رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

المشروع المصري وعبقرية العجز عن إنجازه

جولة عربية

الأحد, 01 أبريل 2012 10:03
المشروع المصري وعبقرية العجز عن إنجازه
على سالم

المقصود بكلمة المشروع هي خطة العمل المفصلة التي تنتقل بها مصر إلى العصر الحديث بعيدا عن سلطوية الدولة القديمة التي فشلت في الاستمرار بحكم تخلفها وتخليها عن روح العصر الذي تشكل الحرية أهم ملامحه، أما كلمة العبقرية فهي بالتأكيد ليست في حاجة إلى شرح، أما أن يكون العجز عن الإنجاز عبقرية، فهذا ما سنتولاه بالشرح والتفصيل.

بأبسط الكلمات، المشروع المصري هو تحسين أحوال المصريين على كافة المستويات، مما يتطلب خطة عمل جديدة يتحمس لها أكبر عدد ممكن من الناس. والخطوة الأولى بالطبع هي الانتهاء من صنع الإطار العام للدولة، برلمان، رئيس، حكومة. أما البداية الحقيقية فهي المشروع ذاته. هذا هو بالضبط ما يخشى معظم الناس على الساحة السياسية الوصول إليه. إنه الخوف من مقابلة التاريخ في المكان والوقت اللذين يحددهما، لا بأس بمرحلة الخطوبة الثورية الجميلة بما فيها من كلمات تقطر أملا وعسلا، أما ليلة الزفاف فلا شك أنها تثير الرعب عند بعض العرسان.
منذ نحو عشرة أيام تقريبا قال رئيس الدولة الصينية جملة توقفت عندها طويلا، قال: «لدي الشجاعة التي تجعلني قادرا على مواجهة التاريخ والناس».
مواجهة التاريخ تعني التعرف على مساره ومنعطفاته ثم الالتحاق به. أما مواجهة الناس فهو بالضبط ما حكت عنه الحكايات القديمة من مواجهة الغيلان. لا شك أن كل من يعمل على الساحة السياسية في مصر، عندما يخلو إلى نفسه، يفكر في أن النظام السابق ترك تركة كبيرة مثقلة بديون أكبر منها بكثير، وأنه على من يحكم البلاد أن يصارح الناس - ويصارح نفسه أولا - بمشاكل مصر الحقيقية، وأرجوك لا تتصور أنني أعرفها، أنا فقط سأحدثك عما أعرفه منها، التعليم مثلا وانهيار مستواه الذي تسببت فيه مجانيته، هل يستطيع مواجهة الناس بهذه الحقيقة؟ هل تواتيه الشجاعة ليقول لهم: هناك تعليم إلزامي يُعاقب ولي الأمر الذي لا يلتزم به، وهناك تعليم حتى نهاية المرحلة الثانوية تقوم الدولة بدفع نفقاته، أما التعليم العالي فلن يكون مجانيا بحال من الأحوال.
من على الساحة يستطيع مواجهة الناس بذلك؟
وحكاية البطالة المقنّعة، وهي وظيفة جديدة في الجهاز الحكومي، لم يكن السبب فيها حرص الحكومات السابقة على مساعدة العاطلين، بل كان الهدف منها وجود أكبر عدد ممكن من البشر في حظيرة الحكومة للاستفادة منهم في المناسبات الشعبوية. وعندما تتكلم الحكومة الآن عن دعم المحروقات والوقود ورغيف الخبز، فسيكون من المستحيل إلى الأبد إلغاء هذا الدعم لأنه في حقيقة الأمر يذهب إلى الجهاز الحكومي، لنفرض أن أسرة ما مكونة من خمسة أفراد، تأكل عشرين رغيفا في اليوم، هي بالطبع في حاجة إلى فران واحد ليخبز لها ما تحتاجه من أرغفة، ولكنك عندما تقوم بتعيين مائة فران في المخبز للقيام بعمل فران واحد، فعلى من يعود الدعم في هذه الحالة؟
ملمح آخر من ملامح المشروع يقودنا إليه المثال السابق وهو التحول إلى اقتصاد السوق، من هو ذلك الشجاع الذي سيواجه الناس بحتمية اقتصاد السوق، وهو ما يحتم علاقات أوثق بالغرب الأوروبي وشرق آسيا وضمانات أقوى لرجل الأعمال في مصر؟
نحن جميعا نتكلم عن الإنتاج، ناسين أنه في ظروف معينة تحصل المجتمعات على ما يسمى (الإنتاج بالسالب) وهو ما تكلم عنه غورباتشوف في كتابه الشهير والوحيد أيضا، «البريستورويكا». لديك قطعة صلب ثمنها مائة دولار، تحولها إلى جرار زراعي فتكلفك خمسين دولارا أخرى، تنزل بها إلى الأسواق فتكتشف أن هناك من يبيع جرارا أفضل بكثير بثمانين دولارا فقط، عندها ستبيعه بسبعين دولارا فقط إذا وجدت من يشتريه.
السبب في ذلك أنك لا تعمل طبقا لقواعد الاقتصاد بل طبقا للشعارات والأكاذيب القديمة، هكذا يوفر لك المزيد من الإنتاج مزيدا من الإفلاس. هناك قضايا أخرى بالطبع تحتم مواجهة الناس، منها قضية السلام المصري - الإسرائيلي، حدوده وأبعاده وكيفية

الاستفادة منه، علاقتنا مع الولايات المتحدة، الدولة الفلسطينية وحتمية إنشائها، دولة موحدة ديمقراطية.. بالطبع سيكون ذلك مؤلما لجماعة الإخوان في مصر، أن يفكروا في أن حلفاءهم في غزة مطالبون بالتفكير في الشعب الفلسطيني ومصالحه بمنأى عن مصلحة الجماعة.
وبالعجز عن التفكير في مواجهة الناس بكل ذلك وغيره، يلجأ العقل لحيلة قديمة وهي أن يخترع مشاكل لها بريق يشغل بها نفسه وينشغل بها الناس لتأجيل لحظة بدء المشروع المصري، هذه هي عبقرية العجز عن الإنجاز.
اللجنة التأسيسية للدستور، تعطينا الآن فرصة ممتازة للتعطيل والانقسام، دون أن يتنبه أحد إلى أن اختيار مائة شخصية من كافة الاتجاهات أو معظمها لصنع الدستور، فكرة خاطئة من الأصل، هذه اللجنة التي انسحب منها كل من ليس إخوانيا أو سلفيا، هي باختصار مجرد إدارة من إدارات البطالة المقنعة، لا أحد على الأرض يتصور أن مائة شخص قادرون على صنع دستور جديد للبلاد، لو أن اللجنة كانت من عشرة أشخاص فقط من علماء القانون والدستور وأساتذته، لكان من السهل علي أن أصدق أننا في طريقنا بالفعل للحصول على دستور جديد.
نحن نعيش الآن معركة تتطاير فيها الشظايا وقذائف المدفعية في كل اتجاه، أما القنابل ذات العيار الثقيل فهي قنبلة (الشعب) الشعب ليس ممثلا في هذه اللجنة، هناك طوائف من الشعب وفئات ليست ممثلة، لا بد أن يرسم الدستور ملامح الشعب.. إنها تركة الاشتراكية القديمة وتراثها الفكري، التي حولت الشعب إلى نوع من البهارات يُرش على كل طبخة، الواقع أنه كان من الممكن الحديث عن الشعب المصري كثيرا عندما يقترح أحد الناس مثلا أن يكون أعضاء اللجنة من الإنجليز، ولكنها فرصة عظيمة لاستخدام كلمة الشعب لكي نمنع أنفسنا من العمل. لا يا سادة.. الدساتير يضعها فقط من درسوها وتخصصوا فيها، وبعد أن يضعوا مسودة له، نبدأ نحن في (التنطط) عليهم واستيضاح ما غمض علينا فيه إلى أن تتم صياغته ويعرض على مجلس الشعب ليوافق عليه كل مادة على حدة.
مصر تعيش لحظات خطرة، وفي لحظات الخطر تندفع الناس وتتدافع في كل اتجاه بحثا عن منفذ، فيقتل البعض تحت أقدام المتدافعين، هذا أيضا ما يحدث للأفكار، في بعض الأحيان، تندفع في كل اتجاه فتصطدم ببعضها البعض، وتسقط الأفكار الصحيحة - للأسف - تحت الأقدام في هذه اللحظات المحمومة، في ظروف أخرى كان لا بد أن يوجد من يقول ببساطة.. الأطباء يعملون في علاج الناس.. والدستور يصنعه فقط المتخصصون.. من بين هذا الشعب.
نقلا عن صحيفة الحياة