رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

«أبو إسماعيل وقضيته» من هندية سونيا إلى فرنسة ساركوزي

جولة عربية

الجمعة, 27 أبريل 2012 14:12
«أبو إسماعيل وقضيته» من هندية سونيا إلى فرنسة ساركوزي
بقلم - حبشي رشدي:

قد يبدو منطقيا اشتراط «مصرية» المرشح للرئاسة أباً عن جد، ومن دون ان يحمل اي من أقارب الدرجة الاولى على أية جنسية أخرى، والسبب تجنب ازدواج الولاء.

ومن ذلك ضاعت فرصة الترشح للرئاسة على صلاح أبو إسماعيل، الذي لم يكن يعلم - في حدود علمه كما قال - إن المرحومة والدته حصلت على الجنسية الاميركية، وأنها استخدمت هذه الجنسية في عدد من سفراتها قبل ان يتوفاها الله بسنوات.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه، وهو منطقي بدرجة منطقية الشرط الذي تضمنه الاعلان الدستوري، والذي يقضي بمصرية المرشح للرئاسة، ويمنع ان يكون هذا المرشح، أو أقاربه من الدرجة الاولى قد حصل على جنسية اخرى، وهذا السؤال هو: هل دول أخرى في العالم تأخذ بمعنى هذا الشرط أو مثله، فتضعه في صدارة شروط الترشح لرئاسة الدولة، أو رئاسة الحكومة.

غير ان هذا الشرط لوكان قد طبق في فرنسا، لحرم نيكولا ساركوزي من رئاسة بلاد نابليون، ذلك لأن الرجل ليس من جذور فرنسية صرفة، فجدوده يهود من رومانيا، ثم هاجروا الى فرنسا.

كما ان زوجة ساركوزي كارلا بروني ايطالية الجذور، أو على الاقل تحمل جنسية اخرى مزدوجة، ويقال إنها لا تنطق الفرنسية بطلاقة، ولكن بلهجة هجين بين الفرنسية والايطالية، ومع ذلك لم تهب نساء فرنسا بلد العطور والنور والجمال والاناقة، في وجه ساركوزي لأنه اختار سيدة قصر الاليزيه من خارج فرنسا، فالرجل طلق زوجته الفرنسية الاصل، واقترن بكارلا دون ان تحدث جلبة، ومن غير تشكيك في فرنسيته وولائه.

وفي الهند، أو بلاد الماهاتما غاندي حينما اغتيلت المرحومة انديرا غاندي بطلق ناري من حارسها السيخي، تولى من بعدها رئاسة الحكومة ابنها راجيف، الذي كانت زوجته سونيا امرأة ايطالية الجذور.

ووقتئذ لم تخرج اصوات الهنديات بغضب على رئيس تزوج من غير بنات بلده، أخذا بقاعدة: «القلب وما يعشق ويهوى»، فالرجل احب امرأة تركت لأجله عنفوان والق الحضارة الغربية، واختارت العيش الى جوار وريث عائلة نهرو، وفي بلاده الغارقة في الفقر والمرض، وذلك بعد علاقة حبهما التي شهدتها مقاعد الدراسة في جامعة كامبريدج البريطانية.

واليوم لا يشكك احد في ولاء سونيا غاندي للهند، غير انها - وقطعا لدابر الاقاويل - اكتفت برئاسة حزب المؤتمر العريق، وامتنعت عن الترشح لرئاسة الحكومة، وذلك على الرغم من شعبيتها الطاغية، وعشقها لحضارة بلد زوجها، وهي واحدة من أقدم حضارات الارض، وتعيش حاليا هي وابنها راحول وابنتها بريانكا في الهند، ربما لإلحاق احدهما بسلك السياسة، وربما لتخلف بريانكا جدتها وابيها.

فسونيا غاندي هندية اكثر من الهنود، وليست وطنيتها محل شك، وولائها لبلاد الماهتما يفوق ولاءها لبلدها الاصلي - ايطاليا - الذي تبخرت من ذاكرات طفولتها به، وعاشت الى جوار زوجها كسيدة الهند الاولى، ثم عاشت كأرملة راجيف يحيطها إعجاب وتقدير الشعب الهندي، ولم تغادر رغم مقتل حماتها أنديرا، ومصرع زوجها راجيف.

وفي فرنسا ايضا، كم من وزيرة من اصول غير فرنسية

تم توزيرها، فما زلنا نذكر وزيرة العدل الفرنسية رشيدة داتي العربية الجذور، والتي وزرها ساركوزي ثم سرعان ما أقالها لاسباب اخرى غير عدم فرنسية الجذور.

وفي تركيا ترأست الحكومة في مطلع التسعينيات السيدة تانسو تشيلر التي كانت تحمل جواز سفر أميركياً.

ويحمل ميخائيل سكاشفيلي رئيس جورجيا الحالي الجنسية الاميركية، كونه عاش معارضا في اميركا بضع سنوات، قبل ان يتولى رئاسة بلده، في أعقاب الاطاحة بشيفارنادزه آخر وزراء خارجية الاتحاد السوفياتي السابق، وأول رئيس لجورجيا، من بعد تفكك الامبراطورية الحمراء الى الدول التي سبق ان التهمتها، ولم يشكك احد في ولاء سكاشفيلي، ولم يتم توظيف الجنسية الاميركية التي ظل يحملها لسنوات، في التشكيك بولائه أو استحقاقاته للترشح لمثل هذا المنصب.

بل وفي مصر ذاتها التي حرمت حازم صلاح أبوإسماعيل من الترشح للرئاسة، ينتمي رئيسها الاسبق أنور السادات الى اصول سودانية، من حيث إن والدته كانت سودانية الجذور، ولم يقل احد وقتها إن السادات الذي تزوج أيضا السيدة جيهان السادات ذات الجذور المالطية - لجهة الام - ان ولاء السادات لمصر سيكون مزدوجا بحكم الزوجة ذات الجذور الاجنبية.

بل إن الزعيم الراحل جمال عبدالناصر ايضا، وهو مصري اصيل من قرية بني مر الاسيوطية، كانت زوجته السيدة الجليلة الراحلة تحية إيرانية الجنسية، حيث كان والدها الايراني تاجر سجاد يعيش بالقاهرة، واختارها عبدالناصر الى جواره، من دون ان يجرؤ احد في مصر على التشكيك في مصريتها أو مصرية زوجها الزعيم.

والاكثر من ذلك، اننا قرأنا أخيرا ما يفيد ان الرئيس المصري السابق حسني مبارك من جذور لبنانية، وأفردت لهذه المعلومات التي يصعب التأكد من صحتها، مواقع الكترونية اخبارية، وتناقلتها صحف عربية.

كما ان مهندس ثورة يوليو المصرية، وأول رئيس لمصر بعد الاطاحة بالملكية، وهو الراحل اللواء محمد نجيب ذو جذور سودانية.

واذا استعرضنا بعضا من تاريخ مصر الحديث سوف نتبين ان محمد علي بك الكبير، صانع النهضة الحديثة في مصر، كان تاجر دخان ألبانيا، ووفَدَ الى مصر مع الجيش العثماني، ثم اختِير بإرادة شعبية واسعة حاكما وقائدا لمصر، ولينشق لاحقاً على الدولة العثمانية، بل وليرسل جيشه بقيادة ابنه ابراهيم بك لمحاربتها والتوغل في مدن عدة عثمانية بجنوب الامبراطورية، ولم يشكك احد في ولاء هذا الرجل وعائلته حتى الملك فاروق رحمه الله لمصر.

واذا عدنا الى اوروبا سوف نتبين ان زوجة ملك اسبانيا خوان كارلوس، وهي الملكة صوفيا، يونانية، وابنة آخر ملوك اليونان، ولم يشكك احد في اسبانيا بولاء الملكة صوفيا لبلدها اسبانيا.

ثم ألم يحكم دولا عربية

خلال النصف الاول من القرن العشرين ملوك عرب، ليسوا من جذور البلد التي حكموها، فلم يعيشوا أو يولدوا فيها، وينطبق ذلك على الملوك السابقين للعراق وسوريا والاردن.

وتناقش بلجيكا الآن ضياع فرصة العمودية من امرأة مسلمة ليس بجريرة جذورها غير البلجيكية، ولكن لانها محجبة، ويرفض مجتمعها تحجب السيدات، بغض النظر عن مشروعية هذا الرفض من عدمه.

ألم تتحدث الصحافة الاسرائيلية قبل بضعة شهور عن ان العقيد القذافي الذي حكم بلاده زهاء الاربعين عاما كانت جذوره يهودية، بل ووثقت ما تزعمه بالصور وأقوال من عاصروا هذا التاريخ.

وهل اوباما، الرئيس الاميركي الحالي ضليع في اميركيته حتى النخاع، وهل ان واحدا من رؤساء اميركا لم يفخر بجذوره البريطانية أو الايرلندية، ومن دون ان يشكك الاميركيون في ولاء رؤسائهم لاميركا رغم الجذور التي ينحدروا منها.

الا تحكم أستراليا حاليا السيدة جوليا جيلارد ذات الجذور الانجليزية، والتي تعزى هجرتها وهجرة اسرتها من بريطانيا الى استراليا الى اصابتها مبكرا بمرض بالصدر اعوزها الى بيئة جافة، غير البيئة الباردة في بريطانيا، ثم نجحت هذه المرأة في الارتقاء بمستوى طموحها حتى حكمت البلد الذي هاجرت إليه ولم تولد فيه.

ثم الم تجهر جيلارد بصوت عال بعد ان استلمت حكم استراليا، وخلال حملتها الانتخابية بالدعوة الى خروج استراليا من عباءة ملكة بريطانيا التي مازالت استراليا تتبع لها اسميا، ما يعني ان ولاء جيلارد للمهجر، تفوق - بحكم السنين - على ولائها لمسقط الرأس.

وقبل سنوات قلائل دَعَوْنَا الى ان يكون العالم المصري احمد زويل خليفة للرئيس السابق مبارك، غير ان زويل لم يفكر في هذا المنصب، وذلك لاسباب تعزى الى نهجه وخياراته في الحياة، اذ انه عالِم وباحث، ورأى ان يفيد بلده من معامل البحث العلمي وليس من قصر العروبة، فالمعمل العلمي لدى زويل اكثر قيمة من مكتب رئيس، ومع ذلك فقد قطع نصا في الاعلان الدستوري الذي تم الاستفتاء عليه الطريق امام زويل وغيره ممن يحلون جنسية اخرى، حتى وإن برزت إرادة شعبية طاغية لتنصيبه رئيسا.

زويل الذي طلق زوجتة المصرية - اولى زوجاته - تزوج من سورية، هي ابنة شيخ دين في سوريا، لا يمكن ان تجرح مصريته لا جنسية اميركية حصل عليها، ولا زوجة غير مصرية تزوجها، ومن كل ذلك ليست أمركة والدة حازم إسماعيل حالة غريبة أو وحيدة في العالم، ولا يمكن ان تدلل على ولاء مزدوج.

فقط ان تكون والدته اميركية، يساق مع ذلك احتمالان، اولهما: انه لا يعرف هذه الحقيقة، ومن ذلك فإن شأنا أسريا بهذا الحجم والمعنى كان لا يجب ان يجهله، وان هناك شروخا ما في الاسرة حالت دون معرفته بذلك، وهو ما لا يستقيم مع حال رجل سيحكم مصر، فعدم درايته بشأن في الاسرة الصغيرة، يعني ان الجهل بأحوال الاسرة الكبيرة - الوطن - وارد.

والاحتمال الثاني: انه كان يعرف ان والدته اميركية، وانه اضطر لرفض الحقيقة، ذلك لان الرجل انفق على حملته عشرات الملايين، وحشد وراءه ملايين المؤيدين، ومن ثم فبعد ان قطع هذا الشوط الكبير في مضمار الانتخابات الرئاسية، كان يخجله ان يصرف مؤيديه، أو ان يهدر ما تم انفاقه، ومن ثم فإن هذا الاحتمال الثاني ينطوي على الاصرار على الكذب، وهو سلوك يرفضه المجتمع من رجل سيحكم مصر، واستهل طريقة الى هذا الموقع بكذبة.

الطريق الثالث - غير الاحتمالين السالفي الذكر - الذي كان يفترض ان يسلكة أبوإسماعيل، هو ان يتقدم بطعن في دستورية هذه المادة التي تجاوزها العصر، وأصبحت العديد من الدول المتقدمة لا تأخذ بها، فتعين مسؤولين في مواقع بارزة وعلى مختلف المستويات، من دون شبهة ازدواج الولاء.
نقلا عن صحيفة الوطن القطرية