أحمد زويل يكتب :مصر الجديدة: لا تفقدوا الأمل

جولة عربية

الثلاثاء, 22 مايو 2012 14:52
أحمد زويل يكتب :مصر الجديدة: لا تفقدوا الأمل

منذ بضعة أيام، شاهدت مناظرة بين اثنين من أقوى الشخصيات ضمن المرشحين الثلاثة عشر لرئاسة مصر، وهما السيد عمرو موسى والدكتور عبد المنعم أبو الفتوح،

وامتدت هذه المناظرة الرائعة لما يزيد على أربع ساعات، وشاهدها ملايين المصريين والعرب. وعلى عكس التصور السائد في جميع أنحاء العالم بأن مصر تغرق أكثر فأكثر داخل دوامة من الفوضى والتعصب، جاءت هذه المناظرة في كثير من جوانبها لتعكس الأمل في الوصول إلى مصر جديدة عقب ثورة 25 يناير العام الماضي.
ومنذ عهد رمسيس الثاني، الفرعون القوي الذي حكم مصر منذ آلاف السنين، وحتى العام الماضي، حينما انتهى حكم مبارك، لم يكن في مقدور المصريين مطلقا أن يشهدوا مناظرة حول من سيمسك بزمام الديمقراطية في أعلى منصب في الدولة. وهذا في حد ذاته - إلى جانب انتخاب البرلمان في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، الذي شارك فيه 60 في المائة من الناخبين الذين لهم حق التصويت - يمثل علامة فارقة في تاريخ البلاد، تمهد طريقا جديدا، وإن كان وعرا، نحو الديمقراطية.
وعلى عكس ما حدث في الجارة سوريا أو قبلها في ليبيا، فقد تصدى الجيش المصري للمهمة الثقيلة وقام بحماية الثورة في أيامها الأولى، كما كان الوصي على إجراء انتخابات تتسم بالنزاهة والشفافية لأول مرة.
وبالطبع، ما زالت البلاد تواجه تحديات ضخمة، ومن أخطر هذه التحديات الضائقة الاقتصادية، وسيطرة الغموض على المناخ السياسي، وتدهور الوضع الأمني، وهو وضع أصبح المجتمع المصري يواجهه من جديد. وقد ازدادت هذه المشكلات تعقيدا على مدار الأشهر الخمسة عشر الماضية، في ظل تعثر كل قوة من القوى الثلاث الرئيسية التي شاركت في الثورة، وهي المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذي يتحمل المسؤولية في الفترة الانتقالية، والأحزاب السياسية الليبرالية وكذلك الإسلامية، والشباب الذين أشعلوا الثورة، بشكل أو بآخر. وحتى بعض من كانوا أكثر تعطشا لتغيير دولة مبارك الجامدة وتحويلها من مجتمع يفتقر إلى الديمقراطية إلى مجتمع ثري بالديمقراطية، بدأوا بفعل الإحساس باليأس يحنون إلى الاستقرار القديم.
صحيح أن هناك أعراضا فوضوية - مثل الصراعات بين الأحزاب السياسية المختلفة والصدامات التي تحدث بين الحين والآخر بين كل من المجلس العسكري والبرلمان والحكومة - إلا أن هذا هو صورة من «الفوضى الخلاقة»، على حد تعبير كوندوليزا رايس، جاءت نتيجة للتغييرات الثورية التي ستؤدي في نهاية المطاف إلى نظام ديمقراطي مستقر.
وتعطينا الانتخابات الرئاسية التي جرت في فرنسا هذا العام، والتي تغلب فيها فرنسوا هولاند على نيكولا ساركوزي، درسا في الانتقال السلمي والمتحضر للسلطة. ولكن إذا رجعنا إلى الوراء سنجد أن الثورة الفرنسية التي وقعت قبل ما يزيد على قرنين من الزمان، صاحبها الكثير من إراقة الدماء والصراعات السياسية الفظيعة التي استمرت سنوات طويلة، رغم أنها كانت حركة تحرر لا تختلف كثيرا عن حركتنا. وفي الواقع، تعتبر علامة مبشرة أن المصريين ما زالوا يزحفون قدما نحو الديمقراطية بكمّ أقل نسبيا من إراقة الدماء، وجميع المؤشرات توحي بأن مصر ليست مقبلة على ثورة مضادة، وأننا لن نعود مرة أخرى إلى نظام حكم شمولي.
ولعل الأكثر تشجيعا في الأمر هو إحساس المصريين بالثقة في مستقبلهم. فقد أخبرني محافظ البنك المركزي المصري، الدكتور فاروق العقدة، مؤخرا بأن إيرادات العملة الصعبة القادمة من تحويلات العاملين بالخارج إلى البنك المركزي هي الأعلى على الإطلاق. وحتى الإضرابات الكثيرة التي وقعت من أجل المطالبة بتحسين مستوى التعليم والرعاية الصحية وزيادة الأجور يمكن قراءتها على أنها تصرفات تعكس توقعات كبيرة

بالنسبة للمستقبل.
ويعد تزايد العنف بين بعض المسلمين والمسيحيين مصدرا للقلق، غير أن الإعلام بالغ في الحديث عن أصل هذا العنف وحدّته. فتاريخ المسيحيين في مصر هو جزء من نسيج المجتمع، ولا يوجد في مصر «غيتو» للسكان من الأقليات أو فصل عنصري بين التلاميذ في المدارس، وإن كان لديها في الواقع بعض المشكلات القابلة للحل التي ينبغي معالجتها، مثل المشكلات المتعلقة بقضايا المجتمع المدني والتمثيل في الحكم.
وقد نشأت وترعرعت في مصر، وشهدت التناغم والتآلف بين أبناء الديانتين، حيث كنا نحتفل معا بالعيدين وعيد الفصح ورأس السنة، وكنا نعيش معا في نفس البناية ونذهب معا إلى نفس المدرسة. وقد كان الراحل البابا شنودة يقول: «نحن لا نعيش في مصر، بل إن مصر هي التي تعيش فينا». كما وقّع الإمام الأكبر وشيخ الأزهر الحالي، الدكتور أحمد الطيب، على ورقة دستورية جديدة تطالب بالوحدة وحقوق الإنسان من أجل المصريين جميعا.
وفي الفترة التي أعقبت الثورة، سعت بعض العناصر السيئة، مثل من ينتمون إلى النظام القديم، إلى تأجيج العنف بين الديانتين من أجل زعزعة استقرار نظامنا الديمقراطي الوليد، وعدم ترسخ هذا لفترة طويلة هو أيضا علامة أخرى تبعث على الأمل.
وقد كان من الطبيعي أن يثور الجدل حاليا حول دور الدين في السياسة، والحقيقة أن المناظرة الأخيرة معبرة للغاية عن هذا التغيير، حيث كان الدكتور أبو الفتوح عضوا في جماعة الإخوان المسلمين، التي تأسست عام 1928 وتعرضت منذ نشأتها للاضطهاد السياسي، وهو يمثل التيار الإسلامي، بالمعنى الأوسع للكلمة. وفي المقابل، فإن السيد عمرو موسى، الذي كان وزيرا للخارجية وأمينا عاما لجماعة الدول العربية في عهد مبارك، يمثل التيار الليبرالي.
وقد كان عقد مناظرة مفتوحة بين التوجهين العلماني والديني في السياسة أمرا غير وارد طيلة السنوات الستين الماضية، وهذا الانفتاح الجديد يعني أن رجل الشارع المصري قد بدأ ينضج، وأن المواطنين أصبحوا يتحملون مسؤولية مصيرهم، بالإصرار على أن تتنافس الرؤى والآيديولوجيات المختلفة في ما بينها. وفي النهاية، أصبح المصريون يدركون، لأول مرة، أنه يمكنهم اختيار مستقبلهم، وأن أحدا لن يمليه أو يفرضه عليهم.
ومن خلال معايشتي للأجواء داخل مصر، أنا على ثقة من أن المجلس العسكري سوف يسلم السلطة إلى الرئيس المنتخب، وإن كنت أعتقد أن المجلس يريد «خروجا مشرفا» وبعض الضمانات التي تتعلق بوضع الجيش في دستور مصر الجديدة.
والرسالة التي أحب أن أوجهها إلى الشعب المصري، وخصوصا إلى رجال السياسة، بسيطة للغاية، وهي: من أجل مصر، توحدوا جميعا لإكمال الانتقال من ديكتاتورية منهارة إلى ديمقراطية ناشئة، من خلال التركيز على وضع الدستور الجديد. وأيا كان من سيأتي إلى السلطة، فسوف يحمي الدستور المواطنين من إساءة استعمال السلطة سواء من الجهاز التشريعي أو التنفيذي. ولحسن الحظ، ما زالت مصر تتمتع بنظام قضائي محترم وكفء لتكمل به ثالوث الديمقراطية.
وما أخشاه هو أن يستمر الأسلوب الذي ساد في عهد مبارك وعرف باسم «حزب أعداء النجاح»، من خلال «التصارع على الأمور التافهة»، مما يؤدي إلى انجراف الأمة بعيدا عن القضايا المحورية المتعلقة بالدستور والإنتاجية الاقتصادية. فكلما زاد هذا المسار العقيم تأثيرا، طالت الفترة الانتقالية نحو الديمقراطية.
ومن المحتم أن لا نتخلى عن الأمل، ويجب على العالم أن يدعم نظاما ديمقراطيا تجاوز مرحلة الحمل ووصل حاليا إلى مرحلة المخاض، وأصبح على وشك ميلاد جديد.
* حائز جائزة نوبل في الكيمياء عام 1999، ويلعب حاليا دورا فاعلا في التحول الديمقراطي داخل مصر
نقلا عن صحيفة الشرق الاوسط