رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

بالأحضان في بلاد الأمريكان

جولة عربية

الأحد, 18 مارس 2012 11:34
بالأحضان في بلاد الأمريكان
خليل الفزيع

ثمة فرق بين التسليم بنظرية المؤامرة.. وقراءة الواقع بجدية وعمق، فالتسليم بنظرية المؤامرة يلغي قدرة الإنسان على التمييز بين الأمور، لأنها تعني قبول ما يردده الآخرون، بينما قراءة الواقع تعني الاعتراف بما لا يمكن تجاهله بناء على شواهد لا مجال للتشكيك فيها، ومن ذلك أننا لا نزال نقرأ ونسمع وقائع لا يمكن أخذها إلا في إطارها الصحيح، ومنها هذه المقابلات التي يجود بها كبار المسؤولين الأمريكان على أفراد من بلدان مختلفة، وما يغدقونه عليهم من الألقاب

والأوسمة والهدايا، لا لأن أولئك الأفراد من كبار المخترعين، ولا لأنهم من المبدعين المتميزين، ولا لأنهم ممن خدموا العالم في أي فرع من فروع المعرفة الإنسانية، بل لأنهم إما منشقون على حكوماتهم، أو من أدعياء الحرية وحقوق الإنسان، أو من أصحاب المواقف المناوئة الهزيلة التي لا تمثل تيارا فكريا رائدا، ولا إنجازا إنسانيا متميزا، ومعظمهم من المعارضين الذين هربوا من بلدانهم ليمارسوا المعارضة في فنادق (الفايف ستارز) والتنقل بسيارات (الرولز رويس) في عواصم أوروبا وأمريكا، وهدف أمريكا من ذلك كله هو ضمان ولائهم للتبعية الثقافية الأمريكية، ومحاولة ترسيخ وهم كبير عن مبادئ الحرية والديمقراطية في أذهان البسطاء، مع أن الشواهد تثبت

أن سياسة أمريكا الخارجية أبعد ما تكون عن هذه المبادئ، فأمريكا التي تطبق هذه المبادئ، وتحرص على حقوق الإنسان داخل حدودها.. هي أمريكا نفسها التي تنتهلك حقوق الإنسان في معظم بلاد العالم، والأكثر من ذلك.. مناصرتها للظلم والعدوان عندما تشهر سلاح حق النقض "الفيتو" في وجه قرارات الإدانة الأممية لشتى أنواع الممارسات غير الإنسانية في العالم، ودولة بهذا التعنت والتجاهل للحقوق، لا يمكن أن تؤتمن على القضايا العادلة للشعوب، كما لا يمكن تفسير فتح أبوابها لتستقبل بالأحضان أولئك المغضوب عليهم والضالين في بلدانهم ومجتمعاتهم وأسرهم لتحتفي بهم وتكرمهم.. ما لم يكن هدفها تهجينهم ليسيروا في ركابها، مسلوبي الإرادة، بعد أن باعوا قيمهم ومجتمعاتهم وأوطانهم بأبخس الأثمان.
لقد اتسمت المواقف الأمريكية بالكثير من الازدواجية والتناقض تجاه القضايا الساخنة في العالم، ولم تكن عادلة في مواقفها تجاه دول كثيرة، مما أثار عليها نقمة العالم، وعدم ثقته في سياستها الخارجية، وإدانته الدائمة لتحركاتها العسكرية وتدخلاتها السافرة في الشئون الداخلية لبعض الدول، وفي كتابهما "لماذا
يكره العالم أمريكا؟" أورد المؤلفان ضياء الدين سرادار وميريل واين ديفيز مئات الأمثلة التي توضح التدخل العسكري الأمريكي في شؤون بعض الدول، تحت شعارات منها درء الخطر الشيوعي ثم الدفاع عن الديمقراطية، ثم الحرب على الإرهاب، ثم ما تلاها من شعارات لا تعني في حقيقتها سوى مشاريع عسكرية بعيدة المدى للسيطرة على العالم، وفرض نفوذ القطب الواحد، في ظل العولمة وما تعنيه من سيطرة ثقافية واقتصادية وعسكرية.
وهذه التدخلات ليست وليدة الحاضر بل تمتد جذورها إلى الحرب العالمية الأولى عندما تدخلت لمناصرة الحلفاء ضد ألمانيا، وغير بعيد عن الأذهان جريمة أمريكا التي لا تغتفر ضد هيروشيما ونجازاكي، والحقيقة أن كل جرائم امريكا لا تغتفر، وهي وإن اختلفت في بعض الجوانب، فإنها ذات وجه قبيح واحد.. وإن نسي العرب شيئا فكيف ينسون موقف أمريكا من قضاياهم العادلة، وفي مقدمتها قضية فلسطين، وما ذكر هنا لا علاقة له بالخضوع لنظرية المؤامرة، لأنه يحدد وقائع لا مجال لنكرانها أو تبرير أهدافها.
وهاهي تستقبل في بيتها الأبيض ووزارة خارجيتها أشخاصا من كل العالم، بحجة تكريمهم، وهو تكريم يعني ضمنا تحريضهم على الأوضاع السائدة في بلدانهم، بصرف النظر عن سوء أو عدم سوء تلك الأوضاع، إلى جانب ما ينطوي عليه هذا التصرف من تدخل في الشؤون الداخلية للدول التابعة لها هذه الشخصيات والتي تعتقد بأن أمريكا تريد الخير لها أو لبلدانها، وياله من خير لا يختلف عن العسل الذي يدس فيه السم، وأمريكا خير من يجيد (دس السم في العسل).