مصطفى الغزاوي يكتب :رئيس حائر.. وثورة مستمرة

جولة عربية

الثلاثاء, 22 مايو 2012 15:02
مصطفى الغزاوي يكتب :رئيس حائر.. وثورة مستمرة

يتجه الناخبون المصريون يوم غد الأربعاء 23 مايو 2012، لانتخاب أول رئيس للجمهورية بعد ثورة يناير 2011، ورغم محاولات صبغ الأمر بأن القادم رئيس للجمهورية بالانتخاب الحر المباشر،

إلا أن حالة من الحيرة تتزايد ولا تنقص تنتاب قطاعا واسعا بلغ في تقديرات استطلاعات للرأي 37% من العينات التي جرى استطلاع رأيها ولم تحدد بعد من تختار!، والأكثر وضوحا في موقف عدم الاختيار، فئة تبلور في يقينها مفردات الثورة وأهدافها، فاختلفت أسباب الموقف وتنوعت، وأثار أمر وجوب الاختيار علامات استفهام عديدة، أثارت من الحيرة أكثر مما أجابت على الأسئلة.
التقسيم المباشر للمرشحين إلى عناصر من النظام السابق، وعناصر من التيار الديني، وعناصر من اليسار، وآخرون لم يثيروا انتباها، لم يعد وحده معامل المفاضلة، والبرامج كانت تحمل كلمات أكثر منها خططا، وتداخلت السير الذاتية للأشخاص في تقديرات المواقف ومن المتابعة لها، فإن أغلبها يحمل من الحقائق والوقائع التي تحجب الثقة، ما لا يمكن وصفه بالشائعة أو التشهير، ولكن أي منصف ومتابع للحركة السياسية يدرك حقيقتها، وهي تظهر ببطء، رغم الالتزام بالإحجام عن تأكيد أي منها أو نفيه، ممن عاشوا وقائعها ونتائجها في حينها.
ظاهرتان واضحتان، أنه رغم رفض عناصر النظام السابق، إلا أن الزخم من حول أحمد شفيق يمثله عناصر الحزب الوطني المنحل من ناحية، والرفض المتزايد لعناصر التيار الإسلامي جراء تقلص الثقة فيه بعد انتخابات المجالس النيابية ووقائع ما دار بالجلسات والاشتباكات على غير قضايا الثورة والتأرجح بين مواجهة المجلس العسكري والحكومة، ومأخذ آخر على موقفهم من استفتاء مارس 2011 بالتعديلات الدستورية ثم الانقلاب عليه ومحاولة البعض منهم الاعتذار عن سابق الموقف، مما يوحي بأن المواقف تبنى على أهواء خاصة وليس على خيارات ومرجعية سياسية ورؤية واضحة للطريق.
ورغم ذلك فإن مواجهات مع شفيق تصاعدت بحصار مسجد عبدالرحيم القناوي وهو موجود بداخله، وإلقاء الحذاء في مواجهته أثناء كلمة له بمؤتمر بأسوان ثم إلغاؤه للقاء كان قد أعلن عنه في أسيوط "لدواع أمنية"، وأخيرا مواجهة معه في قاعة المؤتمرات بالقاهرة والهتاف ضده، ويزيد على ذلك أن تحركاته تحاط بترتيبات أمنية مشددة، مما يؤكد وجود تخوفات من اعتداء عليه من المواطنين، وهو أمر لا يحتسب لصالحه.
والظاهرة الثانية يمكن وصفها بمقولة "قلوبنا معك وأصواتنا عليك" وتتمثل هذه الظاهرة في أصغر المرشحين سنا، خالد علي المرشح اليساري، فمصداقية خالد علي كان لها صداها لدى الناس، ولكن مقولة أنه لن يجني الأصوات هي مبرر يسوقه البعض لنفسه لعدم التصويت له، وكأنه بهذا المنطق يتخلص من أزمة الضمير، وهي تأكيد أيضا عن أن التصويت لا يتسق وما يستقر باليقين، وجرى الفصل بين التصويت "الفعل"، وبين القناعة "الفكرة"، مما يعني عدم تحرر الإرادة في الاختيار.
خفت بريق عمرو موسى، وتحدث عن شفيق أنه من النظام القديم، وخفت بريق عبدالمنعم أبو الفتوح نتيجة احتسابه على التيار الإسلامي.
وتصاعدت أرصدة حمدين صباحي ومحمد مرسي، ولكنهما ما زالا خارج المنافسة، حسب استطلاعات الرأي.
وانتقلت احتمالات الإعادة من (موسى ـ أبو الفتوح) إلى (موسى ـ شفيق) أي من (قديم ـ جديد) إلى (قديم ـ قديم)، وكل ذلك يدخل في

إطار التخمينات حتى لحظة إعلان نتائج الانتخاب.
أعادت هذه الملامح المطموسة والشكوك والاتجاهات المرتدة للخلف، إلى استدعاء حقيقة أن الانتخابات الرئاسية ليست على الإطلاق هي الحل، سواء لاستمرار الثورة، أو لتوقف المواجهة، بل تؤكد أن احتمالات تصاعد المواجهات بين أطراف متعددة بعد إعلان النتائج، هي الأقرب إلى الحدوث.
وتحدث الأستاذ هيكل ليزيد من هوة المفارقات، وليزيد من مبررات الفئة التي تقول إنها لا تجد اختيارا تقبل به، ويقول بصراحة:
"هناك انتخابات لرئاسة الدولة بعد يومين. وربما سمحت لنفسي أن أقول إنها لن تحل المشكلة. فلقد كان خطاب الانتخابات ذاتيا وشخصيا وإعلانيا في معظمه إذا جاز التعبير. حتى المناظرة الشهيرة بين عمرو موسى وعبد المنعم أبو الفتوح كان ترتيبها وإخراجها إعلانيا. رغم أنها سابقة مهمة في أساليب الخطاب السياسي المصري.
وبصرف النظر عن المخاطرة. فإنه لا يبدو لي أن أحدا من المرشحين يملك صورة كافية للحقائق تمكنه من مهام المرحلة. أو يملك رؤية مباشرة. أو قريبة لإمكانية فعل أكيد وتنفيذ كفء.أو يملك طاقما جاهزا لإدارة الدولة فور تسلمه للمسؤولية.
ثم إن الجهاز الإداري للدولة على حاله. ولوائحها الإدارية والتنفيذية هي هي. ومجموعات القيم السائدة في العلاقة بين السلطة والمواطن لم تلحق بعد بهيبة الثورة.
وفي الوقت نفسه فإن مشاكل الأمن مزعجة، وقضاياه معقدة.
ولست أعرف كيف يمكن أن يتصرف أي مرشح إزاء المؤسسات، أو إزاء الأجهزة، أو بالمسؤولية أمام الناس".
" لأكون صريحا معكم، هناك انتخابات لرئيس جديد تجري بعد يومين. وهناك مرشحون عدة تقدموا. وقلبي معهم جميعا. لكن خشيتي عليهم وعلى البلد أكبر من تقديري لهم.
ولا أعرف ما يدور في رأس كل واحد منهم. لكني أظن أن من يفوز في انتخابات الرئاسة منهم يحتاج إلى معجزة لكي ينجح في مهمته.
ولقد سمعناهم جميعا فيما قدموا أنفسهم به إلا أن كل ما سمعناه لم يشف غليلا. فمعظمه أقرب إلى الإعلان والترويج. وربما التعريف بالنفس وتزكية الذات. مع عروض لصور أريد لها أن توحي بالثقة في أصحابها. ولكن الصور لا تكفي لصنع حقائق.
هناك من يتصور أنه قادر.
وهناك من يتصور أنه يعرف.
وهناك من يتصور أن لديه ما يؤهله.
وللأمانة فإن كلا منهم قد يكون صادقا فيما يتصور. لكني أظن من مجمل ما سمعت أنه ليس لدى واحد منهم تمثل كامل للحقيقة. أو معرفة كافية بالظروف. أو رؤية واضحة لتحقيق ما يتصوره ويعلنه. ومع ذلك فهؤلاء الرجال جميعا لهم فضل التقدم والإقدام. والجسارة والتجاسر.
خشيتي الحقيقية أنهم جميعا في حاجة إلى معجزة!! إضافة إلى طلب المعجزة فإن كلا منهم له مشاكل حقيقية تخصه على الطريق. وإذا حدث واختاره الناس للرئاسة بأصواتهم".
ويستطرد: "سوف أقول شيئا قد لا يصح أن يُقال علنا، قد أقول إنني حتى هذه
اللحظة ما زلت مترددا في المشاركة في عملية التصويت، لا أعرف لمن أُعطي صوتي".
القاعدة العامة والشائعة في مثل هذه الأمور أن يشارك الكل، وأن يختار كل واحد ما يراه الأقرب إلى اقتناعه، لكن المأزق يتأتى من أن يشعر أحد ــ خطأ أم صوابا ــ أن خريطة الطريق.. كل الخرائط لا تؤدي إلى المأمول، أو حتى إلى المأمون، وهنا عليه أن يوازي بين ما يقول به الضمير، وما تقول به واجبات ممارسة المسؤولية السياسية العامة، وكذلك أجدني في حيرة لم أخلص فيها حتى الآن إلى رأي أستقر عليه.
أريد أن أشارك بدعوى ممارسة الحق والواجب، وفي الوقت نفسه لا أراني مستريحا للمشاركة.
ففي الممارسة الديمقراطية لا يصح لفرد أن يعاند، لكنه أيضاً وبحق الضمير لا يصح لفرد أن ينساق، خصوصا في قضايا مصير!!".
تخلص الشواهد وموقف من بلغت الثورة يقينهم، وحديث الأستاذ هيكل ودقة توصيفه للمشهد، أن إشارات الإنذار تتوالى، ولعلها تشي بأن الرئيس القادم لن يكمل ولايته، سواء لعجز في القدرة، أو لعدم استيعاب الحقائق التي أنتجتها ثورة يناير، وأن شبح الصدام يلوح في الأفق، وأن مداه غير آمن، ووعيد أحمد شفيق لمن يتظاهر بأن تجربة تصرف الجيش في العباسية، قابلة للتكرار، يؤكد أن هناك سيناريو جديدا للتعامل مع آليات باتت ملكا للشعب ولن يتنازل عنها، وهي ما بقي، من دروس الثورة، أن اخرج لتُعمل إرادتك بالفعل، وأيا كان الثمن.
إن الشباب الذي تحمل عبء كسر حاجز الخوف، ومقاومة الانحراف بأهداف الثورة وتفريغها من مضمونها مطالب بأن يدرك أن القادم فعل بالوعي، يجب أن تكون له قيادته وتنظيمه، وهو بالضرورة مطالب أن يعيد ميدان التحرير ميدانا للثورة وأن يزيل عنه التشوهات التي كان القصد منها تشويه الثورة وحرمانها من قيمتها التي تجلت في الأيام الأولى، أنها فعل للشعب وبالشعب لتحرير الإرادة وبناء نظام جديد يحقق العيش والحرية والعدالة الاجتماعية.
إن الشباب مطالب بأن يغتسل من مهام فرضت عليه في الحملات الانتخابية، وأخذت بناصيته أضواء الكاميرات، لتحول سلوكه من الفعل إلى الكلام.
إن مهمة الدستور بين أيدينا، والتفريط فيها وفي خطواتها الواجبة ستؤدي إلى طعنة قاتلة للوطن.
إننا مطالبون بعدم ترك الجمعية التأسيسية للدستور عرضة لصراعات ضيقة، وقوى الثورة، صاحبة الحق، وصاحبة المصلحة، مكتوفة الأيدي أو فاقدة الرؤية.
إننا مطالبون بأن يكون التعبير الحقيقي داخل الجمعية التأسيسية متضمنا تمثيلا حقيقيا للقوى الاجتماعية، ولكل مكونات المجتمع، حتى وإن تطلب هذا تغييرا في طبيعة تكوين الجمعية والنصوص الحاكمة لها.
إن الحوار المجتمعي حول مسودة الدستور يجب أن يأخذ مداه، من حيث الوصول به لجميع مكونات المجتمع، واحترام رؤاهم، وإتاحة الزمن الكافي لهذه المهمة.
إننا مطالبون بإدراك حقيقة العديد من التشكيلات، خاصة أنها ما زالت وليدة، وبدون تجربة تشحذ قدرتها، والمثال على ذلك نقابة الفلاحين، والتي عقدت لقاء احتفاليا يوم الأحد 20 مايو لمرور عام على تكوينها، والذي تحول إلى واقعة كاشفة، بأنه ليس مجرد إطلاق الاسم يعني تحرير إرادة الفلاح في التعبير عن ذاته واحتياجاته، إلى حد أن مجرد محاولة من أحد الحضور للتعبير عما يعانون من مشاكل، استدعى التعامل الجسدي معه، ممن يكونون شريحة الانحراف الجديد، بسلوكيات أمنية استدعت من بعضنا التدخل لإثبات أن هذا الفلاح الشاب هو صاحب النقابة وليس غيره ممن يرتدون مسوح الولاء لسلطة توهموها، فاستعدوا أصحاب الحق الأصيل.
هذا ما وصلنا إليه، استمرار لفترة انتقالية جديدة، مع إضافة تعبير "رئيس منتخب" ودستور غائب.
أيا كان القادم، فلا شرعية له ينتجها صندوق الانتخاب، ولكن مصدرها معامل المتابعة له والمراجعة لأفعاله، ودون فترة سماح أياً كانت تحت دعوى أن يستوعب ويدرك، ليتمكن من اتخاذ قرار.
قرارات مواجهة الثورة سهلة عليهم، ومارسوها طوال 18 شهرا، ومهام الثورة غائبة عن الوعي بها، وليس أمامنا إلا أن نفرضها، وأيا كان الثمن، فهذا قدرنا، وثمن واجب لتحرير الشعب وتحقيق غاياته في العيش والحرية بمعناهما الشامل، وتحقيق العدل الاجتماعي.

  نقلا عن صحيفة الشرق القطرية