رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الملا ومعضلة إيران الأميركية

جولة عربية

الجمعة, 20 أبريل 2012 12:02
الملا ومعضلة إيران الأميركيةأمير طاهري
بقلم - أمير طاهري

في قرية قرب طهران، وقف شاب يدلي بصوته بينما تسجل كاميرات الفيديو الحدث استعدادا لعرضه في أخبار المساء. فجأة يصرخ المراسل: «أوقفوا التصوير». ما السبب؟ كان الناخب، الذي يقدمه المراسل التلفزيوني على أنه من فدائيي الإمام، يرتدي قميصا يزينه العلم الأميركي ويحمل رسالة: «بارك الله أميركا».

لم تُذَع تلك المشاهد في أخبار المساء، ولكنّ شخصا يتمتع بحس الدعابة قام بعرضها على شبكة الإنترنت ليتمكن الجميع من مشاهدتها. ومن العجيب أن الزائرين الأجانب لإيران يجدون أينما ذهبوا علامات كثيرة ورموزا ترتبط بـ«الشيطان الأكبر»، من قبعات تحمل شعارات لفرق كرة السلة الأميركية، وميداليات مطبوع عليها أسماء مدن أميركية، وأكواب بألوان العلم الأميركي، وملصقات لنجوم موسيقى البوب في كل مكان.
وعلى مدى أعوام كثيرة أظهرت استطلاعات الرأي، التي تمت إدارتها من قبل مؤسسة «بيو غروب»، أن الولايات المتحدة هي الدولة الأجنبية الأكثر شعبية في إيران، حيث يقل عدد الرافضين للولايات المتحدة في إيران عنهم في فرنسا.
يبدو الحضور الطاغي للولايات المتحدة سمة من سمات نظام الخميني منذ البداية. فأول مجلس وزراء خميني رأسه مهدي بازركان، كان بينهم خمسة مواطنين إيرانيين يحملون الجنسية الأميركية.
وخلال النقاش الأخير في المجلس الإسلامي في طهران، ادعى عضو أن لديه قائمة تحتوي على أسماء أربعين مسؤولا رسميا حاصلين على الجنسية الأميركية أو الغرين كارد. وربما لذلك السبب لم يلقَ مشروع قرار منع الحاصلين على جنسيتين من تولي منصب عام قبولا من المجلس، حتى إن واضع خطة العلاقات العامة للرئيس محمود أحمدي نجاد حاصل على جنسيتين ومدرس سابق بجامعة في واشنطن.
وتدير الجمهورية الإسلامية داخل الولايات المتحدة جماعات ضغط تحت أسماء مختلفة. واليوم يبلغ عدد المواطنين الإيرانيين الذين يحملون الجنسية الأميركية نحو 1.8 مليون نسمة، وآلاف الطلاب الذين قد يعودون أو لا يعودون إلى إيران. كما يرسل بعض المسؤولين الإيرانيين أبناءهم للتعليم بالخارج بينما يفضل المعارضون للنظام إرسال أبنائهم للتعليم بالولايات المتحدة أكثر من أي بلد آخر. وهناك أكثر من مائتي

مسؤول خميني سابق من بينهم وزراء وسفراء وأعضاء في البرلمان وضباط الحرس الثوري في إيران أحدهم - على الأقل - برتبة جنرال، يعيشون بالولايات المتحدة كلاجئين سياسيين.
رغم ذلك تشهد إيران حفلا يقام مرة واحدة سنويا على الأقل، حيث يقومون بحركات معادية للولايات المتحدة كإحراق العلم الأميركي ودمية الرئيس الأميركي، كما يظهر الشعار الخامنئي «الموت لأميركا» في الكثير من البنايات الحكومية. كما تضيف الأفكار العدوانية ضد الولايات المتحدة الحماسة للخطابات الرسمية، وهو البلد الوحيد غير إسرائيل الذي يلقب بـ«العدو» بدلا من الخصم، وهو ما حول الولايات المتحدة في إيران إلى هوس قومي.
أثناء التحضير لهذا المقال استعرضت صحف طهران التي يسيطر عليها مكتب المرشد الأعلى، حيث يوجد عشرات المقالات والأخبار الخاصة بالسياسات الداخلية والخارجية للولايات المتحدة. ويمكن تصنيف بعض الوثائق، بطبيعة الحال، على أنها معادية للولايات المتحدة. على الرغم من أن بعضها قد تم نقله عن مواطنين أميركيين يتاجرون بفكرة معاداة الولايات المتحدة، بمعنى آخر، تستورد الجمهورية الإسلامية الكثير من الدعاية ضد الولايات المتحدة من الولايات المتحدة نفسها.
إذن، لماذا لا يذوب الجليد في العلاقات الإيرانية الأميركية المتجمدة منذ عام 1979؟
تكمن الإجابة في الانفصام السياسي لإيران، حيث تعد إيران من الدول المهووسة بالثقافة الأميركية منذ الأربعينات عندما ساعد الدعم الأميركي في دفع قوات ستالين خارج مقاطعات الشمال الغربي الإيرانية. رغم ذلك كان على الثورة الخمينية أن تتبنى مظهرا عاما معاديا للولايات المتحدة، حيث قام آية الله بتصوير الشاه على «أنه خادم الولايات المتحدة»، كما أراد أن يسلب اليسار واحدا من مبادئه الأساسية، وهو كراهية ما هو أميركي باسم مناهضة الإمبريالية.
وقد فقدت الخمينية بخليطها من رهاب الأجانب وكراهية النساء والمفاهيم الدينية المغلوطة ركيزة
فكرية أساسية، ووجدتها في معاداة الولايات المتحدة، التي أسهمت لعقود في ملء الفراغ الفكري لحركات ثورية أخرى من كيم سونغيزم في شمال كوريا إلى الفيديلية في كوبا ومؤخرا الشافيزمية في فنزويلا.
وإذا ما حرمت الخمينية من ركيزتها الفكرية فقد تغرق في الفراغ، فإيران - كأمة وبلد - تحتاج بشدة إلى إعادة بناء الروابط مع الولايات المتحدة وإنهاء النزاع عديم الجدوى الذي أبعدها عن المسرح الدولي لأكثر من ثلاثين عاما، بيد أنه كي تستمر الخمينية يجب أن تظل إيران معادية للولايات المتحدة إذا شاءت الحفاظ على ذاتيتها.
يواجه علي خامنئي، الملا الملقب بالإمام في طهران، معضلة، فالاستمرار في معاداة الولايات المتحدة قد يدمر البلد، بينما إنهاء تلك المعاداة قد يكون بمثابة الضربة القاضية لثورته المحتضرة.
ولكن خامنئي لديه الخيار لأنه لأول مرة منذ أن سيطر الملالي على السلطة أصبح بإمكان القائد أن يغير المسار، حيث حاولت جميع الحكومات من عهد بازركان حتى أحمدي نجاد تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة لكنها فشلت بسبب الجهود التي بذلتها الفصائل المتنافسة، حيث يخشى كل فصيل من أن يسوي منافسه «المشكلة الأميركية» وبذلك يصبح في القمة في صراع القوة.
ومع هزيمة فصيل أحمدي نجاد يتمتع خامنئي بلحظات نادرة من التفوق داخل النظام. ورغم ذلك لا يزال منصبه غير مستقر وسيادته المؤقتة قد لا تدوم طويلا. وقد يختار التطبيع مع الولايات المتحدة على أمل توسيع قاعدة الدعم، حيث يجد في باراك أوباما رئيسا أميركيا مثل جيمي كارتر، على استعداد للاعتراف بالجمهورية الإسلامية كقوة في المنطقة، بيد أن تطبيع العلاقات قد يغير من الشكل الاجتماعي والسياسي لإيران، فندد خامنئي بطوابير الإيرانيين أمام سفارة الولايات المتحدة الراغبين في الحصول على تأشيرة دخولها، لأنها تمثل «غزوا ثقافيا» أميركيا مباشرا، وقد تشكل الزيارات، التي يقوم بها ملايين الإيرانيين القاطنين بالخارج كسياح أو مستثمرين، جوا تبدو فيه الخمينية خارج سياق الزمن.
قد يرى خامنئي أن تطبيع العلاقات خطر داهم على النظام. أما بعد الحصول على قبول أوباما الضمني لحق إيران في تخصيب اليورانيوم، يمكن لخامنئي أن يعلن الانتصار في ما يخص المشكلة النووية، وليجعل نظامه أكثر تطرفا بتقوية الحركات المناهضة للولايات المتحدة على جبهات أخرى، خصوصا العراق والخليج، تلك هي الطريقة التي تتبعها كوريا الشمالية وتسمى الخداع والتراجع، حيث تتبع الخطوة إلى الخلف خطوتين إلى الأمام ضد «العدو».
أي اتجاه سوف يختار خامنئي؟ وعلى الرغم من أن الحكم ينبع من شعوري فإنه يفتقر إلى شجاعة التطبيع.
نقلا عن صحيفة الشرق الاوسط