حسين شبكشى يكتب :أكثر من مجرد انتخابات!

جولة عربية

الخميس, 24 مايو 2012 13:04
حسين شبكشى يكتب :أكثر من مجرد انتخابات!

بعد شهور طويلة ومضنية وأحداث مؤلمة شهدتها الدولة العربية الأكبر، من حيث عدد السكان، مصر بعد ثورتها التي أطاحت بالرئيس السابق محمد حسني مبارك، وبعد خلافات سياسية حادة جدا بين الفرق السياسية المختلفة، بدأ المصريون مرحلة الانتخابات الأهم وتحديد الجائزة الأكبر؛ وهي اختيار رئيس الجمهورية القادم. الخيار هذه المرحلة مفتوح والمصريون لديهم الفرصة الموضوعية والحقيقية للاختيار من ضمن ثلاثة عشر مرشحا، يمثلون أطيافا مختلفة.
المصريون المؤهلون للانتخاب يبلغ تعدادهم 50 مليونا وهو عدد مهول جدا ولا يستهان به أبدا ويشكل «ثقلا» جديدا في عوالم الديمقراطيات الناشئة والمهمة.

مشاركات فاعلة في المدن والقرى والمراكز، الكبار والشباب من النساء والرجال، الكل يشارك في اختيار الرئيس القادم.
إنها الديمقراطية في شكلها العربي «الجديد». لسنوات طويلة جدا كان يروج من قبل الغرب باسم إسرائيل أن الدولة اليهودية هي الديمقراطية الحقيقية الوحيدة في الشرق الأوسط، وهي أكذوبة كبرى وعظيمة روجت بالقدر الماهر والكافي حتى صدقها العالم، وحقيقة الأمر أن إسرائيل ما هي إلا دولة عنصرية بامتياز جعلت من الانتماء للدين اليهودي الشرط الأساسي للوصول إلى المناصب الرئيسية في البلاد وهذه مسألة لا يقوم بعملها إلا أنظمة عنصرية مثل حكم الأقلية البيضاء في جمهورية جنوب أفريقيا إبان حقبة نظام الأبارتايد.
ولفترة، صدق العرب أن بلبنان ديمقراطية وفرحوا بمشهد تغير الرؤساء، وحقيقة الأمر أن لبنان نفسه ما هو إلا تجسيد قبيح لمرض الطائفية المقيت، وتم تقنين هذه العملية بشكل مؤسسي وعميق حتى بات في صلب الحكم ومؤسساته وسمة من علامات البلاد لا يمكن الاستغناء عنها. العالم الحر يعي تماما معنى متطلبات المشاركة الشعبية في صناعة القرار وإدراك معنى

الحرية بشكل عملي كما أنه بات يعي تماما سمات العبودية والاستعباد والظلم والطغيان والفساد، وهي إن وجدت تحولت إلى وحوش سرطانية قاتلة تنهش ببطء ومن ثم بسرعة في أجساد الأوطان والشعوب، مهما كانت النوايا حسنة والظاهر سليم الشكل.
التحدي الأكبر اليوم الذي يواجه الشعوب في العالم الثالث هو التحول العقلاني من حال إلى آخر يتم في مراعاة الصالح العام وكرامة الشعوب وإقامة العدل وتحقيق المواطنة السوية والمساواة بين الناس وهذا لن يكون سوى بعقد اجتماعي صريح الملامح وواضح العلاقة بين الأطراف المعنية حكومة وشعبا. المثال المصري الحاصل اليوم ليس هو نهاية المسار ولكنه مشهد ولقطة حضارية جدا غابت تماما عن الساحة العربية، وبالتالي كانت المفاجأة السارة بحدوثها والدهشة الكبرى على وجوه الناس حينما رأوها. التاريخ والمستقبل صنع من اللحظات المدهشة والاستثنائية لأنها تؤكد قدرة الإنسان على المفاجأة وصناعة المستحيل، فهذه اللحظة التي يعيشها المصريون هذه الأيام كانت أضغاث أحلام على أحسن تقدير ولم تكن في مخيلة الأكثر تفاؤلا، ولكنها جاءت نتاج الحلم والأمل والتضحية وتحقيق الممكن وصناعة المستحيل.
إنها صناديق انتخابات امتلأت بأوراق المرشحين وأسمائهم ولكنها ملئت بالدموع والعرق والدم والصبر والأعصاب والمثابرة، وكانت النتيجة وقفة عز ولحظة حرية وساعة كرامة عوضت ما مضى بما فيه من زلات وهفوات وأخطاء وسقطات. ستحفر الذاكرة مشهد الطوابير الطويلة منذ ساعات الصباح الأولى في قرى ومدن مصر وهم يقومون بتطبيق حرفي لحق الاختيار الذي منحته لهم ثورة يناير بكل صدق وأمانة.
هكذا تصنع الشعوب مستقبلها، وكل الأمل أن يكونوا قادرين على الحفاظ على هذا الإنجاز والبناء الجاد والحقيقي عليه.
نقلا عن صحيفة الشرق الاوسط