تقدم في تونس.. تعثر في مصر

جولة عربية

السبت, 28 أبريل 2012 11:00
تقدم في تونس.. تعثر في مصرمحمد فاضل العبيدلي
بقلم - محمد فاضل العبيدلي

لماذا سارت عملية انتقال السلطة في تونس بعد الثورة بشكل سلس دون عقبات كبرى، فيما تتعثر العملية في مصر؟ في كلا البلدين، أوكلت سلطات الرئاسة بعد رحيل الرئيسين زين العابدين بن علي وحسني مبارك الى جهات انتقالية لكن مع الفارق.

في تونس أوكلت إلى رئيس البرلمان فؤاد المبزع حسب ما ينص عليه الدستور في حالة شغور منصب الرئاسة. وقام المبزع تالياً بتعيين سياسي مدني مخضرم هو وزير الخارجية الاسبق الباجي قايد السبسي ليترأس الحكومة الانتقالية.
اما في مصر فقد أوكلت سلطات الرئيس الى الجيش. وفيما قام التونسيون بتنظيم انتخابات للمجلس التأسيسي الذي سيضع الدستور الجديد، بادر المجلس العسكري في مصر الى تكليف مستشارين قانونيين بإعداد تعديل دستوري ألغى الدستور القائم ودعا المصريين لانتخاب برلمان جديد واختار البرلمان لجنة من داخله لصياغة الدستور الجديد ألغيت لاحقا بحكم قضائي.
وفيما بادرت الحكومة التونسية (تحت ضغط الشارع) في وقت مبكر قبل انتخابات الجمعية التأسيسية الى إصدار قرار بحرمان جميع رموز نظام بن علي من الترشح للانتخابات أو تولي أي منصب عام، تأخر المصريون في ذلك حتى الاعلان عن ترشح مدير المخابرات العامة السابق عمر سليمان لانتخابات الرئاسة في ابريل 2012. ما الذي يمكن ان تعنيه هذه الفوارق؟
قد يكون مشهد ميدان التحرير في اليوم التالي لاعلان تنحي مبارك (11 فبراير 2011) موحياً للبحث: شبان وشابات من المحتجين يمسكون بالمكانس يقومون بتنظيف المكان، وفي موقع «فيسبوك» كتب ناشط مصري شاب بالانجليزية: «Mission Accomplished». لكن في تونس، استمر الضغط الشعبي والتظاهرات حتى بعد فرار بن علي وتشكيل حكومتين متعاقبتين.
مشهد تنظيف الميدان كان مضللاً منذ البداية وانطوى على فهم مبسط لمتطلبات التحول

الذي تفرضه الثورات عادة. ترجمة هذا الكلام: اعتقد المحتجون أن كل شيء سيسير لاحقاً بسلاسة وأن الأهداف الكبرى التي ناضلت من اجلها أجيال من المصريين ستتحقق تباعاً ولربما دون حاجة لضغط من أي نوع. أما الترجمة غير المنقحة، فهي أن المحتجين تعاملوا بحسن نية مفرطة وأبدوا ثقة في أن الجميع آمن بالتغيير واستوعب متطلباته. لكن إن كانت الأحداث التي تلت تنحي مبارك قد أثبتت شيئاً، فهو أن ما تلا تنحي الرئيس ليس سوى مقاومة هائلة للتغيير تبديها طبقة سياسية واجتماعية مهيمنة.
لكن مقاومة التغيير ليست عنصر الإعاقة الأول، فعدم استيعاب متطلبات التغيير، يتضافر مع مقاومة كهذه إلى حد تتضاعف معه وطأة المرواحة التي تعيشها مصر حاليا. فمشهد الصراع الراهن بين المعارضة والسلطة القائمة يبدو مخادعاً أيضا، لأن الصراع الظاهر بين الجيش والإسلاميين هو صراع بين «مقاومة التغيير» و«الإخفاق في فهم متطلباته». فإذا كانت المقاومة واضحة في تعبيرها عن نفسها بالتباطؤ، فإن الإخفاق في فهم متطلباته يبدو أشد وطأة وتأثيرا ويجعل المستقبل في طي المجهول.
ما أخفق في فهمه الإسلاميون المصريون، هو بالضبط ما استوعبه إسلاميو حركة النهضة في تونس بذكاء عملي. فلقد استوعب هؤلاء أن المرحلة الانتقالية وتأسيس ديمقراطية حقيقية وفاعلة تقتضي إشراك جميع الفرقاء والخصوم السياسيين بعيدا عن الفهم الضيق والساذج لمفهوم الأغلبية والأقلية. على هذا الفهم، تم تقاسم السلطة في تونس بين ثلاثة أحزاب رئيسة فائزة في الانتخابات.
وثمة حقيقة أخرى دفعت إسلاميي تونس لتبني هذا الفهم تتمثل في قوة حضور التقاليد العلمانية في المجتمع التونسي اجتماعيا وسياسيا وثقافيا.
كما أن التوانسة، ساروا بشكل أصح بتوافقهم على انتخاب جمعية تأسيسية تصيغ الدستور قبل انتخاب البرلمان. القيمة الحقيقية لهذه الخطوة، تكمن في أن المهمة التاريخية الأولى هي التأسيس لدولة جديدة تمثل قطيعة مع العهد السابق وهذا لن يتم إلا بدستور تتأسس عليه لاحقاً آليات الديمقراطية في كل مستوياتها: انتخاب ممثلي الشعب، صيانة وترسيخ الحريات العامة والفردية وتثبيت آليات المراقبة والمحاسبة والعدالة الاجتماعية في الحياة اليومية.
لكن المبادرة إلى انتخاب برلمان في مصر بدلا من جمعية تأسيسية لصياغة دستور جديد، لا تحمل من معنى سوى ان الانتخابات تأتي وكأنها امتداد طبيعي لما قبلها. ارتكب الإسلاميون المصريون الذين هيمنوا على البرلمان المصري خطأ ثانياً عندما سعوا الى دفع مرشحين لهم (وبشيء من التهافت) لمنصب الرئاسة ليثبتوا ان تقاسم السلطة أو التوافق او تشكيل كتلة تاريخية تقود التغيير، ليس وارداً لديهم. وعندما بدا أن معركة الرئاسة قد تكون منفذاً متاحاً أمام أنصار مبارك للعودة الى السلطة، بادروا متأخرين عبر البرلمان الى استصدار قرار بمنع رموز نظام مبارك من الترشح للمناصب العامة. قرار بدا فاقداً لأي قيمة لأنه صدر في التوقيت الخطأ فحسب. والتوقيت وحده الذي سيدفع للتساؤل: لماذا لم يصدر في وقت مبكر؟
ثمة أجوبة عديدة تتراقص في الأذهان، لكنها ليست سوى تنويعات على جواب واحد: «التردد». وفي صيغة أقل دبلوماسية: «الممانعة».
سيضاف إلى سجل الإخفاق نقطة أخرى. ففي الوقت الذي أبدى فيه إسلاميو حركة النهضة في تونس علامة نضج سياسي، بإعلانهم أن «الإسلام لن يكون المصدر الأساسي للتشريع في الدستور التونسي الجديد» تأكيداً لمبدأ التوافق ودرأ لشبهات الرغبة في الهيمنة الأيديولوجية، فإن الإسلاميين المصريين مازالوا يبقون على مساحة غموض حيال نواياهم وطبيعة الدولة التي يريدون. يزيد في هذا سوءا ان التصريحات الصادرة من بعض رموزهم وتصرفات الأنصار المتحمسين على الأرض، لا تفعل سوى أن تدفع المصريين إلى مقارنة كريهة تجعل ما انتفضوا ضده يبدو أفضل مما ينتظرهم.
نقلا عن صحيفة الوطن الاماراتية