لا حل إلا بالمصالحات

جولة عربية

الخميس, 19 أبريل 2012 10:51
لا حل إلا بالمصالحاتسمير عطا الله
بقلم - سمير عطا الله

قال إف. دبليو دوكليرك، آخر رئيس عنصري في جنوب أفريقيا، على برنامج «هارد توك» إنه يخشى أن تعود القلاقل إلى البلاد بعد وفاة نيلسون مانديللا: «إن لهالته السمحة أثرا وطنيا عظيما حتى لو كان في غيبوبة العجز. ويجب ألا ننسى أنه أعظم رجل في تاريخ البلاد».

ليس ما هو أعظم من رجال المصالحات في تاريخ البلدان. الثأر صغير ولا نهاية له. الثأر تجارة دماء وحروب أهلية وداحس والغبراء. الرئاسة المصرية في حاجة إلى مانديللا وليس إلى محارب. إلى رجل فوق حزبيات المصريين وشهوات البعض إلى الانتقام وتصفية الحسابات واستبدال السجون وحراسها بسجون قديمة وحراس جدد.
لم يكن من العدل منع أي مواطن مصري نظيف السجل العدلي من خوض معركة الرئاسة. ما دام الخيار في يد الناس فليكن خيارها. من المؤسف أن جاك شيراك قرر أن ينتقم في انتخابات الرئاسة الفرنسية وليس أن ينتخب. يريد الاقتراع للمرشح اليساري وليس لساركوزي،

ربيبه السابق الذي تخلى عنه وأحاله إلى المحاكمة وأنهى حياته السياسية بحكم غير منفذ، بالسجن عامين.
لا شك أن تلك كانت صغارة سياسية موصوفة. لكن المرء كان يأمل من شيراك أن يكون أرفع منها. لدي شعور بأن زوجة شيراك أو ابنته وراء القرار. لا يعرف الحقد من علت به الرتب، يقول المتنبي. ذلك هو الامتحان الكبير: هل أنت قادر على الانتصار على مشاعرك الصغيرة في القضايا الكبيرة، أم هي من ينتصر عليك؟
فسّر «الإخوان» انتصارهم في مصر على أنه حق في إلغاء الآخرين. «إخوان» تونس فسروا النصر - حتى الآن - بأنه حقيقة متحولة، ولذلك عرضوا المشاركة على بقية المستحقين. راشد الغنوشي ليس مانديللا، لأن أحدا ليس مانديللا. وثمة اتجاهات واضحة في تونس لإلغاء معالم الحياة المدنية. ولكن ثمة
إدراكا أيضا لدى القوى الجديدة بأن المشاركة خير من فظاعة الإلغاء.
لعل أهم دروس المصالحة، بعد جنوب أفريقيا، كان وحدة شطري ألمانيا بعد نحو نصف قرن من الصراع الشيوعي - الرأسمالي. في يوم واحد سقط الجدار وتبين أن كل شيء كان مزيفا. الشعب الواحد لا يغير فيه جدار. لكن العودة إلى هذه الحقيقة تتطلب رفعة أكثر من تلك القائمة بين عار غزة ورام الله. أو بين لبنانيي ما يسمى 8 و14 آذار. فالكلام الوحيد الذي يقال هو كلام التحاقد والتخوين والتحقير والإلغاء. وقد توقف عدد كبير جدا من اللبنانيين عن سماع نشرات الأخبار وقراءة الصحف، بسبب حالة الغثيان العام التي يسببها الخطاب السياسي.
مصر أهم بكثير من سقط الخطاب الذي حل بها، في بعض السياسة وبعض الصحافة. الذين يغرقون فيها كثيرون، وهي في حاجة إلى شخصية هادئة تعيد جمعها وتردها عن الهاوية. ربما كان من الحكمة - وليس من الحق - استبعاد خيرت الشاطر وعمر سليمان، بحجة القانون، لأن ذلك يخفف من حدة التجاذب المريع الذي هوت إليه البلاد. ولكن مصر في حاجة إلى من يعيدها «إلى» موقعها وليس فقط «عن» تجاذبها.
نقلا عن صحيفة الشرق الاوسط