مرسي عطا الله يكتب: إسرائيل.. بين الديمقراطية وحكم العسكر!

جولة عربية

السبت, 05 مايو 2012 14:50
مرسي عطا الله يكتب: إسرائيل.. بين الديمقراطية وحكم العسكر!مرسي عطا الله
بقلم - مرسي عطا الله

اسم الكتاب «المجتمعات الديمقراطية وقواتها المسلحة.. إسرائيل في إطار مقارنة» والمؤلف هو الصحفي ستيوارت كوهين الذي حرر كتابه في شكل حوارات صحفية ومن هنا فإن الكتاب والمساهمات الواردة فيه تنبع من توفيره صورة تشريحية وحديثة لعلاقة الجيش الإسرائيلي مع المجتمع وموقعه في العملية السياسية، وهي صورة يقدمها أكاديميون وباحثون يكتبون من وجهة نظر متعاطفة مع إسرائيل وحريصة عليها.

ويرتكز الكتاب على فكرة أساسية قوامها أن الجيش الإسرائيلي وفكرة القوة المتفوقة التي تردع جيرانها وتخيفهم تحتل موقع القلب في المشروع الصهيوني في فلسطين منذ تحققه سنة 1948 بل أكثر من ذلك ليس ثمة مبالغة في وصف إسرائيل بأنها لم تكن - ولا تزال - سوى مجتمع حرب، حيث تشكل الحرب وتوابعها والاستعداد لها والجيش الخاص بها والاقتصاد الداعم لها والدبلوماسية المدافعة عنها جوهر الكينونة الإسرائيلية.

وبسبب الطبيعة العسكرية لهذا المجتمع والدولة فإن نقطة الخلاف الأولى مع الكتاب والتوجه العام للمساهمات فيه تأتي من الافتراض الضمني بوجود جسمين يتبادلان التأثير والعلاقة هما: الجيش والمجتمع فالجيش هو الشريحة الأساسية من المجتمع الإسرائيلي، والمجتمع الإسرائيلي هو الرديف الاحتياط للجيش والمكمل به بسبب امتداد فترة الخدمة الإجبارية وتوسع عدد جنود وضباط الاحتياط.

أما الخلاف الأهم فهو عنونة الكتاب بما يسمى «ديمقراطية إسرائيل» والحديث عنها كحقيقة راسخة وفوق النقاش ومن ثم لا نجد معالجات ولا مجرد تساؤلات عن مدى انطباق الوصف الديمقراطي على إسرائيل في حين أن خمس السكان ( من العرب) يعانون من تمييز عنصري وحقوقي قائم على الإثنية والاختلاف الديني والقومي كما لا نعصر في الكتاب على أية تساؤلات عن تعايش «الديمقراطية» في الداخل مع نهج توسعى وعدواني في الخارج على الدوام كسياسة ثابتة لإسرائيل منذ نشأتها حتى الآن باعتراف مؤرخيها.

ومع أخذ هذين التحفظين في الاعتبار يظل هذا الكتاب يستوجب اهتمام من يريد أن يفهم تداخلات البنية العسكرية بالسياسة بالمدنية في الكيان الإسرائيلي، والتحولات التي طرأت على هذه التداخلات في السنوات الأخيرة، سواء بعد انتهاء الحرب الباردة أم بعد مؤتمر مدريد وانطلاق عملية السلام في الشرق الأوسط، وعلى خلفية تراجع أسطورة «الجيش الذي لا يقهر» سواء بسبب الفشل في جنوب لبنان عام 2000 والانسحاب دون قيد أو شرط تحت وطأة ضربات المقاومة اللبنانية أو الفشل في قمع الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987 والانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000 ثم الفشل الأكبر في حرب يوليو عام 2006 أمام حزب الله وما

أعقبه من فشل في عدوان غزة عام 2008.

والحقيقة إنه لا يمكن استيعاب هذا الكتاب الإسرائيلي المهم الذي صدر قبل 10 سنوات دون التوقف بالتأمل أمام عنوانه «المجتمعات الديمقراطية وقواتها المسلحة.. إسرائيل في إطار مقارنة».. فالكتاب ينقسم إلى أربعة أقسام يناقش الأول منها التغيرات التي حدثت في العقود الأخيرة على جوهر العلاقة بين الجهاز العسكري والجهاز السياسي - أو المدني عموما - في الديمقراطيات بشكل عام، ونجد هنا «بحثا» لمفهوم الجيش ما بعد الحداثي والذي يقصد به وصف المرحلة التي تمر بها الجيوش الغربية في الوقت الراهن وهي مرحلة أعقبت مرحلتين سابقتين الأولى هي مرحلة الجيش الحديث التي ترافقت ونشوء الدولة القومية في القرن التاسع عشر واستمرت حتى نهاية الحرب العالمية الثانية أما الثانية فهي مرحلة الجيوش الحديثة المتقدمة، وقد امتدت طوال الحرب الباردة وتميزت بوجود السلاح النووي بشكل وضع حدودا لاندلاع الحروب الكبرى بين الدول المالكة لذلك السلاح.

أما مرحلة ما بعد الحداثية للقوات المسلحة، وبحسب ما ينظر«تشارلز موسكوس» فهي تمتاز بثلاث مميزات: الأولى هي التغيير الذي حصل في أهداف المهام العسكرية التي تنخرط هذه الجيوش فيها إذ ثمة ازدياد في نوعية المهام التي لم يكن بالإمكان اعتبارها مهمات عسكرية وفق المفهوم التقليدي للحروب ( مهمات إنسانية، إغاثة، لاجئين، إلخ..) والثانية هي زيادة «الاختراق المدني» للهيكل العسكري ومشاركة شرائح وخبراء مدنيين ليس لديهم إعداد وتدريب عسكري في مهمات تقوم بها الجيوش والثالثة هي: انخراط الجيوش «ما بعد الحداثية» في مهمات وقوات متعددة الجنسيات«تكون القيادة والسيطرة عليها خاضعة لجهة- أو تحالف جهات - يتجاوز الدولة الأم، وهو أمر غير متخيل في المراحل السابقة.

والقسم الثاني من الكتاب يعالج جوانب محددة في البيئة الجديدة للعسكرية في حقبة ما بعد الحرب الباردة.

وهنا تركيز على تعمق السيطرة المدنية والسياسية على الجهاز العسكري في الديمقراطيات وكذلك على الأثر العميق الذي أحدثته التكنولوجيا العسكرية في تدعيم تلك السيطرة وضمان عدم انفلات الجهاز العسكري.

أما القسم الثالث فيتناول الاستجابات المختلفة وردود الأفعال على التغيرات المشار إليها أعلاه.. مع تركيز على تطور وتطوير العلاقات العسكرية والقيادية

بين مستويات القيادات المختلفة في القوات متعددة الجنسيات على وجه التحديد بما يقلل من فرص الاحتكاك بينها.. ثم التركيز على زيادة مكتسبات المرأة في العصر الحديث أم أنه وجه آخر من وجوه اضطهادها.

في القسم الرابع والموسع من كتاب «المجتمعات الديمقراطية وقواتها المسلحة...إسرائيل في إطار مقارنة» يرد أهم ما في الكتاب حيث التركيز على الحالة الإسرائيلية من عدة جوانب عبر خمسة فصول أضعفها الفصل الذي يتحدث عن «الوضع القضائي داخل الجيش الاسرائيلى» فهنا لا نجد سوى قطعة دعاية واهية الصلة بالتحليل الأكاديمي كتبها ضابط سابق في الجيش هو «مناحيم فنكلشتاين» الذي عمل قاضيا في محاكم الجيش في أوقات لا حقة من حياته المهنية.

إن فنكلشتاين يرسم صورة زاهية الألوان تزدهر بالعدالة والنزاهة وسيادة القانون داخل الجيش الإسرائيلي ومرة أخرى نجد أن الغائب الأكبر عن مثل هذا النقاش هو «العربي» أو الضحية والهدف المباشر لهذا الجيش، حيث ليس ثمة حالة واحدة أو مجرد إشارة إلى الجرائم التي لا تحصى وارتكبها أفراد من الجيش بحق الفلسطينيين متجاوزين حتى أوامر قادتهم والمحاكمات الصورية التي كانت تجرى للكثيرين منهم.

وعلى عكس ذلك يقدم «يوارام بيري» مساهمة عميقة عن «الإعلام والجيش..من التواطؤ إلى التصادم» مستعرضا تاريخ علاقة الإعلام الاسرائيلي بالجيش وكيف كانت معظم الحقب علاقة تحالفية حيث كان الإعلام أداة من أدوات الصراع العسكري سواء مباشرة عبر ما يعرف بالدعاية والتعبئة والحرب النفسية أو بطرق غير مباشرة... ثم كيف تحولت العلاقة إلى نمط من أنماط الاحتكاك خاصة بعد تفشي الفساد داخل الجيش والدور الذي لعبه الإعلام في نقد الصورة المثالية والبطولية للجيش.

ويثبت الباحث أن الإعلام الإسرائيلي خاصة في مرحلة ما بعد التسعينيات من القرن الماضي أصبح يأخذ منحى ناقدا وسلبيا من الجيش، ويقول ان تحليلا لمضامين مقالات الرأي والافتتاحيات في الصحف الكبرى (هآرتس، يديعوت آحرونوت...).

فى عامي 1994/1995 يشير إلى أن ثلثي تلك المقالات كانت ذات طبيعة ناقدة وغير إيجابية تجاه المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.

ولكن تبقى أهم مساهمة في الكتاب وهي مساهمة «باروخ كيميرلنج» وهى بعنوان «البنية الاجتماعية للأمن القومي الإسرائيلي» فهنا يثبت كيميرلنج أن الثقافة العسكرية والمدنية للمجتمع الإسرائيلي متداخلتان ولا يمكن فصلهما عن بعضهما البعض، ويستعرض الباحث «عقائد» الأمن القومي الإسرائيلي من تاريخ نشوء مجتمعات «اليشوف» الاستيطانية سواء ما يسميه «عقائد دفاعية» إلى «هجومية» إلى «وقائية» وكيف أن كل تلك العقائد كانت متشعبة في الثقافة المدنية أيضا تتبادل وإياها التأثير، وأن البنية النهائية للمجتمع الإسرائيلي لا يمكن فهمها إلا عن طريق فهم هذا التبادل والتأثير وعمق المكون العسكري والحربي في تشكيله.

ليتنا نقرأ ونفهم ونستعد ونتأهب بأكثر مما نتجادل ونتخاصم ونتنابذ ونتقاعس ويردد البعض منا - دون وعي - شعارا بغيضا يقول: «يسقط حكم العسكر» وبالتجاهل التام لكل معطيات الموقف الإقليمي والدولي وخروجا على النبض الحقيقي لشعوب الأمة التي تراهن - وعن حق - على دور القوات المسلحة المصرية في التصدي لأطماع المؤسسة العسكرية الإسرائيلية الممسكة بكل أوراق اللعبة في إسرائيل بما في ذلك ما يسمى اللعبة الديمقراطية.

نقلا عن صحيفة الوطن القطرية