الفرق بين «الحافظ» و«الفاهم»!

جولة عربية

السبت, 28 أبريل 2012 11:07
الفرق بين «الحافظ» و«الفاهم»!حسين شبكشي
بقلم - حسين شبكشي

هناك تبسيط عظيم ومبالغ فيه، ذلك الذي يسوغ باسم الجماعات الإسلامية المتطلعة للحكم في العالم العربي وهي ترفع شعارا تلو الآخر بأن العلة تكمن في عدم تطبيق شرع الله في الحكم. وهذه جملة رمادية ومطاطة وخالية من التفاصيل الدقيقة التي توضح الكيفية التي سيتم فيها عمل ذلك الأمر.

فحالة «الطبقيات» الموجودة في العالم العربي من المحيط الإسلامي، والتي ولدت مجاميع تعاني جراء التفرقة والعنصرية باسم القبلية المذهبية والطائفية والمناطقية والعرقية، ما كانت لتحصل لو تم اعتماد مفهوم الحديث الشريف الصحيح «لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى»، وإبراز حديث آخر ضعيف ومشكوك فيه مثل «العرق دساس»، الذي يناقض الحديث الأول تماما، فلا يمكن أن يصدر عن نفس النبي حديثان بذلك التناقض الصارخ.
الحديث الأول لا شك فيه، وهو الذي يتماشى مع روح الدين ويطابق سنة الرسول، صلى الله عليه وسلم، الفعلية، وهو الذي آخى بين صحابته من كل مشرب ولون، مثل بلال «الحبشي»، وصهيب «الرومي»، وسلمان «الفارسي» وغيرهم، وبالتالي يبدو الحديث الثاني في معناه وروحه شاذا وغريبا عن مقصد الشريعة والمشرع، وباباً للفتنة على المسلمين لو فهموه بعكس ذلك، وهو ما يحصل وما ينطبق على هذه المسألة التي تحولت لوسيلة تصنيف وإقصاء بحسب الأهواء والأنفس لا أساس فيها سوى

مرجعيات اجتماعية وثقافية وصفت بأنها «نتنة وجاهلية» وأمرنا بتركها، ومع ذلك بقيت وزاد التمسك بها وشرعنتها بشتى الوسائل.
وما ينطبق على هذا الأمر ينطبق أيضا على مسألة المرأة، فالكل يعلم حديث الرسول، صلى الله عليه وسلم، وهو يوصينا بالنساء خيرا، ويؤكد أن النساء شقائق الرجال، ويؤكد لنا أن علينا أن نكون رفقاء بالقوارير، وأن نصف ديننا يؤخذ من السيدة عائشة، رضي الله عنها، كل ذلك لم يحول لآلية متكاملة تحفظ مكانة المرأة وحقوقها التي بقيت مثار جدل وأخذ ورد، رغم وضوح المسألة تماما من ناحية الشعار الشرعي المرفوع، ولكن الممانعة الاجتماعية بقيت أقوى ليتجرأ الغير علينا متسائلا: لماذا نحن نكره المرأة؟ وكل ذلك يجعلنا نستغرب كيف تحولت أحاديث شريفة في صميم القيم الإسلامية المؤسسة للتعاملات بين أطياف المجتمع إلى مجرد شعارات تكتب على تقاويم السنة في أسفل الورقة أو إلى حكمة اليوم في الصفحة الدينية، بدلا من أن تتحول إلى سياسات وأنظمة وقوانين ليتم تأسيس معايير أخلاقية حقيقية يحميها القانون وتسري على الجميع، وهي نفس الفكرة التي سمحت باستشراء الفساد كالسرطان
في جسد المجتمعات بلا رحمة ولا هوادة ليتعدى على خطط التنمية التي انطلقت بنيات حسنة لأن الحديث الشريف «لعن الله الراشي والمرتشي والرائش بينهما» لم يدعم بقوانين أو تشريعات وأنظمة تحوله من مقولة بالغة الأهمية إلى عين تراقب مخالف نص الحديث فتكون أداة رادعة لمن يخالف ذلك. كل ذلك يدخلنا في نطاق التفريق بين «الحافظ» للدين و«الفاهم» له، فلم تكن العبرة أبدا بمن يحفظ أكبر قدر من الآيات والسور والأحاديث بقدر من يحفظ القيم الواردة فيها ويطبقها حرفيا للصالح العالم وإحياء العدل، لأن الله سبحانه وتعالى يؤكد لنا في مسألة يرددها المسلمون يوميا «إن الله يأمر بالعدل والإحسان»، وبالتالي العدل مسألة فيها أمر إلهي لا يقبل الجدل ولا التشكيك في ذلك وحتما لا إهمال فيها أيضا، وهي مسألة تذكرني بالحديث الشريف القائل «النظافة من الإيمان» الذي تحول إلى شعار جميل ولكن تطبيقه يبقى بلا تفاصيل ولا تفعيل، وهو الذي أدى بأحد الكتاب ذات يوم لأن يفسر أنه في هذه المسألة تحديدا تبدو سنغافورة وسويسرا على سبيل المثال «أكثر إيمانا» من الدول الإسلامية، لفهمهما لتلك المسألة وتطبيقها، فهناك فرق بين من يقول ويردد وبين من يفعل ويطبق.
تحويل القيم والمعاملات التي أسس عليها الدين الإسلامي إلى قوانين وأنظمة هو التحدي الذي لا يزال قائما أمام المجتمعات الإسلامية، وهو الذي لم يلق القدر الكافي من الاهتمام مثلما لقيت العبادات على سبيل المثال. والخطاب الإلهي في الكتاب الكريم واضح وصريح، حيث تم ربط الإيمان في كل موقع بالعمل الصالح، والعمل الصالح هو الذي يحقق العدل والسوية للكل.
نقلا عن صحيفة الشرق الاوسط