سرقة الصحراء

جولة عربية

الخميس, 19 أبريل 2012 10:50
سرقة الصحراءزاهي حواس
بقلم - زاهي حواس

في صحراء السعودية الممتدة كنوز أغلى من البترول.. آثار دفينة، وأطلال مدن، رغم هرمها، تقف شامخة تطوي القرون، وتحكي بصمتها قصص حضارات قديمة توارت واندثرت.

ولقد حمت الصحراء السعودية تراثها الحضاري آلاف السنين إلى أن بدأت الحملة الشرسة على المشرق العربي في القرن التاسع عشر الميلادي بنزول المستشرقين الأجانب إلى بلادنا لاستكشافها، ورغم أن بعض هؤلاء كانت أغراضهم علمية من الدرجة الأولى؛ وقاموا بوضع مؤلفات لما شاهدوه من آثار وعادات وتقاليد، وحفظوا بها جزءا مهما من تاريخ المشرق خلال القرن التاسع عشر، فإن البعض الآخر لم يكن سوى صائدي كنوز ومغامرين، وحتى الفريق الأول من الرحالة لم يكن يجد حرجا في جمع التحف الأثرية ونقلها إلى بلاده، أو حتى بيعها لمن يدفع لهم المال اللازم لرحلاتهم وأبحاثهم في المشرق العربي.
لقد شهد النصف الثاني من القرن التاسع عشر تجريفا لتراث أثري لا يقدر بالمال تم نهبه من صحراء جزيرة العرب؛ ولعل في مسلة تيماء الشهيرة التي خرجت من السعودية إلى فرنسا في عام 1884 لتوضع في

متحف اللوفر خير مثال على نهب التراث العربي. عثر عليها الرحالة تشارلز هوبر أثناء رحلته الأولى إلى الصحراء ووصوله إلى واحة تيماء، ووجد اللوح الشهير بالمسلة ضمن أطلال القلعة القديمة وهو لوح حجري ارتفاعه أكثر من متر وينتهي بقمة نصف دائرية ويحوي اللوح نقشا باللغة الآرامية القديمة. وحفظ هوبر اللوحة ضمن مقتنيات أثرية أخرى حتى تاريخ اغتياله الغامض بالقرب من جدة في عام 1884، وحاول بعدها الرحالة الألماني يوليوس آويتنج الاستحواذ على مقتنيات هوبر إلا أن قنصل فرنسا في ذلك الوقت استطاع تهريبها إلى فرنسا. ولكل أثر سرق من بلادنا قصة علينا توثيقها لتكون مرجعا لنا عندما نطالب باسترداد تراثنا المنهوب.
وبعد هجمة المستشرقين لم يسلم تراث السعودية من النهب ولكن هذه المرة بواسطة بعض شركات التعدين واستخراج البترول، فكان بها أجانب وجدوا الفرصة سانحة في استباحة الصحراء ونهب كنوزها عن طريق
الحفائر الجائرة، وهربت آلاف القطع الأثرية إلى خارج السعودية لتستقر في متاحف العالم وبعض المجموعات الخاصة.
عندي أمل يكبر يوما بعد يوم أن تعود آثارنا إلى موطنها، ونكون نحن بحق حراسا على هذا التراث، وتعاظم هذا الأمل بعد أن نجحت المملكة أخيرا في استعادة جزء مهم من تراثها الأثري المنهوب وأقامت منذ أشهر قليلة معرض الآثار المستعادة ويضم 14 ألف قطعة أثرية مستعادة من أميركا وبريطانيا؛ وافتتح المعرض الرجل الذي قاد المنظومة الرائعة الأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز نيابة عن خادم الحرمين الشريفين، وفضلا عن الهدف الرئيسي للمعرض وهو التعريف بالتراث الحضاري للمملكة ورفع درجات الوعي الأثري، كان الهدف غير المعلن هو إرسال رسالة متحضرة لكل البلاد التي بها أثر مسروق أن السعودية عازمة على استعادة آثارها وحماية تراثها. ولقد وصلت الرسالة بالفعل، وبدأ أوروبيون شرفاء يتطوعون بإعادة ما لديهم من آثار، وحتى متاحف عالمية أبدت استعدادها لعودة آثار المملكة إلى موطنها.
وراء هذا الإنجاز رجال مخلصون يعشقون تراث وطنهم؛ أعتقد أن من واجبنا التنويه عنهم وتكريمهم لدورهم في حفظ التراث، ومنهم الدكتور سعد بن عبد العزيز الراشد، والدكتور علي بن إبراهيم الغبان، والأستاذ جمال سعد، والأستاذ نايف القنور. وبالتأكيد هناك آخرون لا أعرفهم ولكني رأيت نتيجة مجهوداتهم، فلكل هؤلاء التحية والتقدير.
نقلا عن صحيفة الشرق الاوسط