«لا يا سي عمر»

جولة عربية

الثلاثاء, 17 أبريل 2012 12:21
«لا يا سي عمر»
محمد الرميحى

في الأحياء الشعبية المصرية يتبادل المصريون تعبيرا فيه تحدّ عند الاختلاف الشديد فيما بينهم، فتقول الجارة لجارتها مستنكفة ما تفعله أو تقوله «لا يا سي عمر»،

يفسر هذا التعبير بـ«فرش الملاية». ويبدو أن لجنة انتخابات الرئاسة المصرية قد فرشت الملاية لعدد من المرشحين، أبرزهم عمر سليمان. «الإخوان المسلمون» ومناصروهم أرادوا استخدام التعبير بالمعنى المجازي عن طريق القانون، ضد غريمهم عمر سليمان، الأكثر قبولا في الشارع، الذي تركهم حتى اللحظة الأخيرة يطمئنون لسقوط الغنيمة (مصر) في أيديهم، ثم فجأة يخرج لهم بتحدّ لم يتوقعوه. «فرش الملاية» سيبقى معنا في ميادين التجمع المصري حتى الوصول إلى حلول وسطى، ربما تخفف من هذا الاحتقان المصري المشهود.
من يتابع الحراك السياسي المصري السريع يستطيع أن يرى أن هناك شيئا من الإرجاء للمعركة بين معسكرين، يمكن توصيفهما بشكل عام، بمعسكر أصحاب «الحداثة» ومعسكر أصحاب «الأصول»، ولا أعتقد أن قضية الإيمان هنا لها علاقة بالموضوع، فالشعب المصري بأطيافه المختلفة من مسلمين ومسيحيين مغمور بالإيمان. الخلاف هو حول السياسة التي تترتب على الإيمان، المعسكر الثاني أصحاب الأصول لم يجرب السياسة، وإلا لما خدع كل هذا الوقت الثمين الذي كانت المبادرة بيده، فعمرو موسى أعلن ترشحه من أول أسبوع بعد سقوط النظام المباركي، كذلك أحمد شفيق كانت نيته الترشح سرا معروفا، وكلاهما له علاقة بالماضي، ولم يتحرك أحد وقتها للإسراع بإصدار قانون للعزل.
فقط عندما تقدم «سي عمر سليمان» قامت كل الأفاعي من جحورها وبدأ السير بسرعة قصوى من أجل العزل! لقد استخف «الإخوان» بالعسكر لفترة حين أعلنوا أنهم لن يرشحوا من صفوفهم أحدا لسدة الرئاسة المصرية، ثم نكثوا عهدهم فرشحوا بدلا من شخص واحد اثنين، كما نكثوا عهدهم بعدم «الاستيلاء» على لجنة كتابة الدستور باستيلاء شبه كامل عليها وتطعيمها بعجالة برجالهم المقربين، واضح أن العسكر تركوا لهم الحبل الذي طوقوا به أعناقهم السياسية في الوقت الذي لم يلعب فيه حلفاؤهم أيضا (السلف) اللعبة السياسية، فأصروا أن مرشحهم أبو إسماعيل معصومة أوراقه الرسمية من الدنس، بل وهدد مناصروه بالويل والثبور حتى لجنة الانتخابات الرئاسية التي تنظر في أوراق ترشح الرؤساء! وقد جاء قرارها باستبعاده.
اتضح أن النموذج الإسلامي السياسي الذي كان يرغب فيه المصريون، كان على شاكلة النموذج التركي ذلك لم يتبلور لدى النخبة في الإسلام السياسي المصري، بل عملت على عكسه، ففي الوقت الذي احترم فيه النموذج التركي كلا من التدرج والقانون القائم في الدولة وتم تلاقح إيجابي بين ملكوت السماء وملكوت الأرض، أراد الإسلام السياسي المصري أن يتجاوز الاثنين معا بضربة قاضية، فلا الصدق كان ديدنه ولا احترام القانون، ترك ذلك ردود فعل سلبية حتى لدى المستنيرين من المتعاطفين الذين ليس بالضرورة يلبسون ثيابهم التنظيمية. ليس هناك نموذج سياسي إسلامي ثابت، ولكن هناك فروقات واسعة بين ما حدث في تركيا على سبيل المثال وما حدث في إيران على سبيل المثال أيضا، كلاهما على طرفي نقيض.
التسرع في الاستيلاء على كل الدولة بقضها وقضيضها وبالسرعة الممكنة في مصر غير ممكن لأسباب تاريخية واجتماعية وثقافية شتى. لقد أصيبت قطاعات واسعة من المصريين بالدهشة أولا ثم اتخذت دور المعارضة السلبية نتيجة التسرع في الاستحواذ الإخواني، مما أفقد الزخم الإخواني قدرته على الاستمرار في الصعود. فكانت الضربتان؛ الأولى حكم المحكمة ببطلان اللجنة التأسيسية التي تخلت عنها قطاعات مهمة من النسيج النخبوي المصري بعد أن تبين غلبة لون سياسي واحد على تكوينها، ثم إبطال ترشح كل من المرشح الأقوى للسلف والإخوان، الثانية «القاضية» ترشح عمر سليمان، بالضربتين وضعت كل الأوراق فوق الطاولة بين معسكر الحداثة ومعسكر الأصول.
على الرغم من أن قدرة الإسلام السياسي المصري حتى الآن على المناورة قائمة، فإنه فقد التبصر بالخطوات التالية، فاتجه إلى الميدان، أي إلى المظاهرات الجماهيرية، وهو الذي روج منذ أسابيع قليلة وبكثير من الحدة، أن شرعية الميدان انتهت وبدأت شرعية البرلمان! إذا كان الأمر كذلك فلماذا إعادة شرعية الميدان من جديد! طبعا من أجل تخويف من هم في السلطة، إلا أن القوى السياسية الأخرى انتبهت - رغم معارضتها لترشح عمر سليمان

- انتبهت لإرسال رسالة إلى الجمهور المصري عن طريق مقاطعة تجمع الميدان الجمعة الماضي، ودعت إلى تجمع خاص بها ولمن يريد أن يشارك الجمعة المقبل، وهي إشارة تستحق التوقف عندها وقراءتها من جماعات الإسلام السياسي المصري، حيث التسرع في السياسة مثله مثل التمهل، مضر في كثير من الأحيان، فلا بد من ضبط الإيقاع حتى لا يخسر الجميع ما أنتجته الثورة المصرية من إيجابيات، ثم تم خلط لأوراق من جديد باستبعاد مرشحين وربما هذا أيضا يبرد الحماس للخروج إلى الميادين.
بقى ثلاثة أمور مهمة، أولها أنه ما زال في يد الإسلام السياسي المصري رسم وتشكيل الدستور الجديد، صحيح أن الفرصة القادمة في التأثير على نصوص الدستور ستكون أضيق في فرض كل ما يريدونه، ولكن ما زال لديهم فرصة توافق على تقليص مثلا سلطات رئيس الجمهورية، بالتالي يأتي من يأتي إلى سدة الرئاسة وهو مضيق على حركته وتترك جل الأمور في يد الهيئات المنتخبة (أي حكومة برلمانية)، ولكن هذه الصيغة يبدو أنها لا تناسب الإسلام السياسي، فالبحث عن «فرعون» هو المطلوب، وتقبع في يده كل خزائن مصر. الأمر الثاني أن يترك التنافس حرا بعيدا عن شبهات تفصيل القوانين التي اتهم بها عصر مبارك، فإن كان الجمهور المصري قد قدم الإسلام السياسي في انتخابات البرلمان إلى هذه النسبة الكبيرة، أي أكثر من الثلثين، فلا خوف إذن على وعي الناخب المصري بأنه يستطيع أن يفرز الخبيث من الطيب، خاصة أن ماكينة قوى الإسلام السياسي الانتخابية قوية وفاعلة ومتصلة بالناس، وثالثة الأثافي أن الشعارات التي رفعها الإسلام السياسي من أجل حشد الجمهور وإثارة العواطف في يوم الجمعة الماضي عن طريق رفع شعار علاقة عمر سليمان بإسرائيل، وهي شعارات ذات حدين، فهل هم بصدد إعادة النظر في المعاهدة المصرية - الإسرائيلية التي يعيبون بها عمر سليمان ومن معه! إن هذا الطريق شائك، وحتى لو كان رفع تلك الشعارات تكتيكيا يراد به الحشد لا النقد!
المراقب لا يرى في مصر، بعد كل ما حدث، إلا طريقين؛ الأول هو أن يصل الفرقاء إلى حلول وسطى بعيدة عن الحشد الجماهيري واستنزاف الدولة التي لم يعد بها ضرع يغذي الاقتصاد المتراجع، والطريق الثاني هي الصدام في الشوارع من خلال استنفار الميليشيات التي هي مستعدة الآن لسماع صوت النفير. إن دخلت مصر الطريق الثاني فواضح أن أحدا لا يتعلم ولا يريد أن يتعلم!
آخر الكلام:
ترى إلى متى سوف تبقى الحرب والتهديد بالحرب بين الجارين الجديدين تستنزف شمال السودان وجنوبه، وهل هذه الحروب هي هروب لترحيل المشاكل وصرف النظر عن استحقاقات تنموية وسياسية مطلوبة للشعبين، يراد لها أن تنسى بين ضجيج أصوات السلاح ودماء الأبرياء!
نقلا عن صحيفة الشرق الاوسط