دهاليز حزب «الإخوان»

جولة عربية

الأربعاء, 25 أبريل 2012 10:02
 دهاليز حزب «الإخوان»
خليل علي حيدر

على سطح الحياة السياسية والإعلامية تبدو مصر وكأنها في بحر من التيارات المتلاطمة والأفكار المتصارعة والجماعات المتنافسة لانعرف إذا كان ما يجري مقدمة لازدهار الديموقراطية أم إعداد العدة من قبل بعض الأطراف القوية للانفراد التدريجي بالبلاد هل الليبرالية قادمة إلى مصر، أم أن مصر مع هيمنة الاسلاميين بصدد الابتعاد عنها؟

على سطح الحياة السياسية والاعلامية، تبدو البلاد وكأنها في بحر من التيارات المتلاطمة والافكار المتصارعة والجماعات المتنافسة. فهل ما نرى مقدمة لازدهار الديموقراطية ام اعداد العدة من قبل بعض الاطراف القوية للانفراد التدريجي بمستقبل مصر؟
الباحث الامريكي «ايريك تراغر» Trager طالب دكتوراه في جامعة بنسلفانيا، حيث يكتب اطروحته عن «أحزاب المعارضة المصرية». وقد نشرت مجلة «مدارات استراتيجية» اليمنية، يوليو 2011، مقالاً مهماً عن مصر بعنوان «الاخوان الجموحون: فرص قاتمة لمصر الليبرالية» يناقش فيه «تراغر» مصائر الديموقراطية المصرية.. في المرحلة القادمة.
جماعة الاخوان المسلمين، يقول الباحث، «تقوم بالاستيلاء على الزخم السياسي، رغم انها تجنبت الاضواء الى حد كبير اثناء الثورة مع ما تتمتع به من مقدرة لا نظير لها في تعبئة اتباعها ».
لم يستق الباحث معلوماته وتحليلاته من القراءة في الكتب والصحف والتقارير الاستراتيجية، بل – كما يقول - «أجريت مقابلات مع مايقرب من ثلاثين شخصاً من الاخوان المسلمين الحاليين والسابقين». ولعل اهم ما في المقال تطويره لخطوات التقاط الاعضاء الجدد، ومتابعة تطور تعبئتهم واسناد المسؤوليات الحزبية اليهم، ليتم الاعتماد عليهم في مراحل لاحقة، كل ذلك عبر العديد من السنين والظروف يصبح الشخص «أخاً» كامل الاهلية في جماعة الاخوان المسلمين، يقول الباحث، «تستغرق عملية القبول بين خمس الى ثماني سنوات يتم خلالها مراقبة الاعضاء الطموحين عن كثب لمتابعة ولائهم للقضية، ومن ثم تلقينهم منهج جماعة الاخوان. ويفرز هذا النظام اعضاء ملتزمين بقوة بغرض التنظيم مما يمكن قادته من تعبئة اتباعهم كما يرون ذلك مناسباً».
ومن المراجع المهمة التي درست تنظيم الاخوان كتاب الباحث الامريكي المعروف د. ريتشارد ميتشل، المتوافر باللغة العربية في عدة ترجمات احداها للدكتور محمود ابو السعود، 1979.
ويقول ميتشل ان اول القواعد التي تنظم اعمال جمعية الاخوان ظهرت في الوجود حوالي 1930 – 1931 حسبما ذكره «البنا» وقد تم تعديلها فصدرت في سبتمبر 1945 تحت عنوان «قانون النظام الاساسي لهيئة الاخوان المسلمين العامة». وبعد مضي ثلاث سنوات اوصى البنا باجراء سلسلة من التعديلات «على ضوء تجارب السنين الماضية»، وقد صبغت هذه التعديلات في شكل اقتراحات بواسطة لجنة خاصة، ووفق عليها بالاجماع في الهيئة التأسيسية بعد القراءة الثانية وذلك في 21 مايو 1948. واخيرا، بعد ان عين حسن الهضيبي مرشداً اقر مكتب الارشاد اللائحة الداخلية العامة. وبموجب هذه القواعد تعطي الهيئة التأسيسية البيعة للمرشد الجديد، ويلحقها في ذلك سائر اعضاء الجمعية – اي جماعة الاخوان – عن طريق رؤسائهم، وللمرشد مباشرة عند اول لقاء معه. اما يمين البيعة، والذي نشر مراراً، فهو: «أعاهد الله العلي العظيم على التمسك بدعوة الاخوان المسلمين والجهاد في سبيلها، والقيام بشرائط عضويتها، والثقة التامة بقيادتها، والسمع والطاعة في المنشط والمكره، واقسم بالله العظيم على ذلك وابايع عليه، والله على ما اقول وكيل». (الاخوان المسلمون، د. ريتشارد ميتشل، ص 301).
يستكشف اعضاء الاخوان المحليون الاعضاء الجدد، يقول الباحث «تريغر»، في كل جامعة مصرية تقريبا، ويبدأ هؤلاء المتعهدون بتجنيد الاعضاء بالتقرب من

الطلاب الذين يُظهرون امارات قوية على التقوى، ويقول تريغر عن تفاصيل تجربته الحديثة مع الاخوان واساليبهم في الانتشار، «قال لي اخ سابق من جماعة الاخوان المسلمين يدعى عمرو مجدي، انه من المفترض ان يقوم بعض الاعضاء من الاخوان بمقابلة ومصادقة الطلاب الجدد واشراكهم في انشطة عادية غير سياسية - مثل كرة القدم ومساعدتهم في دروسهم - تستهوي اي شخص، وقد تم استقطاب مجدي اثناء سنته الاولى بكلية الطب في جامعة القاهرة، لكنه ترك «الجماعة» في نهاية المطاف بسبب تحفظات ايديولوجية، في البداية لا يقوم المتعهدون بتجنيد الاعضاء بتعريف انفسهم بانهم «اخوة» من جماعة الاخوان، بل يحاولون ببساطة بناء علاقات مع اهدافهم من اجل التدقيق في تدينهم، ويمكن لعملية التجنيد هذه ان تستغرق عاما كاملا.
ويستهدف الاخوان الاطفال ايضا في سن التاسعة، وقد قال «مصعب رجب» البالغ من العمر 23 عاما، وهو ناشط قيادي شاب في جماعة الاخوان، حيث ينتمي ابوه واعمامه الى الجماعة، «ان التنظيم يركز على اطفال اعضاء الاخوان بشكل خاص، وقد تعرض رجب للتجربة ودخل الحركة رسميا وعمره 16 عاماً.
يبدأ مسار المرشح بدخوله درجة «مُحِب» وهي مرحلة تمتد ما بين ستة اشهر واربع سنوات، حيث يدخل المحب الى «اسرة» محلية، وهو اجتماع منتظم لمجموعة يتم فيها عن كثب مراقبة تقواه وايديولوجيته، و«الاسرة» التي تتكون من اربعة الى خمسة اشخاص ويرأسها «نقيب» هي الوحدة الاساسية وربما الاكثر جوهرية لتراتبية الاخوان. وتقضي الاسر الكثير من وقتها في مناقشة انشطة الاعضاء وحياتهم الشخصية مما يسمح للاخوان المسلمين بمراقبة مدى التزام زملائهم الشباب بالمعايير الدينية الصارمة للتنظيم وبناء وحدة بين المجموعة.
وبعد ان يؤكد زعيم الاسرة، من خلال الملاحظات او الاختبارات الخطية، ان الـ«محب» يصلي بانتظام ويملك المعرفة الاساسية للنصوص الاسلامية الرئيسية يصبح المحب بدرجة «مؤيد»، وتستمر هذه المرحلة ما بين عام وثلاثة اعوام.
و«المؤيد» عضو لا يحق له التصويت وان كان عليه القيام ببعض الواجبات مثل الوعظ والتدريس في المساجد ويحفظ اقسام رئيسية من القرآن ويدرس كتابات مؤسس الجماعة حسن البنا، وفي المرحلة التالية يصبح المتطلع بدرجة «منتسب»، في عملية تستغرق عاما، وتعتبر اول خطوة نحو العضوية الكاملة و«المنتسب»، كما يقول ناشط شاب في الجماعة، «هو عضو لكن اسمه يكتب بالقلم الرصاص». ويمكن لـ«المنتسبين» ان يعملوا في احدى تقسيمات الاخوان الرسمية، مثل تلك التي تدير برامج للمهنيين او العمال او طلاب الجامعة او الاطفال. كما يدرس «المنتسبون» كذلك الاحاديث النبوية وتفسير القرآن، ويبدأون في اعطاء جزء من مدخولهم للتنظيم.
وحالما يرضي «المنتسب» مشرفيه تتم ترقيته الى «منتظم»، وتستغرق هذه المرحلة عادة عامين آخرين يجب على «المنتظم» خلالها ان يحفظ القرآن والاحاديث، ويمكن ان يضطلع بدور قيادي على مستوى ادنى مثل تشكيل «اسرة» او رئاسة فرع من عدة «أسر».
لا يعد الاخ في هذه المرحلة قد بلغ المرحلة النهائية من رحلته الحزبية. فقبل ان
يستطيع التقدم الى المستوى النهائي اي «اخ» عامل في جماعة الاخوان المسلمين، يتم عن كثب فحص ولاء «المنتظم». وينقل الباحث عن «رجب»، الذي لم يصل بعد الى درجة منتظم لكن العملية وصفت له من قبل زملاء اعلى منه، «ربما يختبرونك كما لو كانوا امن دولة ويعطونك معلومات خاطئة ليكشفوا إذا ما كنت ستنقلها أم لا».
والترقي إلى المستوى النهائي يتطلب أيضاً ثقة الرؤساء بأن المنتظم سيتبع توجيهات قيادة جماعة الإخوان، وبعد أن يصبح بدرجة «أخ عامل» يستطيع «الأخ المسلم»، العضو في الجماعة، أن يصوت في جميع الانتخابات الداخلية ويشارك في كل الهيئات العاملة التابعة للجماعة، ويتنافس على موقع أعلى ضمن تراتبية التنظيم، كما يعهد إليه بـ«الدعوة» إلى شكل أكثر إسلامية للحياة.
ويعود تاريخ مبادئ نظام التجنيد هذا إلى تأسيس جماعة الاخوان عام 1928 كما ذكرنا، لكن محادثاتي مع الاعضاء، يقول الباحث الأمريكي «تراغر»، «قد أكدت أن العملية بدأت تتخذ طابعاً رسمياً فقط في أواخر السبعينات من القرن الماضي عندما أصبحت أداة مهمة لضمان عدم تمكن أجهزة أمن الدولة من اختراق التنظيم، وقد أخبرني أحد قادة الجماعة في الاسكندرية «علي عبدالفتاح» بأنه من الممكن لعميل أمن الدولة أن يصبح بدرجة محب لكنه لن يترقى». [مجلة مدارات استراتيجية، يوليو 2011].
والآن وقد انتهى عهد مبارك وثورة يوليو ونظامها، هل سيغير الاخوان هذه الدهاليز الحزبية والمراحل شبه الماسونية؟
حتى لو أدى سقوط مبارك، يقول الباحث، إلى قيام بيئة سياسية أكثر ديموقراطية، فمن غير المرجح أن يهجر «الاخوان المسلمون» هذا النظام التدقيقي الذي يراه قادة التنظيم جوهرياً لضمان إخلاص اعضائه ونقاء أهدافهم».
ويتخذ «مكتب الارشاد» أعلى التسلسل الهرمي للجماعة، ويتألف مما يقرب من 15 «أخ» من قدامى جماعة الاخوان يرأسهم المرشد العام، ويراقب كل عضو في مكتب الارشاد حقيبة معينة، مثل التجنيد في الجامعات، أو حقيبة التعليم أو غيرها من المجالات، ويتم انتخاب اعضاء مكتب الارشاد عن طريق «مجلس الشورى» المؤلف من حوالي مائة «أخ» وعن ظروف ثورة 25 يناير يقول الباحث: لقد وضعت المظاهرات التي بدأت في 25 يناير 2011 الاخوان المسلمين في وضع حرج حيث تجنبت «الجماعة» في البداية الانخراط المباشر في المظاهرات، لأن جهاز أمن الدولة قد هدد باعتقال مرشد الجماعة «محمد بديع»، إذا ما شارك اعضاؤها، لكن في اليوم التالي استجاب «مكتب الارشاد» لمطالب اعضائه الشبان، وقرر أن يجعل «فرضا» على الجماعة المشاركة في الاحتجاجات يوم 28 يناير، الذي سمى من قبل المنظمين بـ«جمعة الغضب»، ويقول الباحث أن التوترات الداخلية قد أدت بعدد من المحللين إلى القول بأن جماعة الاخوان «سوف تنقسم في الوقت المناسب إلى فصائل سياسية متعددة، حيث يتوقع هؤلاء المراقبون قيام قادة كبار بارزين مثل أبو الفتوح بسحب أعداد كبيرة من المناصرين بينما سيرفض النشطاء الشباب الساخطون أوامر مكتب الارشاد حول كيفية التصويت، وقد أكدت مناقشاتي مع اثني عشر من الحاضرين في مؤتمر الشباب في مارس 2011 بأنه ليس من المرجح حدوث مثل هذا الانشقاق».
هل الاخوان جماعة معتدلة كما يراها الباحث؟ يقول: «ينبغي على واشنطن أن ترى الصعود الأخير لجماعة الاخوان المسلمين بعين القلق، فرغم اصرار الاخوان على أن اهدافهم «معتدلة»، إلا أنه يبدو أنهم يعرفون هذه الكلمة بشكل مختلف عما يعرفها المرء في الغرب، فالكلمة بالنسبة لجماعة الاخوان – أي الاعتدال- تعني ببساطة عدم استخدام العنف ونبذ الارهاب وعدم العمل مع الجهاديين، وقد أضاف الاخوان الصراعات في أفغانستان والبوسنة والشيشان والعراق إلى قائمة المناطق التي يُسمح فيها بالقيام بأعمال العنف»، كما أن إدانة الاخوان للارهاب ليست واضحة وقاطعة، فعندما قتلت القوات الخاصة للبحرية الأمريكية أسامة بن لادن، وصف الاخوان ذلك العمل بغير العادل وأشاروا إلى زعيم القاعدة بـ«الشيخ الجليل»، ويضيف الباحث: ثمة احتمالات «تشير إلى أن الاخوان في مصر ما بعد مبارك يأملون بتحسين العلاقات مع ألد أعداء الولايات المتحدة في المنطقة وهي إيران، وتشويه سمعة اتفاقات كامب ديفيد التي تعتبر واحدة من أعظم انجازات الدبلوماسية للولايات المتحدة، كما أن قادة الجماعة قد أوضحوا أن التنظيم ينوي دعم المقاومة في غزة.
ماذا سيفعلون بالمجتمع المصري وحرياته وتعليمه وثقافته.. في الداخل؟
خليل علي حيدر


نقلا عن صحيفة الوطن الكويتية