عبداللّه الكعبي يكتب:من كامب ديفيد إلى سماحة المفتي

جولة عربية

السبت, 05 مايو 2012 14:43
عبداللّه الكعبي يكتب:من كامب ديفيد إلى سماحة المفتيعبدالله الكعبي
بقلم - عبدالله الكعبي

يحاول البعض الاجتهاد للربط بين الزيارة الأخيرة لمفتي الديار المصرية الشيخ الدكتور علي جمعة للقدس وتلك الزيارة التي قام بها الرئيس المصري السابق أنور السادات للمدينة ذاتها في عام 1977م، فالعلاقة بين الزيارتين موجودة وإن اختلف الزمان وتغيرت الظروف التي دفعت بالاثنين للإقدام على تلك الخطوة غير الموفقة.

السادات زار القدس بعد أن مل بحسب رأيه من ذلك الجمود الذي أصبح عليه الحراك السياسي المصري الذي ربط نفسه منذ الثورة بالحروب مع الكيان الإسرائيلي بالنيابة عن العرب والمسلمين والذي أثر بشكل سلبي على البنية الاقتصادية والتنموية المصرية التي لولا تلك الحروب لكان لها شأن آخر ولكانت مصر في مقدمة الدول المنتجة والرائدة في شتى المجالات، فكانت زيارته بمثابة تعديل في مسار السياسة المصرية التي وجدت في الصلح مع إسرائيل بوابة لدخول عالم الكبار المفضي إلى تنمية ورفاهية حقيقية للشعب المصري.

ما حققه السادات من زيارته إلى القدس لم يكن بالإمكان قياسه في ذلك الوقت بعد أن طغت الأشياء المادية على ما عداها من النتائج حينما استعادت مصر سيناء بالكامل دون إطلاق رصاصة واحدة وإغلاقها ملف الحروب المكلف والتوجه إلى سياسة الانفتاح المدعومة أمريكيا التي وعدت بمساعدات كبيرة لمكافأة مصر على خطوتها غير المسبوقة، بجانب ذلك كان هناك تذبذب في المواقف العربية المنتقدة لتلك الخطوة حينما عجزت عن تقديم البديل

أو إثبات خطورة تلك الخطوة على المستقبل بعد أن ظلت تلك الدول مشغولة بهمومها الأزلية التي لا يمكن أن تنتج أنظمة قادرة على مقارعة إسرائيل أو مواجهتها نتيجة ارتباط الكثير منها بعلاقات سرية مع إسرائيل وخصوصاً الدول التي تقع على حدود فلسطين أو من اقتطعت إسرائيل أجزاء منها ولازالت كذلك إلى يومنا هذا.

رحل السادات ولم ير ثمار زيارته وإنما دفع ثمنها غالياً بعد اغتياله على يد المصريين الذين استنكروا الخطوة على الأرض ولم يكترثوا بسطوة الإعلام الذي غيبهم وحجر على آرائهم وصورها على أنها مؤيدة لتلك الخطوة المجنونة.

بالرغم من الفارق الزمني بين الزيارتين إلا إنه يمكن تشبيه زيارة السادات تلك بزيارة المفتي التي جاءت دون موعد ولم تحمل عنواناً ولا هدفاً ولا حتى غاية كالتي آمن بها السادات وحلم بتحقيقها. فالمفتي الذي خطف رجله وصلى ركعتين في الأقصى لم يفصح عن سبب زيارته ولا عن الجهة التي دعته إليها ولم يبرهن بعد عودته على نجاح خطوته إن كانت بالفعل لدعم الكفاح الفلسطيني والوقوف مع الفلسطينيين الذين هجر جلهم من القدس التي أصبح تهويدها مسألة وقت. وجه الشبه بين الزيارتين

يمكن أن يكون في الحاجة الإسرائيلية الماسة لتلك الزيارة مثلما كانت تتوق لزيارة من مثل ما قام به السادات قبل خمسة وثلاثين سنة. فالسادات الذي غير المعادلات بزيارته تلك فرض على العرب والمسلمين واقعاً مخالفاً لكل ما قبله وتمكن عبر السنوات التي تلت زيارته وحتى يومنا هذا من فرض رؤية أحادية تحكمت فيها إسرائيل وجيرتها لصالحها حيث يمكن إرجاع كل التغيرات على الساحة العربية والإسلامية والتي كان جلها سلبياً لتلك الزيارة المشؤومة.

ما حاول المفتي التذكير به في زيارته الأخيرة هو أن معاهدة كامب ديفيد لازالت قائمة وأن الثورة المصرية الجديدة وكل المتغيرات التي طرأت على الأرض في الفترة الأخيرة لا يمكن أن تكون بديلاً عن خطوة السادات العملاقة التي يجب أن تصان ويحافظ عليها سواء كان الهدف من هذه الصيانة الحصول على ما لم يتحقق من مكاسب وعدت بها إسرائيل السادات عند زيارته لها وتوقيعه على الاتفاقية معها أو تلك التي من المؤمل أن تكون عنواناً لمرحلة جديدة بين العرب وإسرائيل تقوم على حسن النوايا والتي تعطي للأقصى أولوية قصوى في حل القضية الفلسطينية والتي تقوم عليها حالياً كل العلاقات التي لازالت حية والمتمثلة في علاقة السلطة الفلسطينية بإسرائيل وبعض الدول التي وقعت معاهدات معها أو تلك التي لم توقع ولكنها قدمت خدمات جليلة لها.

زيارة المفتي للقدس ليس المهم منها إحراز نتائج إيجابية أو سلبية وإنما المهم فيها أنها نجحت في شغل حيز كبير من الاهتمام العربي والعالمي الذي عليه أن يحلل الزيارة ويصدر الأحكام ويستغرق في التفكير فيها وينصرف عن الأمور التي لا تريد إسرائيل ولا الولايات المتحدة لأحد أن يفكر فيها ويصرف اهتمامه لها.
نقلا عن صحيفة الوطن القطربة