السير فى طرقات مظلمة!

جولة عربية

الأربعاء, 18 أبريل 2012 11:51
السير فى طرقات مظلمة!عبدالمنعم سعيد
بقلم - عبدالمنعم سعيد

لم يكن متخيلا أن الشعب المصري الوديع يمكنه أن تصل به التفاعلات السياسية إلى حافة السير في طرقات مظلمة ممتلئة حتى آخرها بما هو معلوم من عفاريت وجان، وغير معلوم من سحرة وأشباح لا تعرف إلى أين تذهب أو تقود.

وبشكل ما فإن الأمر يبدو كما لو أن مصر تعوض ستة آلاف سنة من تاريخها لم تعرف من الثورات إلا القليل؛ ولم يأت إليها أيام ظلت فيها قضية السلطة معلقة وحائرة بلا صاحب يعرف حسم السيف وقيمة الذهب. لم يحب المصريون أبدا الصراع السياسي، وعندما ثار الجيش على الملك في 23 يوليو 1952 لم تستغرق المسألة كلها ثلاثة أيام رحل بعدها صاحب الجلالة متنازلا عن العرش بينما القوات البحرية تطلق 23 طلقة تحية للملك، وولي العهد الرضيع الذي صار ملكا على البلاد بعد تنازل والده عن العرش. وجرى كل ذلك بهندسة رقيقة من صاحب المقام الرفيع علي ماهر الذي كان واحدا من المهندسين الكبار للفترة الملكية. وفي النهاية احتاجت مصر لأكثر من ثمانية شهور لكي تعلن الجمهورية ويبدأ عصر جديد في مصر.
ورغم الزخم والعنفوان الذي جرت به ثورة يناير 2011 في مصر فإن الصورة لم تخرج كثيرا عن التقاليد «الثورية» المصرية. صحيح أن ملايين خرجت إلى الشارع؛ وصحيح أن قوى سياسية كثيرة وجدت لنفسها تواجدا على المسرح، إلا أن مسار المواجهة لم يستغرق أكثر من ثمانية عشر يوما ذهب الرئيس بعدها وعائلته إلى شرم الشيخ بعد تشكيل وزارة كان فيها نفس الأعضاء الذين عينهم مبارك من قبل. وحتى عندما اكتشفت الثورة أن النظام لا يزال باقيا، اقترح الثوار رئيسا للوزراء هو الدكتور عصام شرف الذي كان وزيرا سابقا في حكومات مبارك، كما كان عضوا بارزا في المجلس الأعلى للسياسات وكذلك كان الحال مع الغالبية العظمى من الوزراء. كان واضحا أنه رغم حديث الثورة المستمرة، والمليونيات التى تهز الجبال كل يوم جمعة، كانت الدولة المصرية باقية بما فيها من مؤسسة عسكرية، وبيروقراطية، وسلطة قضائية وجد حديثها القانوني شعبية واسعة بين كل المهتمين بالسياسة الذين

أصبحوا فجأة من المتبحرين في القوانين والدساتير.
وببساطة كانت الدولة المصرية تغير نفسها حسب المستجدات الجديدة، ولكن أصولها وفروعها بقيت ثابتة قد تنحني للأعاصير أحيانا، ولكنها لم تتخل عن جذورها أبدا. ولم يكن ذلك مجرد معجزة، أو تقاليد مصرية فرعونية لا تعرف التغيير والتبديل، وإنما كانت مستندة إلى توافق سياسى بين المجلس الأعلى للقوات المسلحة وجماعة الإخوان المسلمين. ومن الغريب أن الذي أسس لهذه المعادلة كان نائب رئيس الجمهورية السيد عمر سليمان حينما بدأت أول المفاوضات بين الدولة المباركية والثوار؛ ولم يكن أمام السلطة إلا نوعان منهما: الشباب أصحاب الشعارات الذين يجهلون السياسة وليس لهم قيادة وليس لديهم ادنى فكرة عن الكيفية التي تتحول بها شعاراتهم إلى واقع عملي. وجماعة الإخوان المسلمين ذات القيادة المعروفة والعنوان المعروف والقدرات التنظيمية والمالية، والجاهزة أبدا للتفاوض لكي تحصل على الاعتراف والشرعية. وعندما ذهبت مجموعة مبارك وجاء المجلس العسكري لم يختلف الأمر فقد كان الخصم المنظم أفضل كثيرا في التعامل من الخصم الذي لا يعرف الفارق بين الثورة والفوضى، وبعد أن فقدوا هتاف سقوط مبارك، لم يجدوا أمامهم سوى هتاف سقوط المجلس العسكري أو العسكر في العموم. كان ذلك هو الوقت الذي عرف فيه الإخوان شعارات مطمئنة حول المشاركة لا المغالبة؛ والرغبة العميقة في التعامل مع كل أطياف النظام السياسي، وأخيرا الاستعداد للحصول على ما يزيد على 30% فقط من البرلمان.
كان تواضع الإخوان مغريا، وتصريحاتهم مطمئنة من الحفاظ على معاهدة السلام المصرية - الإسرائيلية وحتى التوافق على وثيقتي الأزهر والتحالف الديمقراطي وكلاهما يحافظ على الدولة المدنية المصرية ويقرب من وضع دستور يمكن التوافق حوله. كان كل ذلك كافيا لتخطي صيف ساخن، ومواجهات ساخنة حرص فيها ثوار الشباب على الحط من شأن الأمن، والعسكر، والدولة في عمومها، بينما
كان الإخوان ومعهم السلفيون إلى جانب الدولة، وانتهى الأمر كله بالانتخابات التشريعية التي فاز فيها الإخوان والسلفيون بأغلبية ساحقة تصل بكل أطيافهم إلى 77% من «ممثلى الشعب» في مجلسي الشعب والشورى. ورغم ذلك فقد بدا أن «الفترة الانتقالية» يمكنها أن تصل إلى نهاية سعيدة حيث بقيت انتخابات رئاسة الجمهورية التي اصطف لها حشد هائل من الشخصيات المرموقة وغير المرموقة؛ ووضع الدستور الذي بدا وكأنه من الممكن التوافق حوله من خلال نظام للحكم مختلط التوجه بين البرلماني والرئاسي.
ولكن ما بدا ممكنا كان فيه خلل واضح في توازن القوى بين تلك الإسلامية وبقية القوى الإسلامية الأخرى. وحينما يحدث مثل هذا الخلل في السياسة فإن القوة الأقوى عادة ما تنزع إما إلا الحصول على مزايا إضافية أو إذا كان الخلل كبيرا أن تميل إلى احتكار السلطة كلية. وكان ذلك هو ما حدث عندما بدأ الإخوان في السعى نحو احتكار السلطة من خلال المطالبة باستقالة الوزارة وتشكيلها بقيادة الإخوان، والاعتراض على القوانين التي تقدمها الحكومة الحالية، وطرح سلسلة من القوانين التي لا يمكن للحكومة القبول بها. ولكن أهم الخطوات كانت خطوتين؛ الأولى تشكيل الجمعية التأسيسية بطريقة تعطي الإخوان القدرة على وضع دستور جديد وفقا للهوى الإخواني؛ والثانية ترشيح المهندس خيرت الشاطر لرئاسة الجمهورية لكي يتم السيطرة على السلطة التنفيذية بأكملها.
ثلاثة أمور افتقدها تحرك الإخوان: أولها أن لكل فعل رد فعل مساويا له في المقدار ومضادا له في الاتجاه؛ فمع النزعة للسيطرة ظهر أن ما يقول به الإخوان ليس دائما قريبا من الحقيقة. وثانيهما أن الدولة المصرية لا تزال باقية وأن محاولات السيطرة لها حدود. وثالثها أنه مع ظهور الإخوان والإسلاميين في البرلمان كان له ثمن المسؤولية التي بات الشعب يلقي بها عليهم بما فيها المسؤولية الاخلاقية التي ظهرت في كذب البلكيمي العضو السلفي، وظهور أن والدة حازم أبو اسماعيل السلفي تحمل الجنسية الأميركية. الأمور الثلاثة أفقدت التيار الإسلامي بعضا من شعبيته يصعب تقديره، ولكن الضعف كان كافيا لحدوث التفاف شعبي حول السيد عمر سليمان الذي حاز المكانة الأولى بين المرشحين لرئاسة الجمهورية بعد أيام من إعلانه الترشيح.
النتيجة النهائية كانت أن المسار المؤسسي للدولة المصرية التي كانت سائرة فيه نحو إتمام المرحلة الانتقالية بات متعرضا لاختبار جديد حينما قرر الإخوان وحلفاؤهم اللجوء إلى الشارع مرة أخرى وليس المؤسسات، والشرعية الثورية بإقرار قانون العزل السياسي وليس الشرعية القانونية. وفي المقابل وجد الثوار القدامى أن هناك فرصة جديدة لتغيير قواعد اللعبة بينما الدولة المصرية تحسب حسابات المرحلة المقبلة في ظل ظروف انهيار الاتفاق السابق.
نقلا عن صحيفة الشرق الاوسط