حبشي رشدي يكتب:علماء مصريون في ألمانيا.. وألمان في مصر

جولة عربية

الأحد, 20 مايو 2012 13:01
حبشي رشدي يكتب:علماء مصريون في ألمانيا.. وألمان في مصرحبشي رشدي
بقلم - حبشي رشدي

غنى لها «موليير مصر»، زجلا من أروع ازجاله، فقد غازلها بديع خيري كما لم يغازل سندريلا بهرته بحسنها، ناداها «شمس الشموسة، بتدليل فيه مقاربة واحتضان وألفة، وتعظيم، أغرى الرائع ايضا سيد درويش بدوزنتها، ومن ثم دندنتها.

فاللافت في مجمل ابداع بديع خيري امتلاؤه بشحنات دفاقة من الطاقة، يتزود بها عاطفيا وبدنيا كثيرون ممن يقرأوها، او حينما ينصتون لها، وقد اعادت كتابتها اصوات : فيروز واسمهان والشحرورة صباح ومحمد فوزي وغيرهم.

كاتب : قوم يامصري.. مصر دايما بتناديك، هو من كتب ايضا لشمس الشموسة : طلعت يا مـــــحلا نورها شــمس الشموســه /يالله بنـــا نمـــــلا ونحلب لبـــن الجاموســــه، وكأن هذا البديع في زمانه قد استشعر علاقة ممكنة بين دفء الشمس، ويقظة الانسان المصري المرجوة تتجاوز المعنى التقليدي للاستيقاظ بعد نوم بالتزامن مع اول ضوء تشرق به شمس الشموسة في الافق، او بين دفء الشمس وطاقة الغد، وذلك قبل ان يتحدث احد في زمنه عن الطاقة الشمسية، بذات الطموح والسخاء الذي نتحدث به اليوم.

غير انه قد حل الزمن الذي صرنا فيه نتفاخر بأن عبقريا عربيا مصريا، اصبح فذا في شؤون هذه الطاقة، انه العالم ابراهيم سمك، الذي تتحدث عنه ألمانيا، باعتباره واحدا من اكبر علماء العالم في الطاقة الشمسية، فأضاف سمك علما لشعر البديع في زمانه وفي ازمنة تالية لرحيله : بديع خيري.

لا يحير المرء كثيرا اشتعال عقليات عربية ومصرية خارج بلادها، فالاسباب تكاد تكون معروفة، فهذه النخب المصرية المبدعة في اوروبا واميركا تألقت حينما توفرت لها المناخات البحثية العلمية الصحية والوافرة الامكانات، فاتقدت اذهانها بالعلم والفكر، ووفرت مستبطات لخدمة الانسانية، بل وغيرت في نظريات كانت مستقرة فيما قبل اكتشافاتها.

اثق انه رغم نبوغ حفنة من علمائنا بالخارج، لن يتملك المصريين ما تملك الالمان في زمن النظرية الهتلرية التي تغنت بالعرق الآري، وعدته العرق الاكثر تفوقا بين الاجناس البشرية، ولكن ما يمكن قوله ببساطة، ان العقل المصري، وايضا العربي، حينما تتوفر له شروط وظروف الابداع، تبدأ الامشاج والكروزومات الحضارية الكامنة في خلايا ذهنه بالالتماع ووصل زمن سحيق كانت مصر فيه مصدر الحضارة الخصب لكثير من شعوب العالم، بعصر حالي، فقدت فيه مصر ريادتها منذ أكثر من ألفية انصرمت.

ثمة شيء شبيه بالتجدد يحدث، وينشأ عن الاحتكاك الذي يشعل اشياء كانت مطفأة، وثمة طموح يتحرر من كوابح فينحو المرء إلى التفوق ومحاكاة تقدم المتقدمين، ذلك لان الابداع لا وطن له، وايضا لا عرق او جنس له.

اما داخل مصر الراهنة، فلا تتوفر هذه الشروط، لذا فان آلافا من العقول يدهسها الواقع، ويبتلعها الفقر او الجهل او المرض، او ثلاثتهم معا.

اما ان اتيح لهذه العقول ان تسافر، او انها تهاجر، فانها تلتحق بعصرها في مهجرها، ويكون بوسعها الابداع والتفوق.

يقطع بذلك نماذج وامثلة نعرفها جميعا، مثل احمد زويل، وفاروق الباز، ومجدي يعقوب، وهاني عازر، وابراهيم سمك وغيرهم.

انهم اناس تحالفوا مع العلم،

واستطاعوا بأذهانهم العبقرية النفاذ في عضد حضارات غربية تقتر عطاءها للآخرين، وتسرق العقول اكثر بكثير مما تسدي، وان أسدت، فبحذر، وبثمن هائل.

وفي حين يفترض بمصر ان تبكي ظروفها الراهنة، كونها تحولت إلى بيئة طاردة لهؤلاء العلماء حينما كانوا مجرد اشبال تهفو نفوسهم إلى التعلم والتزود بعلوم العصر، ولم تتح لهم، وغيرهم بالآلاف، نفس الظروف التي اتاحتها اميركا واوروبا لهؤلاء العلماء.

الحضارة البيضاء لم تغدق عليهم فقط المال، ولكنها فتحت امامهم أبواب أرقى الجامعات، فأثروها بقدر ما اغنت عقولهم، واضافوا اليها مقابل ما اضافت اليهم.

ورغم ان عطاء الحضارة البيضاء لهم يفوق ما أسداه مجتمعهم المصري، حينما كانوا فيه بريعان شبابهم، الا انه - رغم ذلك - لم يضعف ولاؤهم لمصر، ولم تغب عن شغاف القلب البلد الام، مسقط الرأس ومنبت الطفولة، ومن ثم رأينا بعضهم يعود ويطرح في مصر رؤاه وافكاره، آملين تأبط ام الدنيا إلى العصر الذي لم تلتحق به بعد بقدر كاف، والى استئناف التألق الذي تتحول بمقتضاه إلى مركز اشعاع كما كانت في امتها واقليمها وقارتها.

فرأينا زويل يفتتح مشروعا اكاديميا سيكون مدرارا «مدينة زويل»، ورأينا فاروق الباز يطرح مشروع ممر التنمية، ورأينا مجدي يعقوب يؤوب إلى أقصى الجنوب ليستقر في اسوان، مفتتحا مشفى للقلب لا يوجد مثله في مصر.

ومثل هذا الإياب المحمود يؤمل ان يقدم عليه عالمان مصريان كبيران تحتاجهما مصر الآن اكثر من اي وقت مضى، اولهما العالم العبقري ابراهيم سمك المتخصص في الطاقة الشمسية والذي اذهل الالمان بعطائه البحثي، والذي تترجم إلى مبان شهيرة في ألمانيا تضاء بالطاقة الشمسية وثانيهما المهندس المصري العبقري هاني عازر، والذي استعانت به ألمانيا لتصميم وتنفيذ واحد من اكبر المشروعات في ألمانيا واوروبا، وهو مشروع بناء محطة القطارات الرئيسية، والذي تعول عليه ألمانيا لتأمين الاتصال إلى كل انحاء الدولة واوروبا، وبتصاميم عبقرية غير مسبوقة.

وقيمة هذين العالمين الكبيرين ليست فقط فيما يسديانه من مشروعات، ولكن ايضا في ان نبوغهما يتفوق ويتألق ويزهو في ألمانيا، عرين العقل العبقري، والذي رفد معامل ومختبرات العالم في مجالات شتى، بعدد هائل من ابرز العلماء الذين غيروا من مسارات العلم ونظرياته في التاريخ الانساني الحديث.

فالتفوق على العباقرة، والبزوغ وسط عقليات فذة، والابداع ومن حولك النخب الكثر تفوقا من بين علماء وخبراء العالم.

كما ان قيمة هذين العالمين الجليلين ليست فقط فيما اسلفناه، ولكن ايضا في ان الرجلين لم يتهافتا على التعريف بنفسيهما، ولكن مصر عرفتهما حينما تحدثت عنهما الصحافة الألمانية.

ذكرني هذين العالمين المصريين في

ألمانيا بما حدث في عهد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، حينما استهدف التغلب على افتقار الجيش المصري لطيران متفوق، ليكون ندا لسلاح الجو الاسرائيلي الذي له اليد الطولى في المنطقة، وذلك من خلال امتلاك مصر لترسانة صاروخية تهدد العمق الاسرائيلي، ومن ثم استعان عبد الناصر وقتئذ بعدد من العلماء الالمان، لاجراء ابحاث في مصر، لتصميم وانتاج سلسلة صاروخية مصرية ضاربة، وحتى يتمكن الشباب المهندسون العسكريون المصريون من التزود بخبرات، من خلال الاحتكاك بهؤلاء العباقرة الالمان.

ولكن الاسرائيليين ما ان اشتموا هذا الخبر حتى بدأوا يهددون العلماء الالمان في مصر من خلال رسائل متفجرة، ويضغطون على مستشار ألمانيا الاتحادية وقتئذ «جيرهارد»، حتى ان تل ابيب نجحت بالفعل في سحب العلماء الالمان من مصر، ومن ثم لم ينجح مشروع عبد الناصر الصاروخي وتعثر تماما.

اذا، فالعلماء الالمان كانوا بيننا ذات تاريخ انصرم، لمساعدتنا فيما كنا نستهدفه، ولم يتصور احد انه سيأتي اليوم الذي سيساعد فيه علماء مصريون ألمانيا فيما تريده من مشروعات ضخمة.

ربما ان «عقدة الخواجة» جعلتنا نتصور دائما ان الخبرة التقنية والعلمية تسير في اتجاه واحد دائما، من الغرب إلى بلادنا، باعتبارها جزءا من العالم الثالث الفقير إلى العلم والتقانة الحديثة. ولكن «سمك» و«عازر» اثبتا انه بالممكن ان ينعكس هذا الاتجاه، وتبحث ألمانيا التي صارت تنخفض فيها معدلات المواليد عن عباقرة مصريين وعرب لسد العجز في الشراهة التقنية التي ادمنها الغرب، ولا يعيش الا بغزارتها.

المفارقة ربما تبدو غير متخيلة، ولكنها الآن واقع امامنا، رغم الفارق الهائل بين كون ما يسديه العلماء المصريون في ألمانيا هو بضاعة ألمانية ردت إلى ألمانيا، اما العلماء الالمان حينما كانوا بيننا ذات تاريخ مضى، فكانوا يحملون الينا بضاعة ألمانية صرفة، ندفع ثمنها من الالف للياء، ولم يكن لنا اي اسهام فيها.

ما يجدر الاشارة اليه ايضا ان الالمان يحملون للمصريين تقديرا خاصا، فذات تاريخ كان يتحدث زعيمهم النازي ادولف هتلر عن الجندي المصري باحترام شديد، ومن اقواله ما يعني انه لو تسنى له قوة الجندي المصري، وشجاعة الجندي الياباني، وعبقرية العقل الألماني، لنجح في السيطرة على العالم.

كان الرجل مجنونا ومخبولا، وهو يتحدث بهذه الطريقة الدموية التي استعدى بها العالم، وجلب عليه العار في التاريخ.

وحينما صمم الرئيس الراحل انور السادات بزته العسكرية بدرجة شبه كبيرة مع بزة هتلر، التقط اسرائيليون الاشارة، فكيف يرتدي رسول السلام بزة امبراطور الدماء والحرب والهولوكست.

وقد استوقفني مؤخرا ما عرضة حمدين صباحي المرشح للرئاسة المصرية من برنامجه، فالرجل تحدث عن هذين العالمين المصريين المقيمين في ألمانيا، بهدف احداث ثورة في استخدامات الطاقة الشمسية في مصر، بل ان الرجل قال ان مصر يمكنها ان تصدر الكهرباء المنتجة من الطاقة الشمسية إلى اوروبا، التي صارت قلقة من مخاطر الطاقة النووية.

اذا فصباحي يحاكي احتفاء «موليير مصر» الفطري بشمس الشموسة وبلا شك فان الرئيس المصري الذي سيحشد إلى جواره جيشا من العلماء والباحثين، سيكون مختلفا - بلا شك - عن الرئيس الذي يحشد إلى جواره جيشا من غير العلماء، ليكتشف لاحقا انهم كانوا من اللصوص والمنتفعين.

ومصر التي تدفع اليوم ثمنا باهظا لاهمالها التعليم، سوف تتغير فيها بوصلة الحياة لو انها اهتمت مجددا بالعلماء والباحثين، ولو أنها بنت جسورا وطيدة مع ابنائها العلماء والباحثين الذين تحتضنهم ارقى جامعات ومعاهد أوروبا والأميركتين، لاشراكهم في انتاج زهور بشرية من عيارهم، ولشن حرب ضروس ضد الفقر والجهل والمرض والسلوكيات الاجتماعية البغيضة.

فالجيش الذي ينبغي ان تعده مصر، ليس فقط ذراعها العسكرية القوية والقادرة، ولكنه ايضا جيش العلماء والباحثين، وهـــــو من اهم مكونات القوة الناعمة التي يجب ان تستردها مصر.
نقلا عن صحيفة االوطن القطرية