رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الثورة التي لم تبدأ بعد في مصر!

جولة عربية

السبت, 07 أبريل 2012 13:29
الثورة التي لم تبدأ بعد في مصر!
محمد ابراهيم خاطر

بعد مرور أكثر من عام على الثورة المصرية يبدو أن الأوضاع في مصر باتت تحت السيطرة وأن الطريق نحو التغيير الحقيقي والجذري لم يبدأ بعد ودونه مصاعب ومشاق وتحديات كثيرة.

الوضع تحت السيطرة

الدلائل على أن الأوضاع في مصر باتت تحت السيطرة كثيرة. فرأس النظام وأركانه لم يمسسهما سوء حتى الآن ومحاكمة مبارك كلفت مصر ملايين الجنيهات ولن يتم نقله لسجن طره أو غيره من السجون وسيبقى في المركز الطبي العالمي لكي يقضي فترة نقاهة من مرض الرئاسة والزعامة إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً. وفي عدد من دوائر المحاكم المصرية تمت تبرئة قتلة الثوار ولم يصدر حكم واحد يدين من قاموا أو شاركوا في قتلهم.

وحكومة الجنزوي المتهمة بالإهمال والتقصير والعاجزة عن إيجاد حلول للمشكلات التي تنغص حياة المواطنين اليومية لا زالت باقية وتمارس مهامها رغم أنف الجميع ومهمة حكومة الجنزوري هي تصدير الأزمات التي تشغل الجماهير ومنها على سبيل المثال الانفلات الأمني وأزمة البنزين وأزمة أسطوانات الغاز.

والقيادات الإعلامية التابعة للنظام القديم لا زالت باقية في أماكنها بقرار من مجلس الشورى الذي انتخبه الشعب لمحاربة الفساد!

والمسار السياسي عقب الثورة لم ُيحدث التغيير المطلوب فمجلس الشعب المنتخب بلا صلاحيات تقريباً لا تشريعية ولا رقابية والأغلبية المنتخبة ليس لها نفوذ أو صلاحيات أو نصيب من السلطة وتتعرض للانتقاد من قبل الجماهير التي منحت هذه الأغلبية أصواتها وثقتها وعلقت عليها الكثير من الآمال.

والفترة التي أعقبت الثورة تم استغلالها من قبل فلول النظام السابق للتغطية على الجرائم التي ارتكبوها بحق مصر والمصريين وتم حرق واتلاف المستندات التي تدين أركان هذا النظام وشهدت هذه الفترة هروب عدد كبير من أركان النظام وهروب المليارات التي قدرها الجنزوري بحوالي 10 مليارات دولار وخرج وزير المالية الهمام مؤخراً ليقول إن أموال المصريين ُهربت وانتهى الأمر.

ومن خلال الأحداث والتداعيات الخطيرة التي شهدتها مصر عقب الثورة ندرك أن مبارك وفلول النظام السابق فعلوا بمصر بعد الثورة ما لم يفعلوه بها خلال مدة 30 عاماً التي قضاها مبارك في حكم مصر فقد نجح المجلس العسكري الذي فوضه مبارك بإدارة شؤون البلاد في مهمته وهي إبقاء الأوضاع على ما هي عليه وتهديد أمن المواطنين والتضييق عليهم في أمور معاشهم وحياتهم اليومية وجعلهم يحنون للنظام السابق ويلعنون الثورة والثوار!

والسياسة التي اعتمدها المجلس العسكري قامت على خلق وافتعال الأزمات وسعي المجلس لضرب الوحدة الوطنية وشق صف المجتمع وتحويله إلى طوائف وفرق متنازعة جرى ذلك من خلال التعديلات التي أجريت على الدستور وتقديم الانتخابات على كتابة الدستور وتفجير المرحلة الانتقالية بالأحداث الدامية المفتعلة والمدبرة مثل حادثة ماسبيرو وأحداث بورسعيد وغيرها من الحوادث.

الانفلات الأمني والانفلات الأخلاقي

ما تعاني منه مصر الآن ليس انفلاتاً أمنياً وحسب فهناك انفلات أخلاقي وهذا النوع من الانفلات أشد خطورة من الانفلات الأمني.

والانفلات الأمني حدث نتيجة تقاعس جهاز الشرطة عن أداء مهامه ونزول أفراد الشرطة للشوارع وقيامهم بأداء مهامهم كفيل بإعادة الأمن والانضباط للشارع المصري أما الانفلات الأخلاقي فقد حدث نتيجة الفهم الخاطئ لمعنى الحرية وهو ما دفع الكثيرين إلى التعدي على الآخرين وإيذائهم بدافع الحرية الشخصية التي تعني أن من حقهم القيام

بما يريدونه حتى ولو تسبب في إلحاق الضرر بالآخرين وهذا الفهم الخاطئ للحرية بحاجة إلى تصحيح وهي عملية صعبة وقد تستغرق وقتاً طويلاً.

ومن مظاهر الانفلات التي انتشرت في طول البلاد وعرضها التعدي الصارخ على المنشآت العامة ومن الأمثلة على ذلك الهجوم المتكرر على مراكز الشرطة لإطلاق سراح بعض السجناء وقيام الأهالي بقطع السكك الحديدية ومنها قيام البعض بتدمير مركز الطوارئ بأحد المستشفيات لأن مريضاً لهم توفي في هذا المركز.

ومن الممارسات الخاطئة التي انتشرت عقب الثورة البناء فوق الأراضي الزراعية وهو عمل مجرم طبقاً للقانون ومنها تجرؤ البعض على أكل حقوق الآخرين نظراً لضعف السلطة وعدم قدرتها على إعادة الحقوق لأصحابها وإزالة التعديات على المال العام أو المال الخاص.

وأخطر نوع من أنواع الانفلات الأخلاقي يتمثل في الحرب الإعلامية التي يشنها العلمانيون والليبراليون على التيار الإسلامي وعلى الشخصيات العامة والهجوم عليهم دون مبررات تستدعي ذلك الهجوم وقد أقام هؤلاء «مناحة» على الدستور الجديد وعلى الحريات العامة بدعوى أن المنتمين للتيار الإسلامي سيكتبون الدستور على هواهم وسيصادرون الحريات.

والجدل المثار في مصر حالياً لا يدور حول المصلحة الوطنية العليا أو حول مواد الدستور الجديد الذي ُسيكتب وإنما حول تشكيل اللجنة المكلفة بصياغة الدستور وهذا الجدل ما كان ليثار لو كان الإسلاميون خارج المشهد السياسي.

والعبرة ليست بمن سيكتب الدستور أو بالمواد التي سيحتويها وإنما بالتطبيق فالكثير من المواد التي تتعلق بالحريات العامة وبالفصل بين السلطات في الدستور القديم تم تعطيلها ولم يعمل بها.

وفي الوقت الذي ينبغي فيه على الجميع أن يتكاتفوا ويوحدوا جهودهم من أجل بناء مصر الحديثة نجد التشكيك في نوايا الآخرين والتشكيك في الشخصيات العامة ومهاجمة المشروعات القومية مثل مشروع مدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا.

الإخوان في قلب العاصفة

المواقف التي اتخذتها جماعة الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة عقب الثورة وإن كانت صحيحة في مجملها إلا أنها فسرت من قبل الليبراليين والعلمانيين المهيمنين على وسائل الإعلام على أنها جاءت في إطار صفقة مع المجلس العسكري وعندما حدث الخلاف مع المجلس العسكري فسرت على أنها رغبة في السيطرة والاستحواذ على المشهد السياسي وإقصاء التيارات الأخرى ورغبة في الاستئثار بالسلطة التشريعية من خلال تشكيل لجان مجلس الشعب ورغبة في تحقيق مكاسب للجماعة من خلال تشكيل لجنة صياغة الدستور.

وفي مواجهة سعي الإخوان من أجل الحصول على حقهم في السلطة لكي يتمكنوا من تنفيذ مشروعهم الإصلاحي تجددت الاتهامات القديمة للإسلاميين بأنهم يستخدمون الانتخابات من أجل الوصول للحكم وأنهم سيقومون بمصادرة الحريات والتضييق على الناس في أمور حياتهم.

والمشهد السياسي في الفترة الأخيرة تميز بشيئين وهما: الأول التحالف غير المعلن بين حزب الحرية والعدالة وحزب النور والتفاهمات التي جرت بينهما فيما يتعلق بتشكيل لجان مجلس الشعب وتشكيل لجنة صياغة الدستور

وترشيح المهندس خيرت الشاطر للرئاسة. والثاني بوادر أزمة وخلاف مع المجلس العسكري وحرب التصريحات التي دافع فيها كل طرف عن مواقفه وتضمنت تهديداً مبطناً واتهاماً للطرف الآخر بعدم المسؤولية وعدم الاستفادة من دروس التاريخ.

والخلاف بين الطرفين نشأ نتيجة إصرار المجلس العسكري على بقاء حكومة الجنزوري ورغبة حزب الحرية والعدالة في سحب الثقة منها وتشكيل حكومة جديدة تضم كافة الأطياف السياسية. وما بدا على أنه استحواذ من قبل التيار الإسلامي على لجنة صياغة الدستور كان رسالة موجهة للمجلس العسكري من أجل تسليم السلطة للأغلبية.

وترشيح الجماعة لنائب المرشد العام المهندس خيرت الشاطر لرئاسة الجمهورية والذي اعتبره الكثيرون خطأ استراتيجياً ارتكبته الجماعة له حيثيات وتداعيات والحيثيات هي عدم تمتع الإخوان بأي سلطة تمكنهم من القيام بإصلاحات حقيقية تحقق أهداف الثورة وتلبي مطالب الجماهير التي انتخبتهم وعدم القدرة على تغيير حكومة الجنزوي والتهديد بحل البرلمان ومحاولات إنتاج الوضع القديم وترشح شخصيات محسوبة على النظام القديم للرئاسة.

وأما أهم التداعيات فهي أنه أدى إلى حدوث خلاف بين أعضاء الجماعة فقد صوت لصالح ترشيح الشاطر 56 عضواً من مجلس شورى الجماعة وعارض 52 عضواً قرار الترشيح وأعلن عدد من شباب الإخوان رفضهم لهذا القرار.

وقرار ترشيح الشاطر للرئاسة وإن كان منطقياً وضرورة في المرحلة الحالية إلا انه شكك في مصداقية الجماعة وعزز من مخاوف البعض وفتح الباب واسعاً أمام التيارات السياسية المناوئة للإخوان للتشكيك في نواياهم وهو ما حدث بالفعل ويتم استغلاله أسوأ استغلال للنيل من الشعبية التي يتمتع بها الإخوان.

وغير بعيد عن الصراع غير المعلن بين المجلس العسكري وجماعة الإخوان المسلمين هناك حرب المصالح التي يدافع فيها فلول وبقايا النظام السابق عن مكاسبهم ومصالحهم وأصحاب الأموال من هؤلاء هم الذين يقفون خلف الحوادث وأعمال العنف التي تهدد الأمن وتروع المواطنين..والقيادات الباقية في مواقع السلطة واتخاذ القرار هي التي تقف وراء التخريب الممنهج والمتعمد للمؤسسات وهؤلاء يمنعون حدوث أي تغيير أو تطوير لهذه المؤسسات حتى لا يشعر المواطن البسيط بأن هناك تغييراً قد حدث وبأن الأوضاع في السابق كانت أفضل منها عقب الثورة.

وحزب الحرية والعدالة صاحب الأغلبية في المجالس النيابية والذي يتمتع أعضاؤه بالأمانة والنزاهة يخوض حرباً شرسة ومفتوحة ضد هؤلاء ويأتي في مقدمة القوى الفاعلة التي تسعى جاهدة لتفكيك منظومة الفساد والشرفاء في مصر مطالبون بالتعاون معهم لتحقيق هذا الهدف.

الثورة التي لم تبدأ بعد!

الثورة التي لم تبدأ بعد في مصر هي الثورة من أجل تفكيك منظومة الفساد المتجذرة في المجتمع والفساد في بر مصر المحروسة منتشر في كل مكان وبشهادة أركان النظام السابق. والثورة التي نجحت في إسقاط رأس النظام لم تفلح حتى الآن في التخلص من بقايا وفلول النظام ولذلك لا بد أن تبدأ الثورة على الفلول حتى يتم تخليص البلاد والعباد من شرورهم.

والمشكلة التي تعترض الثورة على الفلول هي تغلغل الحزب الوطني في مؤسسات الدولة فقد كان الحزب هو الدولة والدولة هي الحزب ولم يكن هناك فصل بينهما وحديث قادة الحزب الوطني المنحل عن وجود 3 ملايين عضو في الحزب يدل على أننا في مواجهة مع 3 ملايين فاسد في المواقع المختلفة لأن الحزب لم تكن له شعبية ومن انضموا للحزب جمعتهم المصالح الخاصة والمشتركة.

ومصر لكي تنهض من جديد بحاحة للثورة ضد القيادات الفاسدة التي لا تزال في مواقعها وبحاجة أيضاً إلى ثورة على القيم السلبية وفي مقدمتها الانتهازية التي انتشرت في المجتمع المصري خلال الثلاثين عاماً الماضية وكانت من السمات البارزة في عهد النظام السابق.

والتغيير في مصر كان ولا يزال أمراً في غاية الصعوبة واختراق منظومة الفساد يتطلب مشاركة الجميع في التغيير والإصلاح واقتلاع الفساد من جذوره وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس ومعايير جديدة تتمثل في الكفاءة والنزاهة والشفافية. ومن القيم المطلوبة للإصلاح والنهوض البذل والعطاء والتضحية والحرص على المصلحة العامة لأن سعي الأفراد والفئات لتحقيق مصالحهم الخاصة لا يمكن أن يسهم في الارتقاء بالوطن والأمة.

نقلا عن صحيفة الشرق الاوسط