رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

سمير عطا الله يكتب:الأرقام التي لا تدونها الحروب

جولة عربية

السبت, 05 مايو 2012 12:33
سمير عطا الله يكتب:الأرقام التي لا تدونها الحروبسمير عطا الله
بقلم - سمير عطا الله

يحدث ظلم هائل في تأريخ الحروب وتدوينها لا يقل عن ظلمها وفجورها. لا يعود هناك متسع إلا لإحصاء القتلى. لا يعود مهما جدا عدد الجرحى والمرضى والفقراء والبؤساء والمشردين والمظلومين الخائفين والأيتام والمعوقين والذين فقدوا عقولهم. لا تعترف الحرب إلا بالقتل، لأن كل ما عداه يصبح غير مهم.

لا أعرف كم من الكتب صدر عن برلين منذ هزيمتها وانتحار ادولف هتلر. لكن كلما قرأت كتابا آخر أدركت أنني لم أقرأ شيئا بعد. لن يكون لبرلين مدينة تشبهها، لا في انتصارها ولا في هزيمتها. ولن تكون أحجية إنسانية جماعية في مثل أحاجيها: كيف جرَّ عريف نمساوي شعبا مثل الشعب الألماني خلفه، بصناعاته وعبقرياته وفلاسفته ومخترعيه وعلمائه، لكي يدمر العالم ثم يترك للعالم أن يدمره.
كيف خطر لألمانيا أن في إمكانها

أن تنتصر على روسيا، وإذا قدرت على الانتصار، فكيف يمكن لها أن تحكمها وإلى متى. لكن هتلر دفع جيوشه إلى روسيا. ولم يكتف الروس بأن هزموه فوق أرضهم بل ضمدوا جراحهم وطاردوه إلى برلين. ولم يكتفوا بإلحاق الهزيمة العسكرية وترميد المدن وطمر الشوارع بل قال ستالين لجيوشه، اهتكوا شرف الذين هتكوا كرامتكم ومنازلكم وأرضكم.
كنت قرأت في مصادر عدة أن عدد الألمانيات اللاتي اغتصبهن الجنود السوفيات يتجاوز مائة ألف امرأة. كتاب «برلين: السقوط» بقلم أنطوني بيفور، يقول إن العدد يتجاوز المليونين. ارتعدت النسوة الألمانيات في بيوتهن وهن ينتظرن اقتحام الأبواب. ذكرت لجنابكم قبل سنوات كيف يروي غونتر غراس، الألماني حامل
نوبل للآداب، أن أمه سلمت نفسها للجنود السوفيات في دانزيغ، لكي تحمي ابنتها المختبئة من الاغتصاب.
تبادل الروس والألمان والأميركيون واليابانيون وجميع شركاء الحرب العالمية الثانية هتك النفس البشرية وإذلالها وتحويل الإنسان إلى وحش خال من كل رأفة أو عقل أو مشاعر. يدوِّن ضابط بريطاني في تحفة أدبية بعنوان «نابولي 44» يوميات المدينة في العام الأخير من الحرب. تمنعنا الأدبيات من إعادة السرد. لكن نسوة المدينة كن يحضرن إلى الساحة العامة لممارسة البغاء الجماعي لقاء وجبة طعام أو علبة سردين.
كلما كتبت عن هتلر أو موسوليني أو ستالين أتلقى رسائل مدافعة. كم هو سهل الدفاع على الذين لم يعرفوا الحروب ولم يقضوا يوما في ستالينغراد أو في برلين المهزومة أو في درسدن أو في نابولي. كم من السهل ذلك على الذين لم يروا أطفال لبنان يموتون قصفا وهم يحاولون الهروب بالبواخر. والذين لم يمضوا أعوامهم في الملاجئ تحت القصف. والذين لم يقتلوا في طوابير الخبز. أنا أكره الحروب.
نقلا عن صحيفة الشرق الاوسط