رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الجماعة فى الحكم أم فى المصيدة

جولة عربية

الأحد, 08 أبريل 2012 09:44
الجماعة فى الحكم أم فى المصيدةجلال عارف
بقلم - جلال عارف

بعد عام كامل قضته جماعة «الإخوان المسلمون» بمصر في القسم بكل عزيز وغالٍ أنها لن ترشح أحداً من أعضائها لرئاسة مصر، بل ولن تدعم مرشحاً ينتمي لأي تيار إسلامي لهذا المنصب، فاجأت الجميع بترشيح نائب المرشد خيرت الشاطر لتقلب كل الحسابات وتفجر المزيد من الصراعات حتى داخل الجماعة نفسها، وتنهي أي حديث عن تقارب أو مشاركة مع القوى المدنية، وتدخل بالصدام مع المجلس العسكري الحاكم مناطق كانت حتى وقت قريب تحسب لها ألف حساب!

ما فعلته جماعة الإخوان المسلمين في معركة الرئاسة كان إعادة إنتاج لسلسلة طويلة من الوعود والالتزامات التي تم التراجع عنها منذ ثورة يناير 2011 أفقدها ثقة باقي الأطراف السياسية، وأظهرها بمظهر من يريد انتهاز فرصة يرى أنها لن تتكرر للاستحواذ على مقاليد الأمور في مصر.
بعد إعلان تنحي الرئيس السابق في 11 فبراير من العام الماضي، سارعت الجماعة لمغادرة ميادين التحرير لتتفرغ لعملية تثبيت أقدامها في السلطة الجديدة. وقدمت نفسها للمجلس العسكري الحاكم باعتبارها السلطة الوحيدة المنظمة القادرة على مساعدته في ضبط الأمور واستعادة الأمن وتجنب الفوضى. واستطاعت أن تسيطر على عملية تعديل الدستور الذي حدد المسار الكارثي للفترة الانتقالية بأن تكون انتخابات البرلمان والرئيس أولًا، ثم تأتي بعد ذلك عملية وضع الدستور.
ورغم مفاجأة انطلاق التيارات السلفية لممارسة العمل السياسي الذي كانت بعيدة عنه، فقد تجنب الطرفان الصدام المباشر، واستغلا الاستفتاء على التعديلات الدستورية لفرض مناخ يصور الأمر على أنه معركة بين الإسلام الذي احتكروا تمثيله وبين خصومه من أنصار الديمقراطية والليبرالية واليسار والعلمانيين الكفار.
ومع ذلك فقد حاول «الإخوان المسلمون» في هذه المرحلة تقديم وجه معتدل، بل إنهم استغلوا أخطاء بعض التيارات السلفية وما أبدته من تشدد وتطرف وإثارة للمشكلات الطائفية، ليؤكدوا على اعتدالهم.

وفي هذه المرحلة كانوا يتحدثون عن «الدولة المدنية» بكل احترام، وكانوا يسعون للتحالف مع الأحزاب المدنية في الانتخابات البرلمانية وخاصة مع حزب الوفد. وكانوا يؤكدون أنهم لن يقدموا مرشحين في هذه الانتخابات إلا في حدود 30% من المقاعد.
ثم انتهى الأمر بعد ذلك بانفضاض التحالف إلا مع بعض الأحزاب الصغيرة، والتقدم في كل الدوائر، والضغط لتعديل القانون للسماح لهم (ولباقي الأحزاب) بالتنافس على المقاعد الفردية التي تمثل ثلث البرلمان والتي كانت مخصصة للمستقلين فقط، وكان لهم ما أرادوا، لينالوا الأغلبية، وليضعوا البرلمان أمام خطر الحل عن طريق القضاء لعدم دستورية هذا القرار.
كانت هناك تفسيرات كثيرة لهذا التغيير في موقف الإخوان. لكن التفسير الأرجح هو ما أعلنته بعض قياداتهم أخيراً وهي تدافع عن تغيير موقفها الذي كان يرفض تولي الحكومة ثم أصبح يكافح من أجل الاستيلاء عليها، ثم وهي تدافع عن موقفها الذي كان لا يتوقف عن التأكيد بأنهم لن يتقدموا بالترشح لموقع الرئاسة ثم الرجوع عن هذا التعهد بين يوم وليلة، التفسير هو أنهم كانوا يخشون ألا يقبلهم العالم الخارجي، وأن يعاملهم كما عامل حكومة «حماس» على مدى سنوات. لكنهم «فوجئوا!!» كما يقولون بموقف أميركي بالذات يدفعهم إلى تحمل المسؤولية ويعدهم بالدعم والمساعدة.
هكذا لم يعودوا في حاجة للتحالف مع حزب الوفد الذي كانوا يعدونه برئاسة الحكومة وبحصة مساوية لحصتهم في البرلمان، ولم يعودوا - بعد ذلك - في حاجة للالتزام بوعودهم بترك السلطة التنفيذية في يد رئيس من خارج التيارات الإسلامية، يحظى
بتأييد الجيش ولا يكون معادياً لهم.
البعض داخل الجماعة (ومنهم المرشد السابق عاكف) يرون أن ترشيح الشاطر للرئاسة خطأ كبير ستدفع الجماعة ثمنه. والبعض يرى أن الجماعة دخلت «مصيدة» أعدت لها بعناية، فهي غير قادرة على إدارة البلاد بمفردها، وهي لن تستطيع التعامل مع المشكلات المعقدة التي تواجهها الدولة في هذه المرحلة الدقيقة.
وهي «تجازف» بكل شيء حين تحاول «الاستحواذ»علي كل شيء، البرلمان والحكومة والرئاسة ولجنة وضع الدستور، وكأنها ورثت البلاد ومن عليها. ثم هي تقف بما تفعل في مواجهة كل القوى السياسية المدنية التي تحاول الآن تجميع صفوفها، وفي مواجهة المجلس العسكري الذي يشعر أن «الإخوان المسلمون» قد ضحكوا عليه، وأخذوا منه كل ما يريدون، وزرعوا في طريقة كل الأشواك، وساقوه للصدام مع شباب الثورة ومع القوى المدنية، ثم انقلبوا عليه في النهاية.
لكن المهم في الأمر ان القوة الرئيسية المسيطرة على قرار الجماعة قد مضت في الشوط إلى آخره، وأنها كعادة الجماعة في مواقف فاصلة على مدى تاريخها- تقامر بكل شيء لأنها تتعجل الأمور، ولأنها لا تعرف كيف تكون طرفاً (ضمن أطراف أخرى) في منظومة ديمقراطية تتسع لكل أطياف المجتمع.
تراهن الجماعة على أن سيناريو 54 مستحيل في الظروف الراهنة، وأن الصدام مع الجيش مستبعد، خاصة في ظل توافقها مع «الراعي الأميركي» الجديد، وذلك صحيح إذا انحصر الأمر في القيادة العسكرية الحالية، ولكن ماذا عن قيادات أخرى أكثر شباباً، وأكثر انحيازاً للثورة، وأكثر تمسكاً بهوية مصر وبمدنية الدولة؟!
وتراهن الجماعة على تشتت القوى المدنية، وعلى استنزاف شباب الثورة لقواهم في معارك بعضها حقيقي وبعضها مفتعل، والحصار الذي فرض عليهم من الجميع بمن فيهم الإخوان والقوى الإسلامية التي تمكنت حتى الآن - من جني ثمار الثورة، رغم أنها كانت آخر الملتحقين بها، وأول المغادرين لميادينها، ولكن ماذا عن موجة أخرى للثورة تشير كل الدلائل إلى أنها قادمة، وتقول النذر إنها لن تكون في مثل تسامي الموجة الأولى وبعدها عن العنف؟
وتراهن الجماعة على أن فساد الماضي سيجعل المصريين يقبلون بمن يبدي التمسك بالخلق القويم ويلتزم بأحكام الشريعة السمحاء، ولكن ماذا إذا كنا أمام سلسلة من الخداع السياسي تكشفت بسرعة، لا يمكن ان تكون لها صلة
نقلا عن صحيفة البيان الأماراتية