على هامش المشهد السياسي في المحروسة

جولة عربية

الاثنين, 23 أبريل 2012 12:23
على هامش المشهد السياسي في المحروسةالعزب الطيب الطاهر
بقلم - العزب الطيب الطاهر

لاشك أن المحروسة تشهد في الوقت الراهن حالة غير مسبوقة من الحراك الديمقراطي تجاوزت في سيولتها المألوف والمتعارف عليه إلى حد دفع البعض إلى إبداء مخاوف عليها، خاصة في ظل تصاعد لغة التهديد من بعض أطرافها نتيجة الإقصاء المستند إلى مبررات قانونية من قائمة مرشحي الرئاسة أو محاولة تصعيد رموز تنتمي إلى النظام السابق إلى صدارة المشهد السياسي وهو أمر أجمعت عليه أغلبية القابضين عليه.

في مليونية تقرير المصير التي شهدتها ميادين الإقليم المصري يوم الجمعة الفائت على نحو أعاد لغة التوافق التي غابت أو غيبت خاصة بين القوى الإسلامية والقوى الثورية بتجلياتها المتعددة وفي هذا السياق أطرح بعضا من ملاحظاتي على المشهد السائد في المحروسة .
أولا: أظن أن قدرا من الفرز بات واضحا الآن بين المتطلعين إلى بناء مصر الجديدة وبين الراغبين في إعادة إنتاج نظام مبارك الذي ثار عليه المصريون بكافة طوائفهم واتجاهاتهم وهو ما يستوجب المسارعة بسد الثغرات التي يحاولون القفز من خلالها إلى المشهد السياسي بيد أن ذلك يتطلب بداية التخلص من شتى ألوان العبث التي سادت خلال الأشهر الأربعة عشرة المنصرمة والتي طالت هيبة الدولة والقانون والتفكير بجدية في رفع سقف القواسم المشتركة بين قوى الثورة التي باتت في مفترق الطرق فإما أن تنهض أو تخضع لقوى لديها أشواقها إلى نظام القهر والسفه والفساد والإفساد الذي هيمن على مقدرات المحروسة خلال العقود الثلاثة الأخيرة.
ثانيا: إن المحروسة في أشد مراحلها حاجة إلى تفاعل حقيقي بين قواها الحيوية لإعادة صياغة مساراتها السياسية والتي من خلالها يتم بناء مفاصل الدولة التي تعرضت للانهيار في زمن مبارك وأولها بالطبع البناء الدستوري الذي تعرض لهزة قوية في الشهرين الماضيين في ضوء ما ظهر تباينات بين هذه القوى لصياغة الدستور الجديد الذي يجسد الزمن الجديد وبعد أن حسم القضاء المصري هذه الخلافات فإنه يتعين أن تتوافق القوى الحيوية على تشكيل جديد للجنة التأسيسية يخاصم المصالح الحزبية والعقائدية والإيديولوجية أيا كانت ويتكئ على الرغبة في أن يكون للمحروسة دستور يتفق مع مكانتها وقامتها وثورتها ومتطلبات شعبها الذي غير في ثورة سلمية نظاما جثم عليه بمحددات دستورية هي في جوهرها صحيحة لكنه كان يتعامل معها وفق ما يحقق

أهدافه والتي تمحورت في السنوات العشر الأخيرة في توريث الابن موقع الأب فوقعت الخلخلة بأبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية بل والأمنية والتي كابد المصريون تداعياتها الشديدة السلبية وبعضها ما زال قائما حتى الآن.
ثالثا: إن ما يدفع المرء إلى الشعور بقدر من المرارة ذلك التهافت على المنصب الرفيع المقام وأقصد به منصب رئيس الجمهورية ليس من خلال الأقدام على خطوة الترشح له فذلك طبيعي وإنما اللجوء إلى لغة التهديد ومحاولة فرض الأمر الواقع من بعض الأسماء التي تم استبعادها من قائمة الترشح والتي نهضت في الأساس على محددات قانونية تبدو لي موضوعية طالت الجميع فثمة من لجأ إلى استعراض القوة الجماهيرية عبر الاعتصام بميدان التحرير بل وبدت في خطاباتهم لغة تهديد مخيفة إلى حد التلويح بخيار المبايعة بالمنصب الرفيع في محاولة لاستعادة الفكرة التي كان يتم بها اختيار الخلفاء في الدولة الإسلامية القديمة واللافت أن هناك من يتحدث عن النموذج السوري وذلك في تقديري من الخطورة بمكان خاصة أننا في نهاية المرحلة الانتقالية التي ظلت تتسم بالأداء السلمي في مجملها دون أن ننسى للحظات ما جرى من سفك دماء في مواقع مسرح البالون وماسبيرو وشارع محمد محمود وشارع مجلس الوزراء وما نتج عنها من شهداء ينبغي أن يكونوا دوما في أحداق عيوننا.
واستتبع هذا التهافت سواء بقصد أو بدون قصد نوعا من الكذب السياسي من خلال نفي بعض الوقائع التي ثبت عدم صحتها عبر وثائق رسمية وخطورة هذا النوع من الكذب تكمن في أن منبعه شخصيات تنتمي إلى التيار الإسلامي وهو ما يجعلني أتساءل بصوت عال: هل الرغبة في السلطة أو في المنصب الرفيع تستوجب التخلي عن الصدق الذي هو سمة أساسية من سمات المسلم ولعلي أشير في هذا الصدد إلى البرلماني الذي ينتمي إلى حزب النور السلفي والذي صنع تمثيلية بدت له شديدة الإتقان في إخراجها الإعلامي والسياسي ليغطي على عملية جراحية
أجراها لتجميل أنفه الطويل نسبيا والذي يبدو أنه كان يشكل له معضلة خاصة بعد أن تحول من سائق ميكروباس ثم داعية إلى برلماني.
فزعم أنه تعرض للضرب من قبل مجموعة ملثمين بعد أن حاولوا الاعتداء عليه في سيارته وسرقوا منه مائة ألف جنيه ثم كشف طبيب حقيقة الأمر وبالتأكيد فإن هذا النائب لم يكن في حاجة إلى مثل هذا الكذب فمن حقه أن يجري عملية تجميل رغم خلافات في المنظور الفقهي بشأنها فآثار الكذب هنا لا تنعكس عليه شخصيا وذلك أهون الأضرار ولكن خطورتها تمتد إلى الفكرة الإسلامية التي يتبناها ويتحرك سياسيا وفق محدداتها.
رابعا: لم يعد من اللائق الآن خاصة مع اقتراب رحيله عن السلطة هذا الهجوم على المؤسسة العسكرية التي يجسدها المجلس الأعلى للقوات المسلحة والذي يتولى السلطة منذ فبراير 2011 من قبل قوى ظلت على وئام وتناغم إلى الحديث عن صفقات وشهر عسل مع المجلس صحيح أن ثمة أخطاء نتجت عن استعانة المجلس بنفر من المستشارين من مختلف التوجهات وبعضهم لم يكن صادقا في مشورته ونصائحه واستخدمها لغرض في نفس يعقوب ولكن علينا أن ندرك أن المجلس تعامل مع مفردات واقع مغاير لما جبلت عليه المؤسسة العسكرية وأنه انحاز إلى الثورة ولعب الدور الرئيسي في دفع مبارك إلى التخلي عن السلطة وتلك فضيلة لا يجب أن نتناساها ولست من هؤلاء النفر الذين يطالبون بمحاسبة المجلس على هذه الأخطاء في المرحلة التي ستعقب انتخاب رئيس جديد للجمهورية حتى لانفتح ثغرة في جدار الوطنية المصرية التي تجسدها المؤسسة العسكرية ولكن هناك آلية التغيير الضرورية التي تستوجبها إعادة هيكلة الدولة المصرية في الفترة القادمة دون أن ندفع الأمور إلى حافة الصدام.
خامسا: إن التركيز يجب أن يكون خلال الأيام القليلة القادمة على إنهاء المرحلة الانتقالية بكل مالها وما عليها حتى تدخل المحروسة زمانها الجديد المرتقب وفق آليات الخيار الديمقراطي الصحيحة التي تدفع الأمور باتجاه تبني قواعد اللعبة السياسية وليس لعبة الدم أو التهديد حتى تتم عملية انتخاب الرئيس القادم على نحو يبهر العالم كما بهرته ثورة الخامس والعشرين من يناير وثقتي شديدة القوة في وعي المواطن المصري مهما تبنى من رؤية سياسية والرهان عليه هو خيارنا الوحيد فهو الذي بمقدوره الحيلولة دون عودة رموز الفساد في زمن مبارك ويفتح فضاء المحروسة للقوى الثورية القادرة على قيادة قاطرة النهوض الحقيقي المنحازة للبسطاء والفقراء سعيا إلى إقامة منظومة متكاملة من الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية فبدون ذلك لن يقبل المواطن والذي يملك أوراق اللعبة بيديه بنسبة مائة في المائة ولو تأملنا وقائع الجمعتين الفائتتين لتيقنا جليا من هذه الحقيقة.
السطر الأخير:
بسطت يدي لأفتدي عينيك
هما مقام العشق
سكون الروح
إشراقات الوجد
فتنة الندى في الفجر
رحلة الفتى بساحات الشعر
هما الصبح وقوس قزح المساءات
وسحابات العصر
فيهما تسكن أشواقي
تقيم صنوف الحب
تصب زخات المطر