الغاز المصري . . سياسة واقتصاد

جولة عربية

الأربعاء, 25 أبريل 2012 10:01
محمد عبيد

القرار المصري الأخير، وقف تصدير الغاز إلى الكيان، سواء جاء على خلفية تجارية، أو سياسية، أو سياسية بغلاف تجاري، فإن ذلك لا ولن يغيّر في الأمر شيئاً، فالقرار صدر ونفّذ أيضاً، وثار حوله اللغط، وأطلقت الاتهامات والتهديدات، وشهدنا اشتباكاً سياسياً غير مسبوق بين القاهرة و”تل أبيب”، كما شهدنا تذبذباً في التصريحات “الإسرائيلية”، وحالة أشبه بفقدان التوازن في مواجهة الخطوة المصرية، من خلال تضارب التصريحات وردود الفعل، في وقت لاذ الجانب المصري بتعليل موحد، مبني على حجة تجارية، ونفي لدافع سياسي وراء القرار المذكور .

وقف تصدير الغاز المصري إلى “إسرائيل” ليس مطلباً شعبياً وسياسياً جديداً، إذ إنه برز منذ اللحظة الأولى لتوقيع اتفاقية تصدير الغاز إلى الكيان بأسعار “تفضيلية”، التي ثارت حولها الكثير من الشبهات والاتهامات، خصوصاً أنها لم تكن مقنعة بأي شكل للمواطن المصري العادي، الذي يرفض أية علاقة مع الكيان المحتل، فكيف عندما يتحول الأمر إلى اتفاق لتصدير الثروة المصرية إليه بأبخس الأثمان؟ كما أنها لم تكن مقنعة للسياسيين والمعارضين والناشطين، وباتت بؤرة للصراع السياسي الداخلي

.

قرار مصر يستحق الإشادة، وإن نسب على لسان الجميع إلى أسباب تجارية تتعلق بعدم تسديد مستحقات مالية، وهو قرار طالما انتظرنا أن نسمع مثله، منذ انطلاق شرارة ثورة الخامس والعشرين من يناير، التي أطلقت مارداً حبيساً اسمه “الشعب”، الذي قال حينها إنه “يريد”، فباتت إرادته الحرة مركز صنع القرار، ومن ثم قال إنه “يريد” فقفز بالبلاد إلى مرحلة جديدة، بحركة تاريخية وضعت نصب عينيها إعادة مصر إلى المشهد، واستعادة دور، سعي “كل من هبّ ودبّ” إلى سرقته أو مصادرته، أو حتى التظاهر بلعبه . ومن بعد هذا القرار ينتظر ما سيكون عليه التطبيق، وما سيكون عليه الرد على تهديدات الكيان، وآلية التعاطي مع الضغط الذي سيسعى إلى إحداثه على مصر الثورة في أكثر من محفل ومناسبة . كما ينتظر الاستمرار في طريق تشديد الخناق على الكيان، والتعاطي مع هذه المسألة كورقة ضغط عليه، بما

يغيّر شروط اللعبة من جهة، ويجابه حملات الابتزاز والضغط، والمعاملة التفضيلية لكيان الاحتلال والتوسع الاستعماري، من جهة أخرى .

قد يختلف اثنان بين رؤية المسألة كخلاف تجاري مرده المال، أو اعتبارها خطوة سياسية بامتياز جاءت بعد مراحل طويلة من المطالبات والانتظار، وربما الاستعداد . لكن المحاججة الأولى لا تجرد الثانية من أهميتها، والعكس صحيح، كون التجارة الدولية ليست أمراً مجرداً من كل عنصر خلا الاقتصاد والمال، وكونها أيضاً شكلاً مهماً من أشكال العلاقات الدولية، وعنصراً بارزاً من عناصر القوة والريادة السياسية على المستوى العالمي، وليس أدل على ذلك مما نشهده من صعود مكوكي لقوى عالمية مرده قوتها الاقتصادية، منها الصين على سبيل المثال، في وقت لا بد للقوى الدولية الكبرى من الحفاظ على اقتصادات قوية، وهذا ما نرى ترجمته منذ مدة في محاولات الاتحاد الأوروبي المتواثلة لضبط إيقاع وتوازن دوله الأعضاء اقتصادياً، إضافة إلى عمل القوى الكبرى العالمية المستمر على الحفاظ على تفوقها الاقتصادي .

فصل الاقتصاد عن السياسة ليس من الواقع في شيء، فذانك العنصران المهمان في كل مناحي الحياة والعلاقات الدولية، يكادان يشكلان عنصراً واحداً مختلط الملامح، لكنه لا يمكن بأي حال أن ينقسم إلى عنصرين، والخطوة المصرية الأخيرة سياسية اقتصادية، وإلا ما الذي يفسر موجة التهديد المتبادل، والتسخين الحاصل على مختلف الجبهات بين مصر والكيان؟
نقلا عن صحيفة الخليج الاماراتية