عاطف الغمري يكتب: منظومة الأمن القومي المصري

جولة عربية

الأربعاء, 16 مايو 2012 14:12
عاطف الغمري يكتب: منظومة الأمن القومي المصري

قد تبدو القضايا التي تمثل أولوية للرئيس القادم  المطروحة في برامج كثير من المرشحين  متعددة ومتنوعة، لكنها  في حالتنا المصرية  ترتبط في النهاية بقضية أولى ومحورية، وهي الأمن القومي لمصر .

فالنظام السابق  قبل 25 يناير  كان قد عمل، على نزع جذور مبدأ الأمن القومي، من تربة السياسة، وذلك حين تصرف  كغيره من أنظمة الحكم الفردي الديكتاتوري  باستبدال الأمن القومي للدولة، بمفهوم أمن النظام، ولكل منهما فلسفته، وأهدافه، وأسلوب عمله .

فأمن النظام يعمل على حشد جميع قوى الدولة ومواردها، وتوجيه عمل مؤسساتها، نحو تحقيق أهداف الفرد  الرئيس، مستنداً إلى جهاز أمن الدولة، وهو ذراعه الباطشة، في ردع أي صوت يعلو بمطالب وأهداف مخالفة لهذا النظام .

وأخطر ما في هذا النظام، أنه يمد آليات عمله، إلى جميع شرايين المجتمع، في تهميش، أو إقصاء للعناصر الصادقة، في انتمائها إلى الوطن، قبل الولاء للفرد  الرئيس، وتعويق ما تنتجه هذه العناصر، من أفكار ومشروعات للإصلاح، والتنمية، والإنتاج، وتوفير العدالة الاجتماعية، ومناهضة الإبداع، مادام لا يعزف نغمات تمجيد النظام، أو على الأقل، تبرير أخطائه وخطاياه .

وينتهي الأمر، بضعف داخل هياكل الدولة، وهو ما ينعكس على دورها الإقليمي والدولي، في تراجع مهين لنفوذها ومكانتها، ما يغري أي قوى إقليمية، لاقتحام مجالها الحيوي، ولعب أدوار لم تكن لها .

وتتضاعف أولوية قضية الأمن القومي، بالنظر إلى أن المفهوم التقليدي والمتعارف عليه للأمن القومي للدول، قد طرأت عليه تغييرات كبرى في السنوات العشرين الأخيرة، ودخلت هذه التغييرات، ضمن سياسات الدول الأخرى التي نتعامل معها، سواء في استراتيجيات سياساتها الخارجية، أو في سياساتها في الداخل، في مختلف المجالات: التنمية، والتعليم، والبحث العلمي، والصحة، والتدريب، ورفع مهارات البشر، وغيرها .

ولم تعدّ قوة الدولة تقاس بقدراتها العسكرية، بل صعدت إلى نفس مستوى القدرات العسكرية، مقومات أخرى مثل القدرة الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية، وتطور نظم التعليم، والبحث العلمي، فمتانة كيان الدولة في الداخل هو الأساس الذي يُبنى عليه كل شيء بعد ذلك .

وبناء على التجارب التي مرت بها دول في آسيا وأمريكا اللاتينية، منذ سقوط عصور الأنظمة الشمولية عام ،1991 التي قفزت بها إلى مستويات عالية من الازدهار الاقتصادي، والمكانة الإقليمية، والنفوذ الدولي، فقد استغرق الفكر السياسي العالمي في السنوات العشر الأخيرة من القرن العشرين، صعود مفهوم القدرة الاقتصادية التنافسية، إلى قمة مكونات الأمن القومي للدولة، وأدرجت ضمن عناصر دعمها، مراعاة العدالة الاجتماعية في خطط التنمية، والممارسة الديمقراطية الحقيقية، بل إن الدول الصاعدة، أدركت من البداية، جدوى اعتبار القوة

الناعمة، بمكوناتها الثقافية، أدباً، وفناً، وفكراً، عاملاً رئيساً في عصر يحكمه التنافس بين الدول في كل مجال .

أي أن معنى الأمن القومي، لم يعد شيئاً يتأسس على قدرة ما بمفردها، بل تداخلت فيه مكونات عديدة .

ولما كانت مصر، قد كبلت في ظل نظام مبارك، بقيود استبدادية، أمسكت  بتلابيب أمنها القومي، لحساب تمدد أمن النظام، لذا فإن إدارة المرحلة الانتقالية من بعد 11 فبراير/شباط ،2011 قد وقعت في خطأ عدم الخروج من شباك هذا النظام، بافتقادها استراتيجية متكاملة، تعيد بناء الدولة على أسس من السلامة والعافية المجتمعية، وتوزعت سياسات هذه المرحلة، في فروع من قرارات تدار يوماً بيوم، في التعامل مع المشكلات التي تواجهها، من دون أن تملك مفاتيح الانتقال السلس إلى أرضية تنطلق منها إلى الوضع الأسلم، لافتقادها الفكر الاستراتيجي وآليات عمله .

وهو ما يعني أن الرئيس القادم سوف تلقى على عاتقه، مسؤولية إدارة المرحلة الانتقالية الثانية، بعد أن صارت المرحلة الأولى، وقتاً ضائعاً .

إن كثيراً من دول العالم، خاصة الولايات المتحدة و”إسرائيل”، قد أسست استراتيجية سياستها الخارجية، في التعامل مع مصر والعالم العربي، على أساس الاستمرارية والثبات في الحكم الاستبدادي، ومن ثم أقامت استراتيجيات أمنها القومي على نظرية عدم الحاجة إلى تغيير سياساتها، لكن ما جرى في مصر قد أحدث ارتباكاً في التفكير السياسي في هذه الدول، بعد أن تحول الثابت إلى متغير، وضمن سياساتها القديمة، حصار مصر في دائرة ضيقة، تحول دون استعادة دورها التاريخي في المنطقة، وهو حصار كان له تأثيره في تهافت وجودها في مناطق عمقها الاستراتيجي، وعلى سبيل المثال في إفريقيا، وهو ما أفرز تعقيدات مسألة مياه النيل، الذي هو مجال يتطلب إدراجه ضمن استراتيجية أمن قومي، تتحرك بخطى متكاملة، تشارك فيها مختلف الوزارات، وقطاعات العمل المدني، ولا تعالج في إطار كونها مسألة تخص وزارة الموارد المائية وحدها .

إذاً، تحتاج قضية الأمن القومي في مصر، إلى التحرك في مسارين:

أولهما: تشكيل مجلس أمن قومي بجوار الرئيس، يضم فريقاً قوياً من الخبراء والمتخصصين، يعاونونه في المناقشات، وفي صياغة خيارات للتعامل مع ما هو قائم من مشكلات، وما قد يستجد من تحديات مستقبلاً .

والثاني: استراتيجية أمن قومي شاملة، لإحداث صحوة في شرايين المجتمع، وفي جميع مستوياته الاجتماعية، تتولى صياغتها مجموعة مستقلة، يتم اختيارها من أصحاب الخبرة، والمعرفة، والتعددية الفكرية، والرؤية الاستراتيجية، وعلى أساسها تنهض مصر وتتقدم وتزدهر، وتحتل مكانتها التي تستحقها في مجتمع الدول الصاعدة والناهضة .
نقلا عن صحيفة الخليج الاماراتية