حسين شبكشى يكتب :سكوت... «حنصوت»!

جولة عربية

الاثنين, 21 مايو 2012 08:46
حسين شبكشى يكتب :سكوت... «حنصوت»!

منذ تنحي الرئيس المصري السابق حسني مبارك، يبدو جليا أن حالة الاضطراب والقلق والتأزم باتت سيد الموقف على الساحة السياسية المصرية عموما، وخصوصا الشارع المتأجج فيها بشكل غير مفهوم ومضطرب دون أن يكون هناك تفسير منطقي وحقيقي للكثير من الأحداث التي وقعت، مما جعل الساحة تربة خصبة جدا لقبول ونمو كل نظريات المؤامرة بشتى أبطالها وأسبابها، واستغل ذلك طيف غير قليل من المستفيدين من فوضى المشهد المصري.

ولكن ما أدهش المراقبين المتابعين لأحداث مصر وما يحدث فيها، هو السكينة والهدوء والأمان والطمأنينة التي حلت «فجأة» على البلاد بشكل غريب واستثنائي ومذهل خلال الانتخابات البرلمانية التي حصلت مؤخرا، فتوقفت المظاهرات والاحتجاجات والاعتصامات التي كانت تحصل بشكل متواصل ومن دون توقف تقريبا، وحل الأمن على شوارع البلاد وأزقتها في مدنها وقراها.
وها هي الآن مصر تشهد هدوءا جديدا آخر لأن شعبها في الداخل وفي الخارج يدلي بصوته لاختيار رئيس الجمهورية المقبل، وذلك لأول مرة بشكل حر ومنفتح كما يحدث فيها الآن.
مصر تختار زعيمها المنتخب المقبل من بين 13 مرشحا يمثلون أطيافا مختلفة ما بين تيارات محسوبة على التوجه الديني الإسلامي، وأخرى على الدولة المدنية، وغيرها على اليسار الاشتراكي أو الناصري، وهناك أيضا من يمثل ملامح النظام القديم بعض الشيء.
الآلاف من الملصقات والشعارات تعم شوارع القاهرة وجدرانها هي وسائر المدن المصرية الكبرى في مختلف المحافظات، المرشحون يجوبون البلاد ويقطعونها شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، وذلك في الليل والنهار،

للتعرف عن كثب على المصوتين الناخبين وحضور الندوات والمؤتمرات واللقاءات العامة المفتوحة.
الدعايات والإعلانات وحملات الترويج في كل مكان تقدم المرشحين وكأنهم أهم المنتجات الجديدة، تقودها شركات دعاية وإعلان محترفة في بعض الأحيان، وغير محترفة وبدائية في أحيان أخرى، يدعم كل ذلك أرتال من المال يتم صرفها بشكل محموم وغير مسبوق، مع الإقرار بأن مصدر التمويل وأسلوب الحصول عليه يحمل الكثير من علامات الاستفهام والأكثر من علامات التعجب، واستمر المشهد الانتخابي المصري يثير التعجب بالمزيد من الأحداث والمفاجآت وحصول السابقة تلو الأخرى فيه.
وكان مشهد المناظرة الرئاسية التلفزيونية بين عمرو موسى وعبد المنعم أبو الفتوح على قناة تلفزيونية خاصة - وليست بالحكومية - وكان يدير المناظرة إعلاميان مستقلان، مشهدا جديدا ولافتا ونال نصيبا طيبا من المشاهدة والمتابعة والاهتمام، على الرغم من وجود بعض الملاحظات على المناظرة، كون التجربة جديدة وتعقد لأول مرة، وبالتالي كان من الممكن أن يتم الإعداد لها بشكل أفضل، وتكون الأسئلة أقصر ومباشرة أكبر، ومن دون بعض المجاملات، مع عدم إغفال أن عدم وجود بعض المرشحين الآخرين وحصر المناظرة في اثنين فقط أضعف فعالية المناظرة، ولكن ذلك لا يلغي أهميتها وكون التجربة نجحت بالعموم.
التجربة الانتخابية لاختيار الرئيس المصري المقبل بدأت وسط
بحار من الشك والخوف والقلق، وهناك من أقسم وأكد ووعد أن الانتخابات الرئاسية لن تقام في موعدها المقرر، وأنها سوف تؤجل أو حتى تلغى، بل إن هناك من قال إن الجيش المصري لن يسمح لهذا المهرجان السياسي بالاستمرار، وسيحسم الأمر بنفسه وإعادة الأمور إلى نصابها.
ولكن الضغط الشعبي والرقابة الدولية والاهتمام العام بما سيحصل في مصر، كل ذلك كانت ترجمته أن مصر تحولت من مبدأ ميدان التحرير إلى صندوق الانتخابات، وعلاجا لمسألة إعادة كتابة الدستور من أول وجديد، وهو مطلب حيوي وأساسي، فكيف سيحكم مصر الرئيس والبرلمان والحكومة دون خطوط تماس واضحة وصريحة تنظم العلاقة وتهذب الخلاف بين مختلف الأطراف؟ فقدم المجلس العسكري حلا سريعا لذلك بأن منح الرئيس حق حل البرلمان، ومنح البرلمان حق حل الحكومة، ومنح الجيش حق حماية نفسه، وهو بذلك يمنح كل طرف في المعادلة الحاكمة الحد الذي تحفظ به الكرامة ويؤدى به الغرض السياسي المنشود لأجلها، وتستمر العجلة في الدوران، وهذا طبعا ليس إلا حلا مؤقتا جدا حتى الانتهاء من كتابة الدستور الجديد كاملا بتفاصيله المنتظرة.
هذه الانتخابات من المفروض ألا تكون فيها النتائج الكاريكاتيرية السابقة ذات النسب الوهمية وأرقام الـ99 في المائة إياها، كذلك لن تكون هناك إمكانية لتحقيق «التزوير الممنهج» لقلب النتائج كاملة كما كان يحدث قديما في العهود السابقة، وإن كانت النتائج قد تظهر حالات من التجاوزات المحدودة ولكنها تبقى هكذا: حالات ومحددة وليست عامة. مصر تلتزم الصمت وتكتم أنفاسها وهي تعلم أن العالم يراقبها وهي تنتخب، وهي فرصتها للخروج من الأزمة الخانقة التي حصلت لها بعد الثورة لتعيد استقرارها مجددا بعد أن أساءت بعض التصرفات لثورة مهمة تحدث عنها العالم بإعجاب، وقد يبدو أن البلد الذي يتغنى بحضارة تاريخ عمرها 7 آلاف سنة لديه فرصة لكتابة المستقبل.
نقلا عن صحيفة الشرق الاوسط