رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

لماذا كان ضرورياً خروج الشاطر وسليمان؟

جولة عربية

الأربعاء, 25 أبريل 2012 10:04
 لماذا كان ضرورياً خروج الشاطر وسليمان؟
فهمي هويدي

مستقبل الثورة والآمال الكبار المعلقة عليها ليس في مصر وحدها ولكن في العالم العربي أيضاً أزعم أن الخائفين من الإخوان تأكدت مخاوفهم والمحبين لهم توجسوا منهم

لداعي السفر، كنت قد كتبت مقالي الأسبوعي وسلمته بعد ظهر يوم السبت، لكي يتم صفه وتوزيعه خلال اليومين التاليين. ودعوت فيه الى انسحاب المهندس خيرت الشاطر واللواء عمر سليمان من الترشيح للرئاسة، حيث اعتبرت ان الرجلين كانا بمثابة قنبلتين انفجرتا في وجوه المصريين وأربكتا كل الحسابات. لم أشر الى المرشح حازم أبواسماعيل لأنني تصورت ان موضوع جنسية أمه الأمريكية محسوم، وأنه سيخرج من السباق لأسباب قانونية. من ثم وجدت ان خروج الرجلين الآخرين (الشاطر وسليمان) له ضرورته من الناحية السياسية.. وان كان قرار لجنة الانتخابات باستبعادها المبدئي قد أضاف أسبابا أخرى قانونية.
فاجأني قرار استبعاد المرشحين الذي صدر، وكنت مخيرا بين وقف ظهور المقال وبين نشره لايضاح الأسباب السياسية التي تستدعي خروج الرجلين من قوائم المرشحين، خصوصا ان باب الطعن في قرار اللجنة ظل مفتوحا لمدة 48 ساعة، وليس من اليسير تحديد موقفهما النهائي قبل النشر، اليك نص المقال المكتوب قبل اعلان قرار لجنة الانتخابات.

(1)

حين يصبح الخوف على الثورة في مصر عنوان المرحلة الراهنة، فان استنفار الجماعة الوطنية واحتشادها لابعاد شبحه بأي ثمن يصبح واجب الوقت. أحدث مشاهد الخوف تبدت حين لاح في الأفق فجأة شبح مبارك مرة أخرى، حين ظهر أمامنا في شخص نائبه وصفيه اللواء عمر سليمان، الذي قال عنه أحد خبراء المخابرات المركزية الأمريكية أنه هو ومبارك لم يكونا شخصين، ولكنهما كانا شخصا واحدا. لم يكن انفجار قنبلة ظهور مبارك الآخر في وجوهنا هو المفاجأة الوحيدة، لأن ملابسات ذلك الدخول حفلت بمفاجأت أخرى. اذ يعد احجاما واقداما استغرقا في العلن نحو ثلاثة أيام فوجئنا بأن 49 ألف توكيل رتبت للرجل في أقل من 24 ساعة، فيما وصفه اللواء سليمان بأنها «معجزة تمت بتسهيل رباني». ولأن مبلغ علمنا ان عصر المعجزات انتهى، فان ظهور تلك المعجزة لصالح ترشح اللواء سليمان لا تستطيع ان نسلم به بسهولة. بكلام آخر فان جمع ذلك العدد الكبير من التوكيلات، وحديث الرجل عن عشرات الألوف من التوكيلات الأخرى التي لم تصل الى القاهرة بسبب محدودية الوقت، هذا الكلام لم يهضمه المجتمع بسهولة، فتحدث البعض عن دور لرجال المخابرات العامة في جمع توكيلات من ألوف المجندين للقوات المسلحة. وتحدث آخرون عن ان الفلول في أحد النوادي الكبرى أقاموا مركزا لهم وطلبوا من أعضاء النادي ان يسندوا اللواء سليمان، وهذا ما فعله فريق آخر من الفلول الذين يملكون بعض المصانع، وطلبوا عمالهم نفس المطلب.
لكن ذلك في كفة وموقف المجلس العسكري من ترشيح اللواء سليمان في كفة أخرى. ذلك أنني لست واثقا من ان المجلس يقف حقا على مسافة واحدة من كل المرشحين للرئاسة. ولست واثقا مما قاله صاحبنا لزملينا عادل حمودة في صحيفة «الفجر» من أنه يرفض ان يكون مرشح المجلس العسكري. كما أنني لا أستطيع ان أقتنع بسهولة بأن عناصر المخابرات العامة التي رأسها طوال عشرين عاما يمكن ان تكون بعيدة عن الموضوع.
ثمة همس يعتمد على قرائن متوفرة تشير الى ان ثمة أعدادا للتدخل لصالحه في انتخابات الرئاسة القادمة التي ستجري في لجان المصريين بالخارج، وهي التي تنعقد

بعيدا عن الأعين في السفارات، ومعروف ان تلك السفارات تضم في العادة ضباطا تابعين للمخابرات العامة، وأن قدموا بصفات أخرى. ومعلوماتي ان هذا الموضوع وبعض القوائم التي تسربت محل بحث الآن في احدى الجهات المعنية.

(2)

كنت قد تحدثت من قبل عن «غسل» عمر سليمان الذي يقوم به بعض أعوان النظام السابق من اعلاميين وأصحاب مصالح، كما ذكرت ان اللعب صار على المكشوف في الساحة السياسية، حيث سقطت الأقنعة أغلبها ان شئت الدقة ولم يعد رجال مبارك يستحون من التعلق بشخصه وزمانه، بعدما ظلوا حريصين على اخفاء هذه «العورة» طوال الخمسة عشر شهرا الماضية.
لقد ذهب البعض كما تحدث هو شخصيا الى ان معارضي ترشيح اللواء سليمان يخشونه. وهذا ليس صحيحا على الاطلاق لأن هؤلاء ينسون ان الرجل رمز لنظام ثار عليه المجتمع، وأن دوره في خطايا النظام وجرائمه السياسية لا يمكن ان ينسى أو يغتفر. يكفي أنه منذ توليه منصبه وطوال عشرين عاما كان بمثابة مبارك الآخر، كما قيل بحق. وهو ما يعني ان معارضة ترشيح الرجل لم تنطلق من الخوف منه، ولكنها كانت نفورا مما يمثله وخوفا على البلد.
الذي لا يقل سوءا على ذلك ان ملابسات دخول الرجل الى الحلبة أثارت شكوكا حول حقيقة الدور الذي يقوم به المجلس العسكري، ليس في الوقت الراهن فحسب وانما في ترتيب أوراق المستقبل أيضا. بل ان تلك الشكوك دفعت البعض الى التساؤل عن احتمالات التسامح في التلاعب في نتائج الانتخابات الرئاسية.
ما قلته بخصوص ترتيب أوراق المستقبل لا ينصرف الى مستقبل البلد فحسب، وانما أيضا الى مستقبل دور القوات المسلحة وموقعها في الدستور الجديد. اذ المعلومات المتوفرة ان المجلس العسكري مصر على النص في الدستور على خصوصية وضع القوات المسلحة في الدفاع عن النظام السياسي، وعلى عدم مناقشة تفاصيل موازنته في مجلس الشعب. وأمام اصرار القوى الوطنية على رفض المطلبين اللذين سبق ان استجابت لهما ما سمي بوثيقة الدكتور السلمي والتعامل مع القوات المسلحة كأي مؤسسة أخرى مقدرة في المجتمع، فان المجلس العسكري ربما يكون قد آثر ان يساند رئيسا من «آل البيت» يحقق له ما يريد.

(3)

توقيت ومناخ دخول السيد سليمان الى حلبة المنافسة لابد ان يثير الانتباه. ذلك ان أحدا لا يشك في أنه اختار لحظة استشعر فيها الناس الخوف من تزايد نفوذ الاسلاميين بعد انتخابات الجمعية التأسيسية لوضع الدستور. وفي الحديث الذي أجراه الرجل لجريدة الفجر، قال صراحة انه دخل في السباق لأسباب عدة على رأسها «انقاذ» البلاد من هيمنة الاسلاميين، وهذا الخوف له أسبابه المتعددة. فمن ناحية ينبغي الاعتراف بأن ثقافة الخوف من الاسلاميين والعداء لهم مستقرة في أوساط عدة، وأن عملية التخويف التي سادت في الدوائر السياسية والاعلامية المصرية لم تتوقف وانما استمرت بعد سقوط النظام. واذا كانت عملية التخويف تتم في الماضي بسبب وبغير سبب،

فما بالك اذا أصبح السبب مؤكدا وملموسا. ذلك أننا يجب ان نعترف بأن الاخوان المسلمين أخطأوا في قراءة الواقع حين ألقوا في الساحة بقنبلة أخرى تمثلت في ترشيح المهندس خيرت الشاطر لرئاسة الجمهورية خلافا لما وعدوا به. وأخطأوا حين تراجعوا عن نسبة تمثيل مجلس الشعب والشورى في اللجنة التأسيسية، فرفعوها الى %50 بدلا من الاعلان المبكر بنسبة %40. وأخطأوا في التطلع الى تشكيل الحكومة والتسرع في طلب سحب الثقة من حكومة الدكتور الجنزوري. وحين رأسوا مجلس الشعب والشورى واللجنة التأسيسية التي يفترض ان تقوم باعداد الدستور، وضغطوا لأجل تشكيل الحكومة برئاستهم، ثم رشحوا أحد قياديهم لرئاسة الجمهورية. حين فعلوا ذلك فانهم أزعجوا المجتمع وخوفوا طبقته السياسية ودفعوا الناس الى تصديق الكثير مما كان ينسب الى موقفهم من السلطة. لا أتحدث عن الموقف القانوني الذي قد يكون سليما، لكنني أتحدث عن الرؤية الاستراتيجية والملاءمة السياسية حتى أزعم ان الخائفين من الاخوان تأكدت مخاوفهم، والمحبين للاخوان توجسوا منهم. أما المحايدون فقد خسر الاخوان أغلبهم، بسبب التعبئة الاعلامية التي تصيدت أخطاءهم. وكانت النتيجة أننا تابعنا على شاشات التلفزيون استغاثات لبعض الاعلاميين دعت المجلس العسكري الى التدخل لوقف زحف الاخوان وامساكهم بمفاتيح ومفاصل الدولة. وشاهدنا رسوما كاريكاتورية سوغت الاحتماء بالعسكر واعتبرته أمرا مَّرا، وبررت ذلك بأن بديلهم (الاخوان) أكثر مرارة. في توظيف للمثل الشائع الذي يقول فيه واحد لصاحبه ما الذي دفعك الى المر، فرد عليه قائلا انه الأمرّْ منه.
اذا كان الاخوان قد خوفوا المجتمع فان السلفيين أكملوا المشهد بترويعهم، للناس خصوصا ان الاعلام لم يقصر في الفضح والاصطياد، حتى صَّور السلفيين وحوشا تتأهب للانقضاض على المجتمع وتقييد الحريات العامة والخاصة. وحينما وزعت عناصر حزب التحرير الاسلامي للافتات التي دعت الى اقامة الخلافة فانهم زادوا الطين بلة ودعوا القاصي والداني الى المسارعة بالانضمام الى معسكر المذعورين والخائفين.

(4)

في النهاية صرنا بين خوفين يعذبان المصريين. خوف مؤكد من مبارك الآخر الذي خبرناه. وخوف مظنون من الاخوان والسلفيين الذين لم يحسنوا قراءة المشهد أو التعاطي معه. وأضيف اليهما خوفا ثالثا على الثورة التي غَّيبت في خضم التجاذب وصراع القوة والنفوذ لا أعرف الى أي مدى ارتياح المجلس العسكري لهذه الحصيلة، التي أوقفت حملة انتقاده في وسائل الاعلام، وأقنعت البعض بأن نار العسكري أفضل من جنة مبارك أو جنة الاخوان، كما عبرت عن ذلك بعض الرسوم الكاريكاتورية. وهناك من يتحدث عن أي من شأن ذلك التجاذب ليس فقط ان يطمئن المجلس العسكري ولكنه ربما أفضى الى اطالة أمد بقائه في السلطة، وربما قوى مركزة بحيث حقق ما يريده في نصوص الدستور.
لابد ان نلاحظ أيضا ان بقية الأحزاب السياسية تعاني الحيرة، ناهيك بهشاشة بنيانها وقلة حيلتها. خصوصا في ظل الشعور بأن الاخوان لم يستجيبوا لرغباتهم، وهو ما اعبتروه اقصاء لهم. بسبب من ذلك فان بعضهم انحازوا الى عمر سليمان اما مراهنة عليه أو كيدا في الاخوان والسلفيين، البعض الآخر ومعهم ائتلافات الثورة رفضوا الاثنين، ولم يستقروا على صيغة للتوافق بعد. وربما تحقق ذلك اذا أعيد تشكيل لجنة وضع الدستور بحيث تصبح أكثر قبولا من الجميع.
ما يهمني في كل ما يجري ويخيفني أيضا هو مستقبل الثورة والآمال الكبار المعلقة عليها. ليس في مصر وحدها، ولكن في العالم العربي أيضا. لذلك فانني أقترح حلا للاشكال يهدئ من روع الجميع ويبدد الخوف الذي ينتابهم. ذلك ان المرشحين جميعا حين تقدموا لخوض غمار المنافسة، قالوا لنا انهم بذلك يلبون نداء الوطن. واذا كانت رياح الخوف قد ضربت الوطن وأشاعت البلبلة في أرجائه بعدما رشح الاخوان المهندس خيرت الشاطر، فان تلك الرياح اشتدت وتحولت الى اعصار عقب ظهور اللواء عمر سليمان في الأفق، ولأن الأمر كذلك فان اقتراحي المحدد هو ان يتنازل الاثنان عن الترشح لكي يسكن الاعصار وينزع فتيل الأزمة ويعود الهدوء الى ساحة الوطن، لتواصل الثورة تقدمها، فيوضع الدستور وينتخب الرئيس ويعود العسكر الى ثكناتهم، ليهدأ بال المصريين وتأوي «بهية» الى فراشها قريرة العين. ان انسحاب الرجلين لانقاذ الثورة والحفاظ على تماسك الجماعة الوطنية بات نداء الوطن وواجب الوقت

نقلا عن صحيفة الوطن الكويتية