثقة الشعب المصري، من خلال وضع اللبنات الأساسية للتجرد ونكران الذات، مما سيمكن الإدارات المتعاقبة مستقبلا من أن تحذو حذوه. يجب أن نتذكر أن الانطباعات الأولى هي التي تدوم في أذهان الناس، وبالتالي، فإذا لم تلتزم هذه الحكومة الجديدة بالشفافية في أفعالها ولم تتمكن من تقليص الفساد، فربما يتوق المصريون إلى أيام نظام مبارك، تماما مثلما يتمنى الآن جزء من الشعب العراقي أن يعيد التاريخ نفسه إلى أيام حكم الرئيس الراحل صدام حسين، نظرا لحالة انعدام الأمن والاستقرار التي تسود البلاد حاليا.
على الرئيس المصري المقبل أن يمهد الطريق لوضع أيقونة مصر مرة أخرى في مكانها القديم أعلى خارطة الشرق الأوسط، والخطوة الأولى له في هذا الطريق لا يمكن أن تكون إلا من خلال إقرار وتحقيق مبدأ الشفافية.

نقلا عن صحيفة الشرق القطرية