رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

رضوان السيد يكتب :السودان والحكم العسكري والثورات العربية

جولة عربية

الجمعة, 04 مايو 2012 13:14
رضوان السيد يكتب :السودان والحكم العسكري والثورات العربيةرضوان السيد
بقلم - رضوان السيد

غاب السودان وغابت مشكلاته على فظاعتها، بسبب الثورات العربية الجارية منذ عام ونصف. ومشكلات السودان لا تختلف أبدا عن مشكلات الأنظمة العربية الأخرى التي صارعتها حركات التغيير وأزالتْها، وأولاها الانسداد الناجم عن الحكم العسكري منذ أيام إبراهيم عبود وجعفر نميري وأخيرا العهد الخالد لعمر البشير. ويضاف إلى ذلك مشكلة الجنوب الذي صار دولة مستقلة الآن، نابت عن إريتريا وإثيوبيا وأوغندا وكينيا والقذافي..

إلخ في الضغط على النظام والبلاد من أجل المزيد من التفتيت. وثالثها اشتداد الصراع الدولي عليه ومن حوله للمزيد من فصل العرب عن أفريقيا، والتنافس على الثروة البترولية الصغيرة التي ظهرت على أرضه.
بيد أن سودان الاستقلال في الخمسينات من القرن الماضي، كان مختلفا بالفعل عن الدول العربية الأخرى التي تتالت فيها في ذلك الزمان انقلابات العسكريين وثوراتهم. فقد ظهرت فيه خلال الصراع مع البريطانيين، وخلال تنامي الحساسيات من الحكم المصري الوهمي، قوى سياسية وحزبية كبرى وقوية، وما كانت تملك السلاح أو تحبذه وتُؤْثِر التنافس الانتخابي. وقليلا ما استمتعت تلك النخب الاجتماعية والثقافية والسياسية بالسلطة ومناعمها. لكنها في السنوات القليلة التي وصلت خلالها للسلطة في ما بين الخمسينات وأواخر الثمانينات من القرن الماضي، كانت تلجأ للتفاوض على حلول سياسية وإدارية مع الجنوبيين.
وفي الواقع؛ فإن مبررات العسكريين السودانيين للقيام بانقلاباتهم المتوالية كانت دائما أوهى من خيط العنكبوت. ذلك أن عسكريي المشرق والمغرب العربيين كانوا يملكون مسوغات هائلة صدقها الجمهور مثل التحرر من الاستعمار والأحلاف، والوحدة العربية، وتحرير فلسطين. أما العسكريون السودانيون فقد تحججوا أحيانا بأنهم يريدون إخماد ثورة الجنوبيين أو تمردهم بالقوة، وتحججوا دائما بأنهم ملوا الأزمات السياسية وصراعات الأحزاب، وأنهم يريدون إقامة سلطة نظيفة وخالية من الفساد. وفي كل الأحوال ما قاموا بأي من الأمرين. إذ بالنسبة لمشكلة الجنوب، كان كلّ جنرال انقلابي يبدأ عهده بشن الحرب على حركات التمرد في الجنوب، ثم عندما يعجز عن إخماد التمرد - وليس بسبب قوة المتمردين أنفسهم فقط - يعمد لمصالحتهم وبشروط أسوأ مما حاولته السلطات المدنية قبلهم.
وآخر هذه المصالحات أدت كما هو معروف إلى قيام دولة انفصالية في الجنوب، عادت لتقاتل دولة البشير في الشمال ويا للهول! أما الإصلاح والتنمية، فما عرف السودانيون في أزمنة العسكريين غير الفساد والفوضى وازدياد الفقر والتعاسة. وإذا كانت مشكلة الجنوب سابقة في أصولها على حكم العسكر؛ فإن مشكلات دارفور وأعالي النيل وجنوب كردفان، ما كانت لتحصل لولا الحكم العسكري المعتمد على

الاستبداد وسوء الإدارة والفساد.
على أن العسكريين السودانيين زادوا في الطنبور نغمة. إذ ما اكتفوا بادعاء حل مشكلة الجنوب، وحل مسألة التنمية والإصلاح؛ بل زعموا أيضا، ومنذ أواخر أيام نميري الخالدة أنهم يريدون صون هوية السودان الإسلامية من طريق إقامة نظام حكم إسلامي يطبق الشريعة! ومسألة الانتماء الإسلامي في السودان مصطنعة، وهي ناجمة عن الوعي الزائف بالهوية الذي نشرته حركات الإخوان المسلمين في العالم العربي في العقود الخمسة الماضية. فمن الذي يصدق أن الإسلام في مصر في خطر؟ ومن الذي يصدق أن الإسلام غير مطبق حتى يأتي الإسلاميون الحزبيون فيطبقوه؟! بيد أن «الشعبية» التي حصلوا عليها في كل مكان إنما نجمت عن سوء أنظمة الحكم القائمة، وتعرضها للناس في حرياتهم وأديانهم وأسلوب عيشهم، كما نجمت عن الضغوط التي تعرضت لها الشعوب العربية المسلمة من الغربيين في عهود الاستعمار وما بعده.
وعلى أي حال، فإن السودانيين المسلمين ما عرفوا من فضائل الحل الإسلامي غير الاستبداد باسم الدين، وتكفير المعارضين السياسيين، وإقبال جون قرنق وسلفا كير على المطالبة بالانفصال لأول مرة في التسعينات بحجة أنهم غير مسلمين، ولا يريدون الخضوع لدولة دينية تمييزية ضد المسيحيين والإحيائيين في الجنوب. وبسبب الاستبداد وانتفاء الحريات، ظهرت قوى يسارية ومدنية كثيرة في شمال السودان، عمدت للتحالف مع متمردي الجنوب وفي التسعينات أيضا من أجل إسقاط الحكم في الشمال وباسم الديمقراطية والدولة المدنية! وبعد ترددات كثيرة، وطلعات ونزلات واتفاقيات واتفاقيات مضادة، تتصاعد في دارفور وجنوب كردفان وأعالي النيل أيضا دعوات الانفصال أو الفيدرالية أو الحكم الذاتي وهلم جرا.
إن الواقع أن حكومة البشير والعسكر في السودان لا يكاد يكون لها شعبية في العالم، من حيث اقتران الفشل الصاعق، بتصاعد الدعاوى البالغة الهول. بل ربما تشبه في ذلك حكومتي القذافي وبشار الأسد؛ من حيث ربط وجود الوطن والدولة بنظام الحكم القائم وبالزعيم القائد. فقد قال القذافي إن ليبيا ستذهب شذر مذر إن ذهب هو، وكذلك قال ابنه سيف الإسلام. وقال بشار الأسد إن نظام حكمه إنما يشبه منطقة الصدع الزلزالي، ولو زال أو انهار؛ فإن ما سيحدث هو
زوال الدولة السورية ودمار المنطقة العربية كلها! أما البشير فيزعم الآن أن نظام حكمه هو رقم صعب يكون من المستحيل التعرض له أو إزالته ولو بجيوش الأرض كلها، فكيف بهؤلاء «الجرذان»، ويقصد بهم خصومه الجنوبيين! لكن هذه الجرذانية الحيوانية لا تطال الجنوبيين فقط؛ بل تطال خصوم نظامه من السياسيين الشماليين بالحركة المهدية والختمية، وهما في الأصل حركتان دينيتان؛ لكن البشير (ومن أيام إرشادات حسن الترابي) لا يزال يزعم أنه الأولى بتطبيق الإسلام، وإحلال الشريعة محل أنظمة الطاغوت! ولندعْ دعاوى الأمانة والخيانة، والأصل والفصل، والإسلام والكفر، والجهاد والقعود، إلى ما هو الأولى بالعقل وبالمستقبل. سأفترض أن عسكريي البشير على الخصوص، كانوا صادقين في «مفاصلة» الجنوبيين، وفي الحفاظ على وحدة التراب السوداني، وفي إزالة الفقر ونشر الرفاه والإصلاح فيه. لكنهم فشلوا في كل ذلك: فالسودان مقسم الآن إلى دولتين، ومهدد بالمزيد من الانقسام في دارفور وجنوب كردفان وأعالي النيل، والشعب السوداني ازداد فقرا وتعاسة، والحياة السياسية شبه معطلة، والعسكريون والحزب الحاكم يشبهان حزب بشار الأسد وعسكره، ولجان القذافي وبنيه، والبشير نفسه يحمل على ظهره وكاهله عبء حكم المحكمة الجنائية الدولية لاتهامه بارتكاب جرائم حرب بدارفور ضد شعبه، تشبه ما ارتكبه القذافي ويرتكبه بشار الأسد.
فلو كان البشير وأعوانه يمتلكون الحد الأدنى من المنطق، والحد الأدنى من التدبر، والإحساس الوطني والإسلامي، لكان عليهم أن يفكروا ويتشاوروا في ما بينهم، في كيفية مغادرة السلطة دون إلحاق المزيد من الأضرار والكوارث بشعبهم وبجوارهم وبكل العرب والمسلمين! لكن هذا الأمر من ناحية أخرى غير معقول بالنسبة لهم - وليس لافتقارهم إلى تقدير اعتبارات النجاح والفشل فقط، بل ولأنهم واعون بما يمكن أن يحدث لهم من السودانيين ومن غير السودانيين فمن تحملوا منهم ما لا يحتمل على مدى عقدين ونيف!
عندما ثار السوريون على بشار الأسد، تذكر أنه هو دولة الممانعة والمقاومة، وعندما تفاقمت المشكلات بين البشير ورفقائه بالأمس من ميليشيات الجنوب، عاد البشير إلى نغمة الجهاد، وكأنما هو في حرب للدفاع عن دار الإسلام. والجهاد شرف لا يستحقه أو لا يستحق القيام به إلا من كان حريصا على دماء بني قومه وكراماتهم وأعراضهم وممتلكاتهم. وقد قتل هو وحلفاؤه من السودانيين ما لا تستطيع كل أمم الكفر والطغيان ارتكابه في قرن من الزمان!
لقد انهارت سدود الأنظمة العسكرية وقيودها في العالم العربي، بعد أن احتجزت الأرض والإنسان لأكثر من خمسة عقود. وها هي تغادر تحت ضغط الناس، تاركة جراحا غائرة، ومجتمعات مشققة، وجدرانا متداعية يتسلقها الإسرائيليون والإيرانيون والأتراك، ومن ورائهم الأطلسيون والروس والصينيون.
ولا يستطيع العسكريون والأمنيون السودانيون والموريتانيون والجزائريون الاستناد في بقائهم إلى إنجازات أو إلى مستقبل واعد. لقد قال بشار الأسد إن الأنظمة العربية التي تزول هي أنظمة أصدقاء الأميركيين، وما كان النظام السوداني صديقا لأميركا، لكنه كان ولا يزال مثل نظام الأسد عدوا لشعبه وأمته؛ ولذا فإنه من المحتم أن يناله أو ينالهما ما نال الأنظمة المثيلة، وصدق سبحانه وتعالى إذ يقول: «والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون».
نقلا عن صحيفة الشرق الاوسط