الإسلاميون والتقية السياسية!

جولة عربية

الجمعة, 20 أبريل 2012 11:43
الإسلاميون والتقية السياسية!د. عبدالحميد الأنصاري
بقلم - د. عبدالحميد الأنصاري

من يتابع معركة الانتخابات الرئاسية المصرية والجدل الدائر حول المواصفات المطلوبة في الرئيس المصري القادم يخرج بكثير من الدلالات والعبر السياسية من أبرزها: الجدل الساخن حول جنسية والدة المرشح السلفي الشيخ حازم أبوإسماعيل والغزل السياسي الدائر بين اخوان مصر وواشنطن،

فيما يتعلق بالموضوع الأول يكشف تقرير لصحيفة نيويورك تايمز أن الشيخ السلفي الذي بنى شهرته السياسية على انتقاد السياسة الأميركية في المنطقة واكتسب شعبية كبيرة بمناهضته للولايات المتحدة وبالتحريض ضدها وهي المؤهلات التي جعلته يحتل قمة السباق الرئاسي في مصر بحسب تعبير الصحيفة، اتضح أن والدته تحمل الجنسية الأميركية وعاشت مع ابنتها -أخت المرشح أبو إسماعيل - المتزوجة من مواطن أميركي في سانتامونيكا وذلك طبقاً لسجلات ولاية كاليفورنيا والموقع الإلكتروني لتسجيل الناخبين في ولاية لوس أنجلوس، وفيما يتعلق بالموضوع الثاني حول علاقة الإخوان بأميركا فالإخوان أنفسهم اليوم يعترفون بما كانوا يحاولون إنكاره أو إخفاءه بالأمس حول طبيعة علاقتهم بالولايات المتحدة فقد كشفت واشنطن بوست مؤخراً وبعد أن رشح الإخوان المهندس خيرت الشاطر للرئاسة المصرية نكوصاً لتعهداتهم السابقة بعدم الترشيح، أن وفداً من الإخوان ذهب إلى واشنطن لإجراء حوار مع مسؤولين بمجلس الأمن القومي والخارجية الإميركية وأعضاء الكونغرس وخبراء أميركيين وذلك في اطار حملة دبلوماسية لطمأنة واشنطن بأن الإخوان ملتزمون بالديمقراطية والقانون واحترام حقوق الأقليات والمرأة وهم أيضاً ملتزمون بمعاهدة السلام مع إسرائيل وبإقامة علاقات جيدة مع الحليف الإميركي وسعى الوفد جاهداً ليظهر عقلانية ومرونة سياسية خلال زيارته متحدثاً الإنجليزية بطلاقة ومقتبساً آيات من القرآن الكريم ومن الكتاب الأميركي الشهير العادات السبع للأشخاص الناجحين، وطبقاً لصحيفة الشرق الأوسط فقد أكد عبدالموجود درديري عضو الوفد: أن الحزب ملتزم بمبدأ مدنية الدولة وبأهداف الشريعة وليس بتطبيق أمور بعينها موضحاً الفارق بين إقامة دولة إسلامية وإقامة دولة مسلمة، وحول المناقشات الدائرة في مصر من تضمين الدستور الجديد كلمة مبادئ الشريعة أو أحكام الشريعة مصدراً للتشريع، أوضح درديري أن موقفهم هو إسخدام مقاصد الشريعة باعتبارها مبادئ عالمية مثل مبادئ حقوق الإنسان كما دافع عن حق الأقباط في تولي الوظائف العليا وفي بناء المساكن منتقداً عهد مبارك الذي ضيق على المسيحيين بحسب رأيه وقال:

لو طلب أعضاء دائرتي في الأقصر من المسيحيين بناء كنيسة فسوف أكون أول من يدعمهم لأن الدين خيار إنساني ولا يمكن فرض دين معين طبقاً لقوله تعالى ( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) وإذ لا خلاف مع هذا الطرح المتقدم إسلامياً فيما يتعلق بفهم الشريعة والموقف من غير المسلمين في الدولة الإسلامية لكن ما موقف الإخوان عامة من الغرب و أميركا؟ يصرح خيرت الشاطر في أول ظهور إعلامي بعد ترشحه من الإخوان بالقول: إنه لا مشكلة مبدئية مع صندوق النقد الدولي ولا مع شروط القرض البالغ 3.2 بليون دولار لكن مشكلته مع حكومته الحالية في ان أداءها غير جيد، ويضيف قائلاً: علينا استعادة دور مصر الفعال يومياً والبحث عن المصالح المشتركة ولسنا أعداء لأحد ولا نريد أن نكون تابعين لأحد، حسناً: هذا طرح عقلاني جيد كما أنه نوع من النضج في التعامل مع القوى الكبرى وعلى مستوى العلاقات الدولية كنا ننتظرهما من الإسلاميين عندما يصلون إلى الحكم، لكن التساؤلات المطروحة على خلفية هذه التحولات السياسية: إذا كان الإسلاميون الحاكمون اليوم يطلبون ود الأميركيين خاصة والغربيين عامة وأصبحوا حريصين على الظهور بمظهر العقلانية والعملانية والمرونة السياسية وصاروا يتكلمون بلغة المصالح المشتركة ويؤكدون بأنهم لا يعادون أحداً -وكل هذا من حقهم - ففيم كان تشنيعهم على الانظمة العربية الحاكمة قبلهم؟! وفيم كان هجومهم وتحريضيهم وتخوينهم للحكومات والأنظمة السابقة؟! لقد عشنا دهراً طويلاً والمعارضة الإسلامية في كافة الدول العربية تملأ الفضاء ضجيجاً لا تكل ولا تمل عن رفع شعارات تخوين الأنظمة العربية وتحريض الجماهير عليها واتهامها بالتقصير في مقاومة إسرائيل وأنها لا تدعم المقاومة وأنها تابعة للغرب وأميركا بسبب علاقاتها بهما، خاضعة للإملاءات الخارجية، تنفذ أجندتها في المنطقة في مقابل حماية أميركا والغرب للأنظمة العربية الاستبدادية ! إذا كان الكل اليوم يطلب الود من أعداء الأمس،
فلماذا تلك الحملات الإعلامية المحرضة على الأنظمة العربية؟! بطبيعة الحال لم يكن الإسلاميون وحدهم يرفعون لواء تخوين الأنظمة العربية ولا وحدهم الذين كانوا يدعون احتكار الوطنية والدين بل كان هناك قوميون ويساريون تحولوا إلى أصوليين ثوريين معادين لأميركا وروجوا طروحات بن لادن ضد الغرب وأميركا واستغلوا مشاعر الكراهية الجماهرية للسياسة الأميركية وذلك للوصول إلى السلطة وكسب الجماهيرية والنجومية الإعلامية، الآن ليس الهدف من المقالة نقد مواقف الإسلاميين من أميركا والغرب وأيضاً ليس الهدف الدفاع عن مواقف الأنظمة السابقة في علاقاتها الدولية، لكن الهدف إثبات أمرين:

1- بيان تهافت الشعارات التخوينية التي رفعتها المعارضة بكافة أطيافها: الإسلامية والقومية واليسارية في وجه الأنظمة السابقة باتهامها بأنها أنظمة عميلة متناسية أن منطق الدولة غير منطق المعارضة وأن الذي يصل إلى السلطة لابد أن يحترم قواعد اللعبة الدولية ويراعي توازنات القوى وينبذ لغة العنتريات وأساليب المناطحة مع القوى الكبرى، لكن المعارضة لم تكن تجيد غير أسلوب تعبئة الجماهير وتحريضها مستغلة معاناة الناس وفساد السلطة واستبدادها لتشويه صورة الحكومات عبر تخوينها، في المقابل كانت الحكومات تثير فزع المجتمع الدولي بالمعارضة الإسلامية ودأبت على القول إن المعارضة هي البديل الأسوأ لها لأنها ستكرر نفس أخطائها بصورة أشد عندما تصل إلى السلطة.

2- رفع وعي الجماهير وتحصينه في مواجهة الشعارات السياسية فنحن أمة ضللتها هذه الشعارات طويلاً وزيفت وعيها وقادتها إلى الهزائم المنكرة ولم تستوعب الجماهير دروس الإخفاق والفشل فعسى أن تكون في فرصة تجربة الإسلاميين في الحكم ما يطور هذا الوعي ويساهم في إنضاجه لتدرك الشعوب أن من هم في السلطة لا يختلفون: إسلامياً أو قومياً أو يسارياً فهم جميعاً خاضعون لمنطق السلطة و قوانينها مهما تظاهروا بالحرص على المبادئ والشعارات المعلنة ! من حق المرشح السلفي المناهض لأميركا أن يجادل في ان والدته حصلت على الجنسية الأميركية ويقول إنها حصلت على الجرين كارت فقط وهذا قد ينجيه من الإقصاء لكن يطعن في مصداقية توجهه السياسي تماماً مثل الذي يحرض على مقاطعة أميركا لكن يرسل أبناءه للدراسة هناك أو يستثمر أمواله فيها ! كما أن من حق المرشح الإخواني أن يبرر تغير موقفه من أميركا من المناطحة إلى المصادقة ومن عدم الترشيح إلى الترشيح بـ (التقية السياسية) وباعتبارات (فقه المصلحة) و مراعاة توازنات المرحلة ومقتضيات المصلحة السياسية وأن السياسة مثل الحرب تقتضي المناورة والخداع و أن الغاية تبرر الوسيلة وغير ذلك من المبررات المسوغة لتغيير المواقف السابقة ولكن من حق الآخرين أن يقولوا: إذن انتم طلاب سلطة وحكم ولا تختلفون عن الآخرين في ذلك، فلم تستخدمون سلاح الدين في شيطنة الخصوم السياسيين وتحرمون عليهم ما تبيحونه لأنفسكم اليوم؟! إنه منطق السلطة و الاستحواذ والمغالبة!
نقلا عن صحيفة الوطن القطرية