رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

محاكمة الجنرالات الكبار

جولة عربية

الجمعة, 13 أبريل 2012 14:20
محاكمة الجنرالات الكبارأحمد منصور
بقلم - أحمد منصور

كان الرابع من ابريل الجاري يوما مشهودا في تاريخ تركيا الحديث، فقد بدأت محاكمة الجنرال كنعان إيفرين الرئيس التركي الأسبق وقائد الانقلاب العسكري الذي وقع في 12 سبتمبر من العام 1980 حيث أطاح بالحكومة المدنية وبقي إيفرين يقود تركيا بالحديد والنار حتى العام 1989 لكن الأعوام الثلاثة الأولى من حكم إيفرين كانت الأكثر دموية واستبدادا فقد أعدم خمسون شخصا وقبض على ما يقرب من نصف مليون غيبوا في السجون وقتل كثيرون منهم تحت التعذيب بينما اختفى آخرون إلى الآن.

كما قام بتسريح اكثر من ألف ضابط من ضباط الجيش الذين اعترضوا على ما قام به، ولم يتبق من قادة الانقلاب مع إيفرين الذي يبلغ عمره الآن 94 عاما سوى الجنرال تحسين شاهين قايا الذي كان قائدا للقوات الجوية والذي يبلغ عمره الآن 87 عاما، ورغم أن محاكمة إيفرين بعد أكثر من ثلاثين عاما من قيامه بالانقلاب كانت حلما لدى مئات الآلاف من العائلات التركية التي تضررت من فترة حكمه الا أن قبول القضية وبدء المحاكمة التي رفعتها أكثر من ثلاثمائة وخمسين من عائلات الضحايا علاوة على خمسة أحزاب سياسية بينها حزب العدالة والتنمية الحاكم ومطالبة الادعاء بتوقيع عقوبة السجن المؤبد على إيفرين وشريكه جعل الحدث تاريخيا بكل المعايير فهي المرة الأولى في تاريخ تركيا التي يحاكم فيها قائد انقلاب عسكري في ظل الانقلابات الثلاثة التي قادها العسكر في تركيا وأزاحوا فيها المدنيين عن السلطة بحجة حماية العلمانية كما أنه فتح ملفا في غاية الأهمية

وهو أنه لا حصانة لأي من الجنرالات من المحاكمة، حيث كان قادة الانقلاب حتى العام 2010 يحظون بحصانة تمنعهم من المحاكمة وهذا ما سعى محامي إيفرين أن يدفع به اذ قال «ان المتهمين من واضعي الدستور وأنهما فوق المساءلة القانونية» لكن المحكمة رفضت الطلب وأكدت أنه لم يعد أحد فوق المساءلة في تركيا وعلى رأسهم العسكر الذين سيطروا على مقاليد السلطة في البلاد طوال العقود الماضية وحازوا امتيازات غير مسبوقة في كافة مجالات الحياة، لأن الدستور الذي وضعه إيفرين بعد ا نقلابه منحهم وضعا اسثنائيا في كل شيء حيث كانت لهم الهيمنة على كل شيء في البلاد حتى العامين الماضيين، والآن أصبح كثيرون منهم يحاكمون بتهم الفساد ومحاولة الانقلاب على حكومة أردوغان وبعضهم يحاكم بتهم قتل وتصفية صحفيين وشخصيات سياسية من خلال عمليات اغتيال كانت تقيد ضد مجهول خلال العقود الماضية، ورغم أن إيفرين لم يحضر المحاكمة بسبب وجوده وزميله في المستشفى واقرار الأطباء أن حالتهما الصحية لا تسمح الا أن ذلك لم يمنع خمسمائة محامي من المدعين بالحق المدني من حضور المحكمة فيما مثل المتهمين ثلاثة محامين فقط، بينما احتشد الآلاف خارج المحكمة للمطالبة بالقصاص من إيفرين والقتلة الآخرين مع اهتمام اعلامي واسع، وقد طالب كثيرون ألا تقتصر المحاكمة على الجنرال
إيفرين ورفيقه فقط بل يجب أن تشمل كافة الضباط حتى الصغار الذين تورطوا في عمليات التعذيب والقتل التي طالت عشرات الألاف ممن أودعو السجون والمعتقلات خلال سنوات حكم إيفرين، كما طالبوا بالغاء كافة القوانين والتشريعات الجائرة التي صيغت وأقرت في عهد الانقلابيين وما بعدهم، واتهم بعض هؤلاء بأن حكومة العدالة والتنمية تريد تضخيم محاكمة إيفرين اعلاميا بينما تبقي على القوانين الجائرة التي وضعها وتستفيد منها، محامي إيفرين أراد أن يقلب الطاولة على حليف إيفرين الرئيسي وهو الولايات المتحدة التي لعبت الدور الرئيسي في معظم الانقلابات العسكرية التي جرت في المنطقة طوال الستين عاما الماضية فطالب بالتحقيق في ملابسات الانقلاب في ظل تسريبات عن أن إيفرين قد قام بالانقلاب بطلب من الحلف الأطلسي وبتنسيق معه لمحاصرة المد اليساري آنذاك لكن المد الأسلامي الذي كان يقوده نجم الدين أربكان آنذاك كان الأعلى صوتا وكان أربكان من بين المعتقلين السياسيين وقضى في السجن ثلاث سنوات.

محاكمة إيفرين تعني أن الانقلابات العسكرية قد انتهت في تركيا، وتعني أن نفوذ العسكر قد ذهب إلى غير رجعة وتعني أن امتيازات العسكر قد ولت وأصبح شأنهم شأن المواطنين العاديين كما أنها تربك عشرات من الجنرالات والضباط المتورطين في محاولة الانقلاب الأخيرة على أردوغان حيث أن كبيرهم يحاكم الآن وبالتالي فهم لن يفلتوا من العقاب ان ادينوا.

ان محاكمة الجنرالات الكبار في تركيا ترسل برسالة واضحة إلى كافة الجنرالات في العالم العربي ولاسيما في مصر أن من يفلت اليوم من العقاب لن يفلت غدا وأن هذا الجيل اذا تغاضي عن محاسبة الجنرالات عن أخطائهم وجرائمهم التي ارتكبوها في حق الشعب سواء قبل الثورة المصرية أو بعدها، فربما يأتي جيل بعد عشر سنوات أو عشرين أو ثلاثين كما حدث في تركيا الآن ليحاكم ويحاسب ولن يفلت أحد حتى لو كان عمره أربعة وتسعين عاما مثل كنعان إيفرين.
نقلا عن صحيفة الوطن الاماراتية