غسان العزى يكتب :شرط التحَوّل الديمقراطي في مصر

جولة عربية

الثلاثاء, 22 مايو 2012 15:07
غسان العزى يكتب :شرط التحَوّل الديمقراطي في مصر

تشكل الأزمة الاقتصادية  الاجتماعية أحد أهم أسباب الثورة الشعبية التي أطاحت حكم الرئيس مبارك . هذه الأزمة هي التحدي الأبرز الذي سيواجه النظام المصري الجديد المنبثق عن الانتخابات التشريعية ثم الرئاسية .

   لقد عرفت مصر معدل نمو مرتفعاً نسبياً بين العامين 2004 و2008 (ستة في المئة) وفي العام 2010 (خمسة في المئة) قبل أن يبلغ صفراً في عام الثورة 2011 . هذا الارتفاع الذي كان يتبجح به النظام البائد، أضحى من الماضي وسببه كان الارتفاع الاستثنائي للعائدات التقليدية التي كانت تعيش منها مصر كما المريض الذي يعيش من المصل: المساعدة الأمريكية، قناة السويس، تحويلات المغتربين المصريين، السياحة، النفط والغاز . وقد استفادت مصر من التحويلات المالية العربية بعد 11 سبتمبر/أيلول 2001 والتي ارتفعت من عشرين إلى سبع وعشرين في المئة من إجمالي الناتج الداخلي  .لقد مرت الأمور كما لو أن ثلث الثروة الوطنية قد هبط من السماء، من دون مجهود يذكر .

لكن هذا النمو كان مجرد وهم إذ إنه لم يرتكز إلى أي قاعدة إنتاجية حقيقية، ولم يؤد بذلك إلى تقليص الفروق الطبقية ولا الفقر . وبقي نصف سكان مصر يعيشون بدولارين فقط في اليوم، علماِ أن القيمة الشرائية لهذين الدولارين قد تراجعت إلى حدود ليتر واحد من الحليب وكيلوغرام واحد من الخبز .

وفي مواجهة الأزمة المالية العالمية في العام 2008 كانت السياسة المصرية تضخمية وغير مجدية . هذه الأزمة مضافة إلى ارتفاع أسعار الحبوب عالمياً رفعت العجز الخزيني بنسبة أربعين في المئة

عما كان عليه بعدما كان هدف الحكومة تخفيضه بنسبة ثلاثين في المئة .

والحقيقة أن الاقتصاد المصري لم يعد ليبرالياً ولا موجهاً لأنه أضحى، بكل بساطة، “اقتصاد بقشيش” . فعدد كبير جداً من الموظفين يعيشون ليس من رواتبهم بل مما يمكن تحصيله من بقشيش أو من عمل خارج الدوام . وتتسامح الدولة مع ذلك تفادياً لرفع رواتب الموظفين، الأمر الذي يعني عملياً خصخصة غير معلنة للإدارة العامة . وتدل الإحصاءات على أن الإنتاج الفعلي للموظف المصري لا يتعدى ما متوسطه نصف ساعة عمل فعلي في اليوم، والكل يمارس مهنة واحدة على الأقل خارج دوام الوظيفة الرسمية .

ويرتكز اقتصاد البقشيش على شعور عميق بانعدام الأمن الوظيفي وغياب الشفافية والقواعد وتراخي الدولة وضعف القضاء .كل ذلك من شأنه تقويض المبادرة الذاتية وانتشار المحسوبيات والوساطات . ففي مصر من المهم الاستحواذ على الحماية والعلاقات مع سياسيين نافذين من أجل ممارسة الأعمال والتجارة باطمئنان وراحة بال . وهذا ما يؤدي غالباً إلى هروب الرساميل الخائفة من الابتزاز والخوّة، فبحسب الإحصاءات كانت تترك مصر في كل عام رساميل توازي عائدات قناة السويس، ذلك أن حرية الاستثمار لم تكن مصانة بالقانون في وجود عصابة الرئيس ومن حوله، والمستثمر المصري كان يشعر بأنه عرضة  للنهب والإفلاس إذا ما غضب منه رجال

النظام .

وهكذا فإن مسألة التحول الديمقراطي تكمن ليس في القدرة على بناء نظام ديمقراطي ولكن أيضاً وخصوصاً في الخروج من اقتصاد البقشيش وبناء دولة قانون من الناحية الاقتصادية . إن رحيل النظام القديم لا يحل المشكلة الاقتصادية  الاجتماعية هكذا بقدرة قادر . فعلى مصر امتصاص سبعمئة ألف قادم جديد إلى سوق العمل في كل عام، وذلك بالانخراط في نمط نمو اقتصادي لا يرتبط أساساً بالريع والعوائد ويسمح بإعادة توزيع أكثر عدالةً للثروة الوطنية، والفشل في ذلك يقود الى تنمية التطرف والأصولية والراديكالية .

إن اصلاح الدولة ضروري وملح، وعلى الإدارة العامة أن تكون أكثر فعالية وأن تدفع للموظفين رواتب معقولة تغنيهم عن البقشيش والعمل خارج الدوام . على الدولة أن تجسد تغييراً راديكالياً في نظرتها إلى الاقتصاد عبر تطبيق قواعد واضحة يحترمها الجميع، وعليها تقديم الخدمات العامة على قاعدة احترام المواطنين والتوقف عن كونها مجرد أداة قهر ونهب . عليها إعادة بناء العقد الاجتماعي بين المواطنين والدولة، عقد يعيد الثقة المفقودة ويضع حداً نهائياً للفساد .

الصعوبة تكمن في أنه خلال المرحلة الثورية الممتدة من العام الماضي تهافت الوضع الاقتصادي فخسرت مصر من ست إلى سبع مليارات دولار من عائدات السياحة وانخفضت بشكل دراماتيكي الاستثمارات الأجنبية وهي التي تهاب غياب الاستقرار .

في هذا الظرف سيكون من الصعب إيجاد حل سريع للمعضلة الاجتماعية التي هي من أهم أسباب الثورة . والشعارات الفضفاضة والوعود الانتخابية لا تكفي . وللأسف فإن الحملات الانتخابية، التشريعية كما الرئاسية، قامت على وعود وكلام عام وانتقادات للعهد البائد وغابت عنها الخطط المحددة والبرامج الواضحة المدعومة بأرقام دقيقة . إن مجرد حصول مناظرات متلفزة بين المرشحين الرئاسيين في مصر، للمرة الاولى في تاريخها، أمر يدعو إلى التفاؤل، شريطة ألا نقارنها بتلك التي تجري عادة في الدول الديمقراطية: المناظرة الأخيرة بين ساركوزي وهولاند على سبيل المثال لا الحصر .
نقلا عن صحيفة الخليج الاماراتية