مصطفى الغزاوى يكتب :الثورة بين تكسير العظام وضرورات البناء

جولة عربية

الأربعاء, 16 مايو 2012 14:08
مصطفى الغزاوى يكتب :الثورة بين تكسير العظام وضرورات البناء

نقلت المناظرة التي تمت بين مرشحي الرئاسة في مصر "عمرو موسى وأبو الفتوح" يوم الخميس 10/5، إجراء الانتخابات الرئاسية إلى الواقع وأنها ستتم رغم كل محاولات التشكيك في ذلك،

ورغم كافة الطعون والأحكام القضائية، كما أنها وضعت سنة جديدة لأسلوب إعلامي جديد يمكن أن يسود في القادم من انتخابات، مما سيفرض على أي مرشح قادم للمنصب أن يضعها كعنصر في جدول أعماله. وحددت للإعلام منهجا بعيدا عن إعلام البغبغة، وحددت أن بطل المناظرة هو الشعب وحقه في المعرفة، لأنه الذي سيقضي "بنعم" أو "لا" لما هو معروض عليه من مرشحين.
وكشفت أننا لا نملك حتى اللحظة سوى عروض الفرد الواحد، وإذا كان هذا مقبولا من المشاهدين، إلا أنه من الخطأ أن يقع فيه المرشحون. لم يتضح من المناظرة أن خلف أي منهما مؤسسة تعمل بكفاءة وتعد لمثل هذه المناظرة، وأن الفارق بينهما يعود إلى الصفات والقدرات الشخصية، وفتحت الباب على مصراعيه أنه لن يكون هناك شيء مسكوت عنه أو ممنوع الخوض فيه.
وحتى لا ننزع المناظرة من سياق الأحداث، وبقدر وجوب رصد ما سبقها من وقائع، يجب رصد بعض العناوين الأساسية التي دارت حولها المناظرة خاصة أنها تمثل دعائم رئيسية للدستور الغائب إلى ما بعد انتخاب الرئيس.
سبق المناظرة وقائع دامية خلال الأسبوع السابق عليها في ميدان العباسية بالقرب من وزارة الدفاع، والتي كان مبرر التظاهر والاعتصام هناك أمرين، الأول سرعة تسليم المجلس العسكري الحكم إلى رئيس منتخب، والذي يمكن ترجمته عمليا بضرورة إتمام عملية انتخاب الرئيس في موعدها، والمبرر الثاني كان الاعتراض على تشكيل لجنة الانتخابات الرئاسية وتعديل المادة 28 من الإعلان الدستوري، وأدى الاعتصام إلى وقائع دامية جرى فيها القتل بالرصاص المتبادل وبالذبح بدم بارد، وظهر سلاح آلي في أيدي البعض في مواجهة من استقر على تسميتهم بالبلطجية، وهو أمر جرى رصده من عناصر ذات ثقة في عدم جنوحها للخيال.
ورغم رصد وتحديد العناصر التي قامت بالقتل أو حملت السلاح الناري إلا أن التعامل معهم كان بالتجاهل دون بذل الجهد اللازم للقبض عليهم مما زاد من علامات الاستفهام، هل كان ذلك أمرا متعمداً أم هو عجز في الأداء؟ وفي الوقت ذاته تم اعتقال عناصر خدمة طبية، وظهر أحد الجنود المصابين أثناء زيارة المشير للمستشفى التي يعالجون فيها وقد أطلق لحيته، وجلس المشير يتحدث إليه!
تمت المناظرة مواكبة لإنهاء حالة التوتر بين مجلس الشعب والحكومة بتغيير أربعة وزراء، وكان مشهد جلسة المجلس وهي ترحب بالوزراء الجدد أشبه بحفل عرس في أحد الأحياء الشعبية، حيث يقف كل طرف ليلقي بالتحية ورسائل التقدير والسرور إلى حد اللزوجة على كل الحضور، وهو ما جرى بين رئيس المجلس والوزراء. والأفراح في الأحياء الشعبية تنتهي في الأغلب بمشاجرة وأطلق عليها في تعبير مجازي "كرسي في الكلوب"أي ضرب "الكلوب" الذي هو مصدر الضوء بكرسي ليكسره وينهي الحفل على غير ما أراده أصحابه.
ومازالت قضايا الدستور عالقة دون حل، سواء تشكيل الجمعية الوطنية للدستور (لجنة المائة) أو قضايا الدستور ذاتها، وأسلوب الحوار المجتمعي حولها قبل الاستفتاء عليها.
شهدت الفترة الانتقالية محاولات متعددة لتنحية الثورة والشعب بعيدا عن التأثير على القرار حتى إن استلزم الأمر التشويه والسجن والقتل، وصار الأمر صراع سلطة بين رواسب القديم سواء من الحزب الحاكم أو باقي الأحزاب والجماعات بعضها البعض أو بينها وبين المجلس العسكري.
خلط الأوراق كان ومازال شديدا، فانتقلت المرجعية من الشرعية الثورية كعلم معرفي مستقر عليه وإرادة وفعل، إلى مرجعيات خاصة خارج علوم الاجتماع والسياسة والاقتصاد وأصولها كمرشد لوضع الدستور وتقنين الشرعية الثورية وفق إرادة المجتمع واحتياجاته، وصارت القضايا الرئيسية في بناء الدولة يتم تحديدها ونسبتها إلى رؤية شخص أو أشخاص من هنا أو هناك، مما زاد من حالة الارتباك والتداخل بين المفاهيم العلمية، وشطط وأوهام الأفراد مهما بلغت بلاغتها. ولم تعد الثورة بأهدافها "عيش ـ حرية ـ عدالة اجتماعية" هي المرجعية.
استبدل الصراع بين قوى الثورة والقوى المضادة، بصراع سلطة بين القوى المضادة للثورة وصل إلى تكسير العظام، وقامرت كافة الأطراف بالثورة والشعب والدولة غير عابئة بالنتائج غير الاستيلاء على السلطة.
كشفت المناظرة أننا أمام أشخاص معلقين في الفراغ، كلٍ أعد للآخر قائمة اتهام، تفوق فيها عمرو موسى، وكشفت بعض القضايا حجم الفراغ الذي يعاني منه كليهما.
قضية علاقة المؤسسة العسكرية بالدولة كانت أحد العناوين، وبدا كلاهما يجيب من عنده إما تخلصا من الإجابة أو ممالأة لأطراف ترصد أقوالهما، والأمر المستغرب أن كليهما لم يدرس هذه القضية التي شغلت مصر بعد يونيو 1967، وتشغل الفكر العسكري والفكر الاستراتيجي العالمي من مئات السنين.
يعرض الفكر العالمي أن العلاقة بين العسكريين والسلطة المدنية في الدولة، تخص قرار الحرب والسلام وإدارة الحرب، وفصل العالم بين القرار السياسي بالحرب والسلام والذي هو مسؤولية الإدارة السياسية للدولة وأن رأي القائد العام للقوات المسلحة هو رأي استشاري، وعلى القائد العام حال صدور القرار السياسي أن يحدد

موقفه إما بالقبول والتنفيذ أو التنحي عن مركزه إن رفض القرار، وفي ذات الوقت استقر على أنه حال موافقة القائد العام للجيوش على تنفيذ القرار السياسي، يترك له ولهيئة أركانه وضع الخطط الحربية وتوزيع القوات ولا يسمح لسواهم بالتدخل في هذا الشأن.
واستقر الفكر أيضا بأن يحدد العسكريون احتياجاتهم من معدات وأفراد وخطط تدريبية وأن تتولى القيادة السياسية توفير الإمكانات لذلك، كما استقر على أن المؤسسة العسكرية تخضع لمراقبة الأجهزة الديمقراطية للدولة بما في ذلك ميزانيتها كواحدة من مؤسسات الدولة.
وناقش الفكر العالمي الدولة الديمقراطية ومهمة الجيوش الداخلية في حماية النظام وحدود ذلك، وهناك دراسات حول وضع الجيوش في الدول النامية حيث تكون الجيوش هي الأكثر تنظيما والوحيدة التي تملك السلاح، وضرورة الانضباط وتحديد الضوابط التي تربطها بالدولة، حتى لا تتحول إلى قوة انقلابية.
هذا ما استقر عليه العلم والفكر الإنساني، وهذا ما غاب عن طرح أي من المرشحين، بل لم تحدد الإجابات مصدر القرار، وتحدثت فقط عن السيطرة بما تحمله من معنى احتمال الصراع أكثر من كونها تعرض لطبيعة البناء المؤسسي للدولة.
كانت هذه القضية من أهم القضايا التي فجرتها ثورة يناير، ولم يتم مناقشة الأساس العلمي والاستفادة من التجربة المصرية ذاتها بعد نكسة يونيو 1967 وما استقر عليه الفكر السياسي يومها وفق ذات ما استقر عليه الفكر العالمي، ولقد تآكل هذا المفهوم بعد حرب 1973 ليقع صريع الرغبات وأدوار التبعية وإسقاط احتمالات المواجهة العسكرية مع العدو مصدر الخطر، وحبست إمكانية التطوير للقدرات بما أطلق عليه المعونة العسكرية الأمريكية وتوحيد مصدر السلاح، وما انطوى عليه من خطر حصار القدرة وتحجيمها ووقف التطوير والتعويض، إذا ما اختلفت الإرادات السياسية والمصالح بين المورد الوحيد للسلاح وبين الدولة، موضوع جد خطير ويجري التعامل معه بهذه السطحية.
القضية الثانية هي رؤية النظام الاقتصادي لمفهوم التنمية والعدالة الاجتماعية لمصر وفي إطار شعار "عيش ـ حرية ـ عدالة اجتماعية"، وحصر كلاهما حديثه عن ضرائب تصاعدية وتحدثا في غيرها من موضوعات بانتقاء ارتجالي وأحاديث اتسمت بالعمومية دون ركائز من المعلومات والنظام والخطط وعرض لبدائل لتحديد اختيار يحقق الهدف أو يقترب منه، وماهية البديل إن تطورت الأوضاع بغير محددات البديل الذي تم الاستقرار عليه، والعدالة الاجتماعية ليست مجرد حد أدنى وأقصى للأجور ولكنها تصور في حق الملكية وعلاقتها بالمجتمع، ومفهوم تكافؤ الفرصة، وكافة الأوجه الاجتماعية والخدمية داخل المجتمع.
حتى أن السيد عمرو موسى في معرض حديثه عن حد الإعفاء الضريبي تحدث عن خمسة آلاف جنيه بينما هو الآن ثمانية آلاف ورفعته الوزارة السابقة إلى اثنتي عشرة ألف جنيه ولم يتم تطبيقها بعد، على حد تعليق الدكتور أحمد النجار الخبير الاقتصادي.
يرتجل المرشحان الأمر الاقتصادي البالغ حساسية بالنسبة للعصر الذي نحياه، رغم أن في مصر من الخبرات والقدرات ما يمكن من عرض تصورات عديدة حول "التنمية المستقلة" التي يجب أن يقر بها دستور الثورة، وليس التنمية حسب رؤية الرئيس.
وثالث هذه الموضوعات هو إعادة بناء جهاز الشرطة كمدخل لإقرار الأمن داخل المجتمع، وشروط هذا البناء، ورغم أن مصر خاضت تجربة إعادة بناء القوات المسلحة بعد يونيو 1967، غير أن المرشحين لم يعرضا تصورا يتضمن المفهوم والأدوات والبرنامج الزمني، وترك الأمر أيضاً لرغبات وتصورات السيد الرئيس، وأهملوا تجربة العالم في إعادة البناء لأجهزة مماثلة بعد التغييرات في أوروبا الشرقية، وهكذا قبل الدستور، يمنح الرئيس المنتخب سلطة القرار المطلق من التصور والمفهوم إلى التنفيذ.
وتقع الثورة بين شقي رحى، مجلس نيابي يشارك في صراعات السلطة ويشرع على هوى الأغلبية، ورئيس قادم أيا كان اتجاهه من دون دستور يلزمه بإرادة الثورة.
واختزل الصراع العربي الإسرائيلي، إلى مجرد الموقف من فتح معبر رفح كما قال أحد المرشحين، وصار المزاد بينهما حول تحديد طبيعة العلاقة مع إسرائيل، وكأنها اختزال تاريخ الصراع ومستقبله في رؤاهم وتصوراتهم. لقد حرم قرار إيقاف تصدير الغاز إلى إسرائيل كلا المرشحين من مزاد آخر.
كانت المناظرة حادثة تصادم بين مرونة دبلوماسي حدد أهدافه من الحوار، وقرر أن تكون المواجهة تكسير عظام وطحنها ولم يترك شيئا لم يستخدمه، ونجح في التناغم مع ما يرفضه المجتمع الآن، وأوقع فيه منافسه، الذي تخندق تحت عناوين شعاريه.
اكتشف الشعب في متابعته للمناظرة الكثير، وأعتقد أن القادم سيحمل من المفاجآت أكثر مما يتوقع أحد، خاصة وأن الشعب يراقب ويتربص، فالشعب يحتاج الأمن ولكنه يحتاج إلى لقمة العيش والكرامة بنفس القدر، ولن يقبل الشعب أن يتحول إلى فئران تجارب لينجح الرئيس القادم وتسقط الثورة.
في مناظرة تكسير العظام بين المرشحين، كانت الثورة غائبة، وكانا غرباء على أهداف الثورة، وافتقدت رؤاهما توافر شروط البناء لنظام الثورة.
هكذا تعود مسؤولية الثورة إلى قوى المجتمع التي دفعت ثمن الثورة بالدم، وهم أصحاب المصلحة في تحقيق أهدافها ولا سبيل إلى العيش والحرية والعدالة الاجتماعية إلا بإرادة شعبية منظمة، لقد كسر المارد القمقم الذي كان حبيسا ولن يستطيع أحد أن يعيده إليه.