رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

النفط واستكمال مخطط التقسيم

جولة عربية

الاثنين, 23 أبريل 2012 12:52
النفط واستكمال مخطط التقسيم
بقلم - حسين عطوي

أثار قيام قوات دولة جنوب السودان باحتلال مدينة هجليج النفطية في شمال السودان الأسئلة بشأن أبعاد وأهداف هذه الخطوة العسكرية التصعيدية، الأولى من نوعها منذ انفصال الجنوب عن الوطن الأم.

هذا الهجوم العسكري، الذي عكر أجواء السلام والاستقرار، التي سادت بين الشمال والجنوب، منذ اعلان ولادة دولة الجنوب، أدى الى رد عسكري قوي من حكومة الخرطوم، التي أعلنت ان تكلفة الدخول في صراع شامل مع الجنوب لن تمنعها من استعادة السيطرة على حقل هجليج، وان حقول النفط المستغلة حديثا ستساعد في دعم اقتصاده.

ويؤشر ذلك الى أهمية المنطقة بالنسبة لاقتصاد السودان، التي قد يشكل، استمرار احتلالها من قبل الجنوب، مصدرا لعودة اشتعال القتال على طول المناطق الحدودية بين الشمال والجنوب، وما يعنيه ذلك من احتمال دخول الطرفان في حرب شاملة يغذيها الخلافات العديدة القديمة والجديدة، والتي يحرض عليها كل من اسرائيل والولايات المتحدة الأميركية.

لهذا يرى المراقبون ان احتلال هجليج، وسعي الشمال الى تحريرها، هو بداية لحرب جديدة وطويلة عنوانها الصراع على الطاقة، الذي يقف وراء تسعيره الدول الغربية الطامعة بهذه الثروة.

وفي هذا الاطار يرى الخبير الاقتصادي السوداني محمد الناير، أن «الوضع سيصبح مقلقاً بالنسبة للحكومة السودانية إذا استمر احتلال منطقة هجليج المنتجة للنفط لفترة طويلة، وإذا لم تنجح الحكومة السودانية في التأمين الكامل للمتبقي من حقول النفط السودانية الأخرى عقب سقوط هجليج في أيدي جيش حكومة جنوب السودان». ويغمز الناير هنا من زاوية وقوع آبار النفط الأخرى في السودان في منطقة «بليلة» بالقرب من جنوب كردفان وعلى الحدود من «دولة جنوب السودان» اللدودة، وهو ما يجعلها في دائرة الخطر.

ويقول الناير إن خريطة وضع النفط في السودان تبدو واضحة جداً لمن يريد قراءتها، حيث أن البلاد تنتج يومياً حوالي مائة وخمسين ألف برميل تقريباً، وتبلغ حصة إنتاج حقول هجليج المحتلة النصف تقريباً، أي ما بين الخمسة والخمسين والستين ألف برميل يومياً، بينما تنتج بقية الحقول في منطقة بليلة وبعض الحقول الصغيرة الأخرى بقية الإنتاج.

ويرى أن السودان لا يصدر منتجاته النفطية إلى الخارج عدا نسبة محدودة تصدر كوقود البنزين إلى الجارة أثيوبيا، بينما يستهلك السوق المحلي مشتقات الغازولين كلها. وعليه، فإنه من الوارد أن توقف الحكومة السودانية صادراتها النفطية لأثيوبيا، كما أنه من الوارد أن تلجأ أيضاً إلى توفير احتياجاتها عبر الاستيراد من الخارج في حال اضطرت لذلك.

ويطرح ذلك الأسئلة بشأن الدوافع الحقيقية لاقدام دولة الجنوب، الوليدة حديثاً بدعم اسرائيلي - غربي، على احتلال هذه المنطقة الحيوية في الشمال، هل أن الأمر مرتبط فقط بالصراع بين الدولتين حول تابعية بعض المناطق الحدودية، خاصة منطقة ابيي الغنية بالنفط، والأراضي الخصبة والثروة الحيوانية، أم بشأن الخلاف حول قيمة الرسوم التي يجب أن يدفعها الجنوب للشمال لقاء نقل بتروله عبر الشمال؟ أم أن ذلك لا يعدو مجرد مقدمة وذريعة للعودة الى اشعال الحرب من قبل دولة الجنوب في اطار تنفيذ أجندة اميركية - صهيونية؟

المتتبع لتطورات الوضع، يلحظ أن حكومة الخرطوم، قدمت تنازلات كبيرة مقابل

انهاء الحرب الطويلة مع الجنوب، وتحقيق السلام والاستقرار، ووضع حد للحصار والعقوبات الدولية التي تفرضها الدول الغربية عليه، وتمثلت هذه التنازلات في:

ـ القبول بانفصال الحنوب عن الوطن الأم.

ـ التخلي عن 75% من الثروة النفطية الموجودة في الجنوب، والتي كانت تشكل أهم مورد للخزينة من العملات الصعبة.

غير أنه بعد أشهر من قيام دولة الجنوب، واعتراف الخرطوم بها، لوحظ عودة التوتر بين الجنوب والشمال، وتجسد ذلك بقيام قوات جنوبية بمهاجمة دورية للجيش السوداني في منطقة ابيي الغنية بالنفط، والمتنازع عليها، ورد الجيش بفرض سيطرته على المنطقة، ومن ثم قبول الطرفين بنشر قوات حفط سلام ريثما يتم الاتفاق على اجراء حل عبر استفتاء لسكانها لتقرير اما البقاء في كنف الدولة المركزية، أو الانضمام الى دولة الجنوب، الا أن ذلك لم يتم لرفض حكومة الجنوب مشاركة سكان المنطقة من القبائل المسيرية العربية في الاستفتاء، وقصر المشاركة على القبائل ذات الأصول غير العربية، الأمر الذي رفضته حكومة الشمال، ولذلك بقي الأمر معلقا ريثما يتم ايجاد حل بمساعدة دول افريقية.

إلا أن التوتر ازداد على اثر اقدام بعض الجماعات المتمردة في منطقتي النيل الأزرق وكردفان باثارة الاضطرابات بدعم من الجنوب، وهي مجموعات كان من المفروض انسحابها الى الجنوب بموجب اتفاق السلام باعتبارها جزءا من الجيش الشعبي الجنوبي، وفي اطار التهرب من تنفيذ هذا الالتزام اقدمت هذه المجموعات على تشكيل ما يسمى الجبهة الثورية، وطرح شعارات انفصالية، والقول انها معارضة شمالية، ولا علاقة للجنوب بها.

لكن بعد فشل الجبهة في خلق تأييد شعبي داعم لها يمكنها من فرض سيطرتها، ونجاح الجيش السوداني في فرض السيطرة والأمن، لجأت حكومة الجنوب الى افتعال خلاف حول رسوم نقل نفط الجنوب عبر الشمال، باعتبارها رسوم مرتفعة، وامتنعت عن دفعها، وعمدت الى وقف انتاج نفط الجنوب، ولم تنتظر نتائج المفاوضات الجارية مع الشمال برعاية افريقية للاتفاق على حل وسط، وقامت بخطوة عسكرية تصعيدية تمثلت باحتلال مدينة هجليج والمنشآت النفطية فيها وتعطيل نصف انتاج السودان من النفط، الأمر الذي دفع حكومة الخرطوم الى ارسال قواتها لاستعادة سيطرتها على هجليج، في ظل رفض جنوبي بالانسحاب منها والمطالبة بنشر قوات دولية بهدف فرض أمر واقع، ومحاولة مقايضتها بمنطقة ابيي، واصرار حكومة الخرطوم على عدم وقف النار، كما طالب مجلس الأمن، حتى يتم تحرير المنطقة بدون شروط.

إن هذا التصعيد الممنهج من قبل حكومة الجنوب دفع بالمراقبين والمحللين الى وضعه في خانة وجود قرار اسرائيلي أميركي مسبق بالتصعيد، خاصة وأن التدهور في الوضع الأمني يعقد الأمور ويلحق الضرر الفادح بمصلحة السودانيين في الشمال والجنوب على السواء، ويهدد باحتمال الانزلاق

نحو حرب شاملة جديدة تطيح باتفاق السلام، وتعطل فرص الاستقرار وتحقيق التنمية وتحسين معيشة السودانيين، وما يعزز مثل هذا الاحتمال العوامل التالية:

العامل الأول: وجود مخطط أميركي - اسرائيلي بالعمل على اضعاف السودان ومنعه من الاستقرار واستثمار ثرواته، ويهدف الى استكمال عملية تفكيكه وتمزيقه الى كيانات طائفية وعرقية، وتحويل دولة الجنوب المدينة بوجودها الى دعم اسرائيل وأميركا، الى مرتكز لتحقيق ذلك. وهو ما تم الاتفاق عليه بين رئيس جنوب السودان سالفاكير والمسؤولين الاسرائيليين خلال زيارة كير للكيان الصهيوني لشكرها على مساندتها للحركة الشعبية، حيث جرى الاتفاق على تطوير التعاون بين الجانبين في كافة المجالات الأمنية والعسكرية والاقتصادية، في مؤشر واضح على انتصار المشروع الاسرائيلي، بتحول دولة الجنوب الى دولة حليفة لاسرائيل في العلن بعد كانت سابقا في السر، لتتحول الى قاعدة متقدمة للموساد الصهيوني لمواصلة حيالة التآمر على السودان.

العامل الثاني: انقلاب واشنطن على تعهداتها للخرطوم بالغاء الحصار والعقوبات المفروضة على السودان بعد اجراء الاستفتاء على تقرير مصير جنوب السودان، وقيامها بعرقلة عقد مؤتمر دولي لدعم السودان، واستعداد الكونغرس الأميركي لمناقشة صيغ جديدة للعقوبات، ما يؤكد بان واشنطن مارست سياسة الخداع مع السودان بهدف تمرير الموافقة على انفصال الجنوب، لتعود بعد ذلك لمواصلة مشروعها لاضعافه، وخلق التربة المواتية لاخضاعه والسيطرة على ثرواته النفطية والمعدنية وغيرها.

العامل الثالث: تمكن السودان من تعويض خسارته لـ 75% من انتاج النفط الموجود في الجنوب، والعملة الصعبة المتأتية منه، عبر انتاج الذهب المكتشف والذي حقق عائدات للخزينة بديلا عن موارد النفط التي فقدها، ونجاحه خلال الفترة القليلة الماضية من الهدوء في تحقيق تطور كبير في وضعه الاقتصادي، لم يتمكن من تحقيقه على مدى الـ خمسين سنة الماضية، واذا ما استمر الاستقرار فان السودان قادر، من خلال استثمار ثرواته الكبيرة والمتعددة، على التحول، خلال فترة قصيرة، الى دولة قوية جداً، مما يعزز وحدة السودان ويضعف الحركات الانفصالية، الأمر الذي يتعارض مع المخطط الأميركي - الصهيوني القاضي بإضعاف السودان ومنعه من استغلال ثرواته وتحقيق التنمية. ولهذا يبدو أن تصعيد الجنوب واحتلاله هجليج النفطية، استهدف الحاق الضرر بالاقتصاد السوداني ومنع السودان من مواصلة تنمية وتطوير قدراته.

من هنا يبدو من الواضح ان احتلال هجليج بمثابة فخ نصب للسودان لاستدراجه الى حرب جديدة تستنزف قدراته، وهو ما يؤشر اليه تصريح السفير السوداني لدى كينيا كمال اسماعيل سعيد الذي قال: «على الرغم من التكلفة المرتفعة للحرب والدمار الذي يمكن ان تحدثه، فإن خياراتنا محدودة للغاية. يمكننا تحمل بعض التضحيات حتى نتمكن من تحرير ارضنا». وأردف قائلا للصحافيين في نيروبي «نعم التكلفة باهظة بالنسبة لنا لكن ذلك لن يعوقنا من بذل كافة الجهود لتحرير ارضنا. خضنا حربا بدون نفط لعدة سنوات، وبقينا قادرين على تسيير أمورنا.. الانباء الجيدة هي اننا طورنا مصادر أخرى وحقولا نفطية، وهو ما سيعوض خسائرنا فعليا».

في الخلاصة ان ما تقدم يؤكد ان رهان الشمال في أن تؤدي الموافقة على انفصال جنوب السودان، الى تحقيق السلم والاستقرار في السودان وتركه وشأنه، كان مجرد وهم، لان اسرائيل وأميركا اللتين تقفان وراء دعم حركات التمرد والانفصال في السودان، وكانتا وراء توفير الظروف المواتية لفصل جنوب السودان عن شماله، لا يمكن أن تتركا السودان يشعر وينعم بالراحة والاستقرار، وانما وجدتا في تحقيق هدفهما بفصل الجنوب مقدمة لاستكمال تنفيذ سياسة «بتر اطرافه وتفكيك كيان دولته»، عبر سلخ اقاليم جديدة عن دولته المركزية، بواسطة دعم حركات التمرد الانفصالية المرتبطة بالاجندة الغربية الاستعمارية، ودفعها الى اثارة الصراعات القبلية والطائفية والمذهبية والعرقية، تماما كما حصل طوال العقود الماضية التي سبقت فصل الجنوب عن شمال السودان، وكما يحصل في مناطق كردفان وجبال النوبة والنيل الأزرق، وقبلها في إقليم دارفور الغني بالنفط والمعادن الثمينة، لا سيما اليورانيوم.
نقلا عن صحيفة الوطن القطرية