رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الباشا الذي لم يتغير في مصر!

جولة عربية

السبت, 07 أبريل 2012 13:41
الباشا الذي لم يتغير في مصر!
محمد الرميحى

حولت الثقافة الشعبية المصرية كلمة الباشا من لقب للعلو والرفعة والثراء، إلى لقب للسلطة، فكان الباشا في العهد العسكري الذي امتد ستين عاما، هو للعسكر (شرطة أو جيشا)،

وربما يحول المزاج الشعبي لقب الباشا لشيخ المسجد في المستقبل القريب، أخذا بتاريخ من تكيف المزاج الشعبي (ولو على مضض) مع القابض على السلطة، ولو إلى حين.
وأعني هنا بشيخ المسجد، رجل الدين أو رجل السياسة الديني. لدي شعور غامض بأن الربيع العربي يشابه كثيرا (رمزيا على الأقل) عابرة المحيط سفينة «تيتانيك» أملا ونتيجة! «تيتانيك» التي يحتفل العالم اليوم بمرور مائة عام على غرقها، مثلت في مطلع القرن العشرين قمة الإنجاز والدقة والفخامة، والتطلع إلى عصر هزم كل المعوقات الصعبة، واستطاع أن يبني قلعة عائمة فخمة بها كل التقنيات الممكنة، حتى وصفت بأنها السفينة غير القابلة للغرق، إلا أن تلك القلعة سرعان ما اصطدمت بجبل الثلج فغرقت مع الآلاف من مسافريها إلى أعماق بحر الظلمات!
مصر هي التي تقود عالمنا العربي.. تلك حقيقة لم يعد يجادل فيها إلا مكابر، وما يحدث في مصر قد يحدث في أماكن كثيرة من الساحة العربية، ومن هنا فإن المتغيرات في مصر تشد المحللين إلى متابعتها، وما يحدث فيها لا يبشر كثيرا بالاستقرار. وقبل الخوض في التفاصيل، وهي كثيرة، أتوقف أمام شاهدين:
الشاهد الأول هو كتاب صدر بالإنجليزية (ولا أعرف إن كان قد ترجم للعربية). أهمية الكتاب اليوم أنه صدر في عام 2008 لمؤلف هو «جون برادلي»، شخص مهتم بالتطورات العربية، وعنوان الكتاب «داخل مصر». في هذا الكتاب متابعة لما كان يحدث في مصر في العقدين الأخيرين من القرن العشرين والأول من القرن الحادي والعشرين، النتيجة التي توصل إليها الكاتب أن مصر «تسقط سقوطا حرا إلى القاع»! التفاصيل كثيرة، وربما لم ينتبه إليها متخذ القرار في دولة مبارك أو أراد البعض أن يكنس تلك الملاحظات تحت سجادة الإهمال، ولم يكن أحد يحتاج إلى متنبئ ليخبرنا عن هذا «السقوط الحر إلى القاع».
الشاهد الثاني أنه في أكثر من مكان ولأكثر من مجموعة عربية في العشرين

سنة الماضية من قوميين عرب و«إخوان» ويسار وناشطين من كل الألوان، نفس الأشخاص أو بتغير كبير أو صغير التقوا من أجل إقامة حوار بين القوى السياسية المختلفة، وهي معارضة لأنظمتها، من أجل بحث النقاط الإشكالية فيما بينها لوضع حلول لها، أملا في إقامة مجتمعات مدنية حديثة في بلدانهم بعد التغيير، والهدف الكبير هو «دمقرطة الحياة السياسية العربية». لم تكن قوى الإسلام السياسي العربي، وخاصة المصري، بعيدة عن تلك اللقاءات، أو غريبة عن طروحاتها.
يقول لنا الشاهدان السابقان – أولا: إن المستقبل يمكن قراءة معالمه اليوم، وثانيا: إن القوى السياسية العربية في المعارضة، كانت ترغب في أن تتعظ مما حدث في الماضي من مضرة الاستحواذ على السلطة من غير مشاركة الآخر، حيث إن التعددية تمثل أساسا لا غنى عنه في أي نظام ديمقراطي يستحق اسمه، وهو الخطأ الكبير التي وقع فيه من سبق في الحكم عن طريق تجاوزه.
إلا أن مشكلة «الباشا» تتكرر وتطفو من جديد على السطح، وإن اختلفت السبل والتعبيرات، فإن عمق الممارسة السياسية العربية هي اللاديمقراطية. لا تستوقفني تفاصيل من يرشح أو من لا يرشح للرئاسة من جماعات «الإخوان»، ولا يستوقفني أنهم وعدوا ولم يلتزموا، فتلك تفاصيل صغيرة في الصورة الأكبر والأهم.
أما الجوهر، فيستوقفني الخلط غير المعقول في القرن الحادي والعشرين بين «الديني» و«السياسي»، وهو خلط يصعب بل ويستحيل إدماجه معا، فالتأصيل الديمقراطي هو تحرير السياسة من كل ما ليس منها، ولا يحتاج العاقل أن يأتي بالكثير من الشواهد حتى تتبين له تلك الاستحالة. فالظاهر في تكتيكات الأحزاب السياسية الدينية على مسافة كبيرة من الباطن؛ نجد أن هناك «سلفا» و«إخوانا» من بين تيارات سياسية - دينية، نعلم بعضها ولا نعلم ما سوف يأتي بعدها، كلها تدعي مرجعية واحدة باجتهادات يكاد بعضها يناقض
الآخر في أمور الدنيا والحكم، وهو أمر تحاول بعض التيارات أن تتجاوزه، وربما التعبير الأصح تقفز عليه أو تدور من خلفه. في قاع هذه الاجتهادات (نفي نهائي للآخر) الآخر المختلف أولا، ثم الآخر شبه المتشابه، واستحواذ شبه كلي على السلطة إن أمكن واستخدام أدوات وتعبيرات تراثية منفرة من الآخر المختلف سياسيا، مثل: من ينتخب «المعارضين» فهو آثم (تلك أخف التعبيرات) أو أنهم (المعارضون مرة أخرى) يوحي إليهم الشيطان! ما بالك إن وقعت تلك التعبيرات والإيماءات والتهم على مجتمع يقول العارفون به إن أكثر من نصفه «لا يفك الخط»، وإنه يصرف مليارا ونصف مليار دولار على أعمال الشعوذة والسحر! وله تاريخ طويل في الإذعان للسلطة القائمة، وكما يحدث دائما بين الأتباع والمناصرين المغيبين في كل زمان ومكان، تهمل الأهداف وتتمسك العامة بالأشكال الخارجية الطقوسية، في حال «الإخوان» (الطاعة في المنشط والمكره)! كل ذلك يقود إلى ما يمكن أن يسمى بـ«الاستبداد الديمقراطي القادم من السماء».
في عالمنا العربي التيارات الأربعة الرئيسية التي خبرناها هي القومية، الليبرالية، اليسارية ثم الإسلامية، منبت الثلاثة الأولى أفكار من الغرب بشكل عام ومنبت الأخيرة محلي تراثي، إلا أنها (أي الأخيرة) في صراع دائم مع الأصول الغربية (منها النظام الديمقراطي، أعني صناديق الانتخاب والتصويت الحر والأحزاب) وكلها من منبع غربي، فالمعضلة هنا هي شكل المواءمة بين الديمقراطية والتراث، فالديمقراطية لها متطلبات، وهي «نظام» بحد ذاتها، والتراث لم يقدم لنا شكلا محددا من نظام الحكم، فهناك طريقان؛ إما المواءمة بين متطلبات العصر وبالتالي التضحية ببعض ما هو مقرر في الأصول، أو اتباع الأصول والتضحية بمصالح مرسلة لقطاعات واسعة من الشعب، أي العودة إلى شكل من أشكال الشمولية، هذا ما يترجم حالة الحيرة بين القوى الصاعدة الجديدة، التي هي حالة من اللايقين السائدة.
لا أكثر من خبراء الفقه الدستوري في مصر، ولا أكثر من السياسيين المصريين الواعين لزمانهم، فالأولى أن تقدم مصر عقدا اجتماعيا معاصرا من خلال كتابة دستور يرتبط بالقرن الحادي والعشرين وما بعده، ويُدخل مصر والعرب عصر الحداثة المستعصية، ولا تستحوذ جماعة بعينها على صياغة ذلك العقد الاجتماعي وبالتالي يتغير الباشا القدم بباشا جديد، ونصبح من جديد عالما بلا بوصلة!
قراءاتي الشخصية أن مخاضا مؤلما سوف يلم بالمنطقة، وأن ما نشاهده حتى الآن هو فقط المقدمات، واضح أن التيتانيك العربي يتجه للاصطدام بجبل الثلج وصيحات الإنذار، كما أن صيحة جون برادلي (سابقة الذكر) عالية، ولكن لا يسمعها أحد!
آخر الكلام:
تشكيل اللجنة التأسيسية لكتابة الدستور المصري تغلب فيها أهل الثقة (الحزب) على أهل الخبرة، بذلك تم خلق موانع ديمقراطية لتعطيل الديمقراطية!
نقلا عن صحيفة الحياة