العزب الطيب الطاهر يكتب :كتابة جديدة لتاريخ المحروسة

جولة عربية

الاثنين, 21 مايو 2012 08:50
العزب الطيب الطاهر يكتب :كتابة جديدة لتاريخ المحروسة

بعد غد ستكون المحروسة - وأقصد بها مصر -على موعد مع كتابة جديدة لتاريخها السياسي المعاصر مع انطلاق أول انتخابات رئاسية حقيقية تنهض على أكثر من مرشح من شرائح وتوجهات مختلفة وتلك واحدة من الإفرازات الإيجابية لثورة الخامس والعشرين من يناير التي يحاول البعض إجهاض أهدافها وتقليص تأثيرها في الواقع المصري

في عيون المصريين ترصد هذه الأيام ألقا وتوهجا ونورا وعشقا لزمن جديد يحكمهم فيه رئيس طالع من رحم الوطن مسكون بما يقض مضاجعهم وحالم بالخروج من سلسلة من الأزمات التي تحاصرهم بعد أن وهبوا الثورة كل شيء لكن من امتطوا صهوتها كادوا يدفعوها إلى دائرة الخذلان والفشل لولا بقية من إيمان بقيمها هي من تحافظ عليها وتمضي بها إلى الأمام وفق نظرية التسيير الذاتي
تتحرك في الشارع في الحارات في أطراف المدن في النجوع والقرى البعيدة في مختلف أنحاء المحروسة لا حديث يعلو على حديث انتخابات الرئاسة والمرشحين والنقاش حول أيهم أجدر بالحصول على المنصب الرفيع المقام وهو ما ينبئ عن حيوية كانت مفتقدة وأحلام كانت مجهضة
في شاشات الفضائيات المحلية والعربية تتصدر الانتخابات البرامج والنشرات الإخبارية وبعضها يقيم المناظرات والحوارات التي تكشف عن المستور في توجهات وفكر المرشحين وكثيرا ما يفاجأ المشاهدون بجوانب أخرى في شخصية المرشحين لم تكن واضحة القسمات من قبل لكن الغضب كشف عنها. فبان من يمتلك القدرة على كظم غيظه وظهر من يمتلك الروية والهدوء أو القابلية للاستفزاز. بينما كان مبارك يمتلك دوما القدرة على خداع شعبه سواء من حيث الشكل أو المحتوى والذي لم تنطل عليه حيله في صباغة شعره فكان يدرك أن الشيب لا يسكن مظهره الخارجي وإنما مكوناته الداخلية بكل أبعادها
في الانتخابات سيخرج شعب مصر حاملا حلمه في التغيير متطلعا لأن يمتلك ناصية أمور البلاد وقراره الوطني المستقل والبعيد عن تأثيرات القوى الإقليمية أو الدولية بل وبعيد عن هيمنة رأس المال الذي كان في حالة عناق مع السلطة بكل مكوناتها خلال ثلاثين عاما أو قل خلال أربعة عقود فالبداية كانت مع الراحل أنور السادات المؤسس الحقيقي لنظام حسني مبارك
لا يمكنك أن تعرف اتجاه الريح رغم الاستطلاعات التي تنظمها صحف قومية خاصة وكل منها يكيف نتائجها مع مصالحه والقوى التي يعبر عنها لكنها جميعا لا تحدد من سيختاره الشعب على وجه اليقين رغم حجم الدعاية الذي لم تشهده المحروسة طوال تاريخها ويتحدث الناس عن ضخ أموال شديدة الضخامة في المعركة الانتخابية ويدللون على ذلك بحجم الإعلانات التي تحملها جدران القاهرة والمحافظات الأخرى وعلى شاشات التليفزيون والتي تعكس قدرا لا بأس به من أموال دفعت لشركات العلاقات العامة والدعاية وثمة من يتخوف من أموال مدفوعة من الخارج لتمويل حملة هذا المرشح أو ذاك وفي المقابل فإن الجميع ينفي حصوله على تمويل من أي دولة بالخارج ويعلن اعتماده على أمواله الخاصة وتبرعات مناصرين وأظن أن التلويح بورقة التمويل الخارجي ينطوي على حرب نفسية ضد مرشحين بأنفسهم بهدف إزاحتهم من المواقع المتقدمة التي باتوا يحتلونها
وقد شهدت المعركة الانتخابية في أيامها الأخيرة نوعا من الحروب الثقيلة أو ما يسمى بحرب تكسير العظام وفي مقدمة من طالتهم قذائف هذه الحرب أحمد شفيق والذي تحاصره اتهامات شديدة الوطء في ذمته المالية وقيامه ببيع أراض لنجلي مبارك علاء وجمال بأرخص الأسعار والتي تمت إحالتها إلى النيابة العامة وهو تطور يوشك أن يقضي على البقية الباقية لشفيق الذي يقاتل من أجل البقاء في المشهد الانتخابي.
المعركة حامية الوطيس خاصة في ساعاتها الأخيرة والتي تعكس

صراعا على السلطة ليس بين أشخاص بعينهم وإنما بين اتجاهات سياسية تتنازعها تباينات وتناقضات عدة يحاول التيار الإسلامي بشقيه: الإخوان والسلفيين أن يتصدر نتائجها مستخدما كل الوسائل بينما يسعى التيار الليبرالي إلى فرض حضوره باعتباره المنقذ في حين يطرح مرشحو التيار الثوري الذين ينتمون إلى ثوار يناير أنفسهم بحسبانهم البديل الحقيقي الذي يحتاجه الوطن الآن. وثمة تهديدات بتفجير ثورة ثانية إن ربح واحد من بقايا النظام في انتخابات الرئاسة
ليشتبك الجميع في عراك سياسي قبيل "تشغيل" صناديق الاقتراع أما بعد أن تعطي أكلها فعلى الجميع أن يلتزم بما أٍسفرت عنه وأخشى ما أخشاه أن تحاول قوى وتيارات معينة في حال خسارة مرشحها إلى إثارة الاضطرابات بحجة وقوع تزوير فتقود البلاد إلى حالة من عدم الاستقرار قد تفضي إلى نتائج محفوفة بالمخاطر على أمن الوطن والمعضلة تكمن في أن كل مرشح يزعم أنه المعبر عن الأغلبية وبالتالي فإنه يرجع خسارته من دون تفكير إلى ما يظنه تزويرا بل إن بعض القوى بدأت تتحسب لذلك وثمة مناقشات جرت في مجلس الشعب لكني أجزم بأن التزوير لم يعد له موقع في الأداء الانتخابي في المحروسة بفعل حالة اليقظة التي باتت تسكن الوجدان والعقل المصري والتي لن تسمح على الإطلاق بوقوعه مهما كان الثمن فقد ارتوى المصريون من التزوير على مدى العقود الثلاثة المنصرمة من حكم مبارك ولم يعد بمقدورهم تحمل المزيد من مكابداته ومعاناته ومخاطره هذا أولا
أما ثانيا فإن عملية الاقتراع ستخضع لمراقبة محلية ودولية صارمة فضلا عن وجود مندوبي المرشحين أنفسهم ومع ذلك فإن ثمة تكهنات بوقوع تجاوزات من قبل بعض المرشحين أنفسهم في سعيهم المحموم للحصول على الموقع الأول وهو لن يكون على نحو واسع وسيتم احتواؤه فورا في ظل العيون الشاخصة من قبل المناوئين
وقد يسألني البعض لمن ستدلي بصوتك في الانتخابات؟
وحتى أكون صادقا وأمينا أقول: إن قلبي مع مرشح أحبه وهو حمدين صباحي لاعتبارات تتعلق بالمنظور المشترك والمتمثل في انتمائنا إلى فكر ثورة يوليو ومفجرها جمال عبدالناصر فضلا عن فترة زمالة أثناء الدراسة بكلية الإعلام بجامعة القاهرة في النصف الثاني من سبعينيات القرن الفائت والأهم عملي معه بجريدة الطلاب التي كانت تصدر عن الاتحاد العام لطلاب جامعات مصر في النصف الثاني من سبعينيات القرن الفائت والتي كانت واحدة من أهم الحصون المقاومة لنظام الرئيس الراحل أنور السادات كما أن حمدين يمثل الجيل الثوري المتفاعل مع أوجاع الفقراء ولديه مشروع محدد للعدل الاجتماعي واستقلالية القرار الوطني واستعادة الروح القومية للمحروسة
ويشهد بيتي كغيره من بيوت المحروسة نقاشات حادة فطالبة كلية الآداب تريد أن تمنح صوتها لمحمد مرسي راغبة في حكم إسلامي وأم البنات تريد عمرو موسى تراه مرشحا ملائما للعبور بالوطن من زمن مبارك إلى الزمان الجديد بحكم خبراته السابقة ودرايته الواسعة بمفردات الدولة المصرية بيد أن تيارا ثالثا تقوده ابنتي الكبرى الفنانة التشكيلية يميل إلى عبدالمنعم أبو الفتوح وقلت لهن: كل واحدة تختار من تريد فقد ولى زمن القهر ولم يعد بمقدور أحد أن يفرض شخصا بعينه
وفي تقديري الفائز الأكبر في انتخابات الرئاسة ليس الشخص الذي سيربحها. وإنما الوطن والذي سيستعيد عافيته وحريته وقدرته على فرض ملامحه الخاصة والشعب الذي سيكون قادرا على الاختيار بمنأى عن سيف السلطان أو ذهبه.
السطر الأخير:
انتبهي
وجهك راحل في مدى عشقي
مسافر بحدائق القلب
يرويها شعرا
يمنحها سكنا
يضفرها وجدا
فكوني سنبلة لتوهجي
حقلا لقصائدي
هدأة لوجعي
صيرورة لبهجتي القديمة
لاتستعصي على الألق
تزودي بعطر الكتابة
تمددي أبنوسة في غاباتي الولهى
زخما في فضاء الروح
نقلا عن صحيفة الشرق القطرية