خالد الدخيل يكتب:السعودية ومصر.. تغير الزمن وبقي كل شيء مكانه

جولة عربية

الاثنين, 07 مايو 2012 12:03
خالد الدخيل يكتب:السعودية ومصر.. تغير الزمن وبقي كل شيء مكانهخالد الدخيل
بقلم - خالد الدخيل

المتابع للعلاقات السعودية - المصرية منذ ما قبل ثورة 25 يناير وما بعدها لن يفاجَأ بما حصل أمام السفارة السعودية، ولا بما حصل لبعض الإعلام المصري في مثل تلك الأجواء المشحونة. المفاجئ ربما كان القرار السعودي بإغلاق السفارة والقنصليتين، وتوقيته.

كان هذا القرار هو الصحيح الذي جاء في لحظته تماماً. لا أقول هذا بعد زيارة الوفد الشعبي المصري للرياض، ونجاحه في مهمته. قلته قبل ذلك في تغريدة لي في حسابي على «تويتر». لم يكن القرار ردة فعل منفلتة، ولم يهدف إلى بعث رسالة عدائية لمصر، ولا سيما وهي تمر في مخاض صعب. على العكس، كان القرار رسالة تحذير من أن موضوع الاحتجاج بات مرشحاً للتطور إلى ما هو أسوأ. لا بد من لفت نظر الجهات الرسمية المصرية بضرورة أن تتحرك، وأن تفعل شيئاً، للسيطرة على الموقف. يضمر القرار أيضاً الكثير من العتب على ما حصل، وما انزلق إليه بعض الإعلام المصري، وعتب على أن العلاقة بين البلدين - على رغم أهميتها، وتاريخها الطويل - لم تمنع انحدار الأمور إلى ما انحدرت إليه. وصل الأمر بالبعض إلى أن رسم الشعار الإسرائيلي على حائط السفارة السعودية. وهو تصرف أخرق يسيء إلى الشعب السعودي بشكل بذيء، وغير مسؤول. لم يكن في وسع الحكومة السعودية التزام الصمت.
كان السبب الظاهر والمباشر لما حصل، وعرّض العلاقات السعودية - المصرية لأزمة حادة، لكن قصيرة، «حكاية الجيزاوي». بدأت داخل مصر بإشاعة مصرية عن حكم غيابي بسجن وجلد، تفجرت على إثرها مشاعر متضخمة بالإهانة، ثم موجة عاتية اختلط فيها حق الاحتجاج، مع تجاوزات السب والشتم. عبرت هذه الحكاية بمستتبعاتها عن المزاج المصري بشقيه الشعبي والنخبوي. هل لها علاقة بالحال الثورية التي تمر بها مصر هذه الأيام؟ لا يبدو أن هناك علاقة، على الأقل ليست مباشرة. بما أسفرت عنه من خطاب جماعي، يمكن القول إن هذه الحكاية تعبّر عن الثقافة المصرية قبل الثورة. قبل أكثر من 15 سنة حصل شيء مشابه على خلفية قضية مدرس مصري كان يعمل في إحدى مدارس مدينة البكيرية في السعودية. ومثلها قضية الطبيب المصري في جدة. وحصل الشيء نفسه مع الجزائر في حفلة ردح متبادلة على خلفية مباريات في كرة القدم قبل حوالى سنتين من الثورة. وها هي تحدث الآن للمرة الرابعة، لكن بعد الثورة. لا يمكن استبعاد تأثير الحال الثورية تماماً. لكن الأكيد أن هذه الحال لم توفر أكثر من إطار سياسي جديد، لسلوك اجتماعي، ومواقف ثقافية قديمة.
أسفرت الثورة عن سقوط رأس النظام، وبقي النظام في مكانه ينتظر حركة التاريخ. وهذا أمر طبيعي. لكن يبدو أن هناك ما هو

أكثر من النظام ينتظر حركة التاريخ في مصر. يبدو كما لو أن تداعيات الثورة لم تصل بعد إلى مرتكزات الثقافة السياسية في مصر، ولا إلى نسقها القيمي بأبعاده الإنسانية والسياسية والقيمية. من الأسئلة التي أثارت موجة الاحتجاج أنه كيف يمكن لمحامٍ ذهب لأداء العمرة أن يأخذ معه مخدرات؟ بعض النخبة، كما شاهدنا وقرأنا، انشغل بمنطقية السؤال الظاهرة، عن حقيقته. لم يلتفت هؤلاء إلى أن فرضية التشكيك خلف السؤال ضعيفة ومتهاوية، لأنها تحصر الإنسان بتركيبته ودوافعه بالعواطف الدينية. ولذلك اعتبر خبر المخدرات بأنه تلفيق من السلطات السعودية لتبرير اعتقال الرجل. الآن قارن هذا بحال مماثلة حصلت في أميركا العام الماضي لمواطن فرنسي، إذ قبضت شرطة نيويورك على مدير صندوق النقد الدولي، دومينيك ستراوس - كان (فرنسي الجنسية) بتهمة أنه حاول اغتصاب عاملة فندق في المدينة. بحسب منطق السؤال المصري، كان يمكن للفرنسيين اتهام الأميركيين باختلاق القضية، لأن رجلاً بمثل منصب ستراوس -كان ومكانته ما كان في حاجة إلى اغتصاب خادمة فندق لإشباع رغبته الجنسية. أضف إلى ذلك أن ستراوس - كان كان يفكر في الترشح في الانتخابات الفرنسية. لم تتحول قضية ستراوس - كان إلى أزمة، على رغم أن الدعوى ضده أسقطت لعدم كفاية الأدلة، ولم تتعرض العلاقات الأميركية - الفرنسية للاهتزاز. ما هو أقل من ذلك عرض العلاقات السعودية - المصرية للاهتزاز. من هنا يبدو أن المزاج المصري، ولا سيما في علاقاته العربية - العربية لم يتغير كثيراً عما كان عليه قبل الثورة.
والمثير للدهشة أن العلاقات السعودية - المصرية كانت دائماً عرضة لمثل هذه الاهتزازات على رغم الإجماع المتحقق عند الطرفين على أن هذه العلاقات تتصف بالاستراتيجية في أهميتها لكل منهما. كيف يمكن تفسير ذلك؟ الموضوع أكبر، وأكثر تعقيداً من ذلك، لأنه يمثل حالاً عربية، وليس حالاً مصرية فحسب. ولذا لا يمكن أن يأخذ حقه في مقالة قصيرة مثل هذه. لكن لا بد من الإشارة إلى عاملين مهمين. الأول أن مصر تعاني من حال إحباط مزمنة، سببها الهوة الكبيرة بين قناعة مترسخة بين المصريين، ولا سيما منهم النخبة الثقافية والسياسية، بأن مصر هي الدولة المركزية الأهم في العالم العربي، وأنها بذلك تحتل مركز القيادة من ناحية، وبين حجم الدور المصري، وحقيقة إنجازاته
على أرض الواقع، من ناحية أخرى. ليس هناك شك في أهمية مصر ووزنها عربياً وإقليمياً، لكن القناعة المصرية تأخذ هذا الموضوع أبعد من حدوده الحالية، لأنها تنطلق مما كانت عليه مصر في أواخر القرن الـ19 وحتى سبعينات القرن الماضي. وهي بذلك لا تلتفت إلى ما حصل من تغيرات كبيرة حصلت لمصر وللعالم العربي منذ ذلك الحين وحتى الآن. في النصف الأول من القرن الماضي كان التعليم المصري، والكتاب المصري، والإعلام المصري، والفن المصري، والسياسة المصرية، كل ذلك كان سيد الساحة. كانت مصر تقدم نماذج تحتذى في العالم العربي. لكن منذ سبعينات القرن الماضي توقف كل ذلك. وهنا نشأت الهوة بين القناعة وبين الواقع. ومصدر الإحباط المصري، ومعه الإحباط العربي، هو عدم الاعتراف بهذه الهوة، وعدم الإدراك فكرياً ونفسياً أن قيادة ومركزية الدور من دون إنجازات ليست أكثر من تصور يعتاش على ماضٍ انقضى. ولعل مقارنة مركزية الدور الأميركي في الغرب، وما يقال عن مركزية الدور المصري هنا تضيء الصورة. لا تزال الولايات المتحدة مصدراً لنماذج الحضارة الرأسمالية في كل الحقول تقريباً، العلمية، والاقتصادية، والإدارية، والسياسية، والثقافية، والعسكرية أيضاً. أضف إلى ذلك أن للمركزية ثمنها السياسي والاقتصادي والعسكري. والولايات المتحدة تتحمل هذه التكاليف ثمناً لمركزيتها في الغرب. أما مصر فلا تملك بظروفها الحالية تحمّل مثل هذه الأثمان. على العكس، تحتاج مصر إلى مساعدات اقتصادية دولية وعربية. كانت مصر هي التي تقدم المساعدة، وأصبحت تحتاج إليها. لا أريد أن يستنتج أحد من ذلك أن الدول العربية الأخرى أفضل حالاً من مصر. الأمر ليس كذلك، لكنه موضوع يتجاوز المساحة المتاحة، والثورة المصرية مؤهلة لأن تنقل مصر إلى مرحلة مختلفة تماماً.
العامل الثاني أن العلاقات العربية - العربية كانت ولا تزال محصورة في جانبها الرسمي. العلاقات الشعبية من خلال الجمعيات والنقابات والأنشطة الثقافية والسياسية تكاد أن تكون معدومة تقريباً. طبيعة النظام السياسي لا تسمح بذلك، لأنه يصر على احتكار العملية السياسية في الداخل، وإدارة العلاقات مع الخارج. ليس متاحاً للمواطن العربي ممارسة العملية السياسية العادية بكل أشكالها وفنونها: حرية التفكير والتعبير، الكتابة، والتفاوض، والانتخاب، والتنظيم، والانخراط في مؤسسات مجتمع مدني مستقلة إدارياً وسياسياً عن الحكومة. في الغالب لا يتاح لهذا المواطن التعبير عن نفسه في الداخل، وفي إطار علاقته مع الآخر العربي، إلا الصمت، أو تضخيم الذات، والشكوى، أو الإهانة أو المداهنة، أو الاحتجاج، أو العنف...الخ. هذه وغيرها من العوامل تتطلب إعادة النظر في طبيعة العلاقات العربية - العربية، ولا سيما أن العالم العربي يواجه مستحقات الثورات الشعبية، وما ستفرضه من تغيرات محلية وإقليمية.
قد أعود للموضوع مرة أخرى لأهميته، لكن بقيت ملاحظة أخيرة. وهي أن ما حصل في مصر، وما حصل قبلها خارج مصر، يؤكد مرة أخرى خطأ وفشل الفرضية التي يعمل بها الإعلام السعودي، والخليجي بشكل عام، وهي أن مخاطبة الرأي العام العربي لا يمكن أن تنجح إلا بأصوات وأقلام عربية، وأنه من الأفضل لذلك، إما استبعاد الأصوات والأقلام السعودية، أو التقليل منها قدر الإمكان. وقد ثبت، وعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود، أن هذه الفرضية ليست فقط غير صحيحة، بل مدمرة للجميع، لأنها تغذّي النفاق، والتكاذب المتبادل، الذي ينتظر لحظة الكشف عن نفسه. وما حصل من بعض الإعلاميين في الأزمة الأخيرة يؤكد ذلك.
نقلا عن صحيفة الحياة