رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

«الإخوان» المصريون والثورة الإسلاموية المضادة

جولة عربية

الأربعاء, 11 أبريل 2012 13:20
بشير هلال

ستبقى مصر مشغولة لوقت طويل بالآثار المباشرة وغير المباشرة لترشيح جماعة الإخوان المسلمين نائب مرشدها العام خيرت الشاطر لانتخابات رئاسة الجمهورية.

كما لو أن هذا الترشيح غير المتوقع لوعدٍ سبق أن أعطاه الإخوان للمجلس العسكري والقوى السياسية والرأي العام بعدم ترشيح أحدهم للرئاسة، لعب دور صاعق قنبلة انشطارية أدى اشتعاله إلى تفجير مجموعة من الملفات المترابطة والمتعددة المستويات. تفجيرٌ يحمل تهديداً لصيغة التوازن المختل أصلاً والذي أُرسي بعد سنة وبضعة أشهر من «الثورة» ومشهدياتها منذ تولي المجلس العسكري قيادة المرحلة الانتقالية بدءاً بالاستفتاء على الإعلان الدستوري وإجراء الانتخابات التشريعية والخلاف على إصدار «المبادئ فوق الدستورية» ثم التخلي عنها بضغط الإخوان وصولاً إلى نتائج المحاكمات والخلاف بين المجلس وشباب «الثورة» ويسارييها وليبرالييها حول طلبهم الاستفتاء على دستورٍ جديد قبل الانتخابات الرئاسية في معركة جوهرها برأيهِم كبح نفوذ العسكريين كمقدمة لمنع إعادة تكوين النظام القديم. وهي المعركة التي شهدت الانفصال العلني للإخوان عن هؤلاء الحلفاء ما دعَّم قناعة الأخيرين بوجود «تفاهم» عسكري - إخواني يتضمن اعتماد مرشح توافقي للرئاسة.
ما يمكن أن تحمله الأسابيع المقبلة حتى موعد الانتخابات العتيدة قد يمتلئ بأحداثٍ ومفاجآت كثيرة في الشارع كما على صعيد علاقات الأطراف المؤثرة في المشهد السياسي و «الإطار القانوني» للترشيح. وليس أقلها شأناً إمكانية حرمان المرشح السلفي الأكثر تنافسية حازم أبو إسماعيل من إكمال معركته لـ «علة» حيازة والدته المصرية الجنسية الأميركية. الأمر الذي سيشكل تغييراً في المعادلات بحيث يكف ترشيح الشاطر عن كونه «أداة لتشتيت أصوات الإسلاميين» كما اتهمته مجموعة من السلفيين لدى حصوله.
وبصرف النظر عن تبريراتهم للعودة عن وعودٍ قطعوها وإظهارهم قابلية استثنائية للإخلال بعهودهم، وعمَّا يمكن حدوثه حتى موعد الانتخابات العتيدة فإن ترشيح الشاطر الذي يصر الإخوان المسلمون على أنه

ليس للمناورة، يشكل للمرة الأولى في تاريخ مصر الحديث إعلاناً لإرادة وإمكان استئثار حزب واحد وتيار سياسي ديني المرجعية بمقاليد السلطة المدنية الدولتية مجتمعة. الأمر الذي يطرح بصورة أولية مسائل خمساً:
الأولى، وتتصل بمستقبل علاقتهم بالجسم العسكري كسلكٍ مهني وخصوصاً كسلكٍ شكَّل خلال ستة عقود العمود الفقري للنخبة السياسية والاقتصادية والإدارية الحاكمة. مسألة ستتحول إلى إشكالية خطرة إذا لم يكن ترشيح الشاطر قد جاء نتيجة تفاهمٍ ثلاثي يُروى من دون قرائن أنه تمَّ بين واشنطن الممول والمُزوِّد والمدرِّب الخارجي الرئيسي للجيش المصري والإخوان والمجلس العسكري عبر الشاطر نفسه الذي يتمتع منذ سنوات بثقة الطرف الأول لبراغماتيته ووجوده في عالم الأعمال ولبذله الوعود بتدعيم العلاقات الثنائية وعدم إلغاء اتفاقية السلام مع إسرائيل، وبثقة الإخوان لأنه يُعتبَر مسؤولهم المالي. وحتى لو كان مثل هذا التفاهم صحيحاً فإن تطور علاقة الجيش بالإخوان وبالدولة المؤخوَنة في حال إجراء الانتخابات ونجاح الشاطر، سيتأثر بمحتوى التفاهم كما بتطور جسم الجيش نفسه في ظل الخلافات المنسوبة إلى التمايز بين كبار الضباط وصغارهم وإلى اختراق متنامٍ للأخيرين بالتيارات الإسلامية.
الثانية، إن نجاح الشاطر سيعني عملياً نهاية الفصل والتوازن المأمولَيْن بين السلطات في دولة حديثة. ومن العلامات السلبية في هذا السياق الشهية المفتوحة إلى التفرد والإفادة من ميزات التراكم التمثيلي كما حدث في تشكيل اللجنة التأسيسية لصوغ الدستور بحيث جاءت خاضعة للإخوان تماماً مستفيدين في ذلك من سيطرتهم في مجلِسَيْ الشعب والشورى. ما دفع المكونات السياسية والمهنية والقضائية والدينية الأخرى إلى الانسحاب تباعاً
من دون أن يبادروا إلى تغيير موقفهم الرافض ضمنياً، مشاركة غير الإسلامويين.
الثالثة، محاولة إنهاء التنوع في الإسلام ومراكزه واتجاهاته عبر إقصاء الأزهر الذي أصدر أخيراً وثيقة «الحريات العامة وحقوق الإنسان» والطرق الصوفية.
الرابعة، خطر تشميل الحياة السياسية والاجتماعية عبر العودة التدريجية إلى منطلقات الجماعة الأصلية واستشراء الميل إلى قمع الحريات الفردية والعامة وبخاصة حرية الرأي التي كان للإسلاميين باعٌ طويلة في التحريض عليها خلال السنوات المنصرمة وخصوصاً عبر مبدأ الحسبة (الذي أدى إلى مآسٍ للفكر وحامليه على طراز قضية نصر حامد أبو زيد) على رغم تعديلات أُدخِلَت عليه عام 1996 وحصرت استعماله بالنيابة العامة.
الخامسة، إنهاء التنوع الديني والثقافي ومفاقمة التمييز التاريخي ضد الأقباط وآثاره على «الوحدة الوطنية».
وذلك كله نتاجٌ لسياسةٍ لم تقطع مع فكرة الحاكمية ورديفتها «الخلافة». فقد رفع إخوان مصر لافتات المطالبة بالخلافة في استقبال أردوغان ثم استنكروا علمانيته واعتبروا كلامه عنها تدخلاً في الشؤون الداخلية وشيطنوا الآخرين خلال الاستفتاء على الإعلان الدستوري. وهم لا يقاومون ميل المجتمع إلى التسلُف نتيجة التغييرات الهادمة لبنى الاقتصاد والربط الاجتماعي والتمثيل السياسي التقليدي وزيادة الفقر وضعف الطبقة المتوسطة وانهيار التعليم والخدمات العامة. بل إن تنافسهم مع القوة السلفية الصاعدة سياسياً أصبح يدور أكثر فأكثر لمصلحة الأخيرة لأنها باتت بين ظهرانيهم فكرياً فيزيد انزلاقهم إليها وحصارها لهم. ما يتبدّى في تبئيس النقاش العام وموضوعاته وتثقيله بالتسحير كمثل التحذير أثناء تلاوة بيان ترشيح الشاطر من مهاجمته «لأن دعاءه مستجاب».
وعلى رغم كل شيء فإن انكشاف شهية السيطرة والتفرد الإخوانيين أياً كانت التبريرات المُعلنة (كالقول إن الترشيح هو لاحتواء المرشح السلفي ومجابهته) يفتح إمكانيات جديدة للقوى غير الإسلاموية في التصدي لهذا الميل وأخطاره ويُحمِّلها مسؤوليات جسيمة. فهي تستطيع الإفادة من تردي المخزون الرمزي «الأخلاقي» للإخوان والموقف النقدي لقسمٍ من شبيبتهم وقيادييهم ومن الاستفاقة النسبية لـ «جماهير الثورة» في صوغ نسبة قوى وترسيمات جديدة شرط فاعليتها الأول تجسدها في الانتخابات الرئاسية نفسها بحيث يتحوَّل قرار الترشيح إلى مغامرة خاسرة.
وإلا تحوَّل «إخوان» مصر إلى حَمَلَة وقادة الثورة الإسلاموية المُضادّة في العالم العربي مع ما لذلك من تأثيرات خطيرة في «ربيع عربي» انبثق أصلاً من أعماق المجتمعات العربية وحاجتها إلى الحرية والكرامة.
نقلا عن صحيفة الحياة