رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

لكي تستطيع مصر أن تقول «لا»

جولة عربية

الثلاثاء, 13 مارس 2012 08:46
لكي تستطيع مصر أن تقول «لا»
فهمى هويدى

مادمنا نمد أبصارنا إلى ما وراء حدودنا قبل أن نتثبت من مواقع أقدامنا، فإننا سننتظر طويلا حتى تستعيد مصر عافيتها بحيث يصبح بمقدورها أن تقول لا لأي «بلطجي» يستهين بها أو يدوس لها على طرف.

(1)
المنطوق أعلاه تلخيص مخفف للشهادات التي وقعت عليها خلال الأسبوع الفائت، بعدما قلت في مقال الثلاثاء الماضي (6/3) إن فضيحة تسفير الأمريكيين المتهمين في قضية التمويل الأجنبي للمنظمات الأهلية جاءت كاشفة عن المدى الذي بلغه ضعف السلطة في مصر أمام الضغوط الأمريكية. وهو الضعف الذي جعلها غير قادرة لأن تقول لواشنطن لا. ودعوت لأن نحول الأزمة إلى فرصة نعيد فيها احتشادنا الوطني وترتيب أولوياتنا لكي تسترد مصر عافيتها المجهضة والمهدرة.
تعددت أصداء هذه الدعوة، وقد تلقيت بعض تلك الأصداء في حين تحريت البعض الآخر. من بين ما تلقيته من رسالة تقطر غيظا ومرارة من قارئ قديم، طلب مني ألا أذكر اسمه لأنه بات مقتنعا بأنه «ينفخ في قربة مقطوعة» ولكنه أراد أن يرضي ضميره بهذه الرسالة.
قال صاحبنا إن مصر ليست بلدا ضعيفا ولكنه منكوب ومنهوب، منكوب بالذين أداروه لعدة عقود ومنهوب من جانب أصحاب المصالح في الداخل وفي الخارج. وضرب مثلا بالنهب العظيم الذي تعرضت له الثروة العقارية في مصر، حين وزعت أراضيها الشاسعة على شلة المنتفعين من أركان النظام السابق. وتواطؤ هؤلاء مع آخرين من خارج البلاد حيث اقتسموا معهم الغنيمة بصور شتى. أضاف أن ذلك يهون إلى جانب الفضيحة التي دوَّت مؤخرا خاصة بمنجم الذهب في منطقة البحر الأحمر. وذكر أن الذهب الذي استخرجه الفراعنة قبل خمسة آلاف سنة، عجز المصريون المحدثون عن استخراجه، فأوكلوا العملية لشركة أسترالية وزعت من جانبها الغنيمة على 9 شركات أخرى. ليس ذلك فحسب، وإنما كان مدهشا أن التعاقد مع الشريك الأجنبي أعطاه الحق في أن يحصل على 70٪ من إنتاج منجم السكارى، في حين لا يحصل الشريك المصري إلا على 30٪ فقط. ومن هذه الحصة الأخيرة تدفع مصر تكلفة استخراج الذهب، أما الذي لا يقل تعاسة عن هذا وذاك أن مدة ذلك العقد المجمعة تصل إلى 30 عاما، يستمر خلالها استنزاف ثروة مصر من الذهب لصالح الشركات الأجنبية.
أحالني صاحب الرسالة إلى تقرير عن الموضوع نشرته جريدة الأهرام يوم الجمعة الماضي 9/3، بمناسبة زيارة لجنة الصناعة والطاقة بمجلس الشعب لموقع منجم السكري. إذ سجل صراحة أن «مصر تعرضت لخديعة كبرى واستدرجت لتوقيع اتفاقية إنتاج الذهب بشروط مجحفة للغاية». أضاف التقرير أن صخور جبل السكري تحتوى على نسبة عالية من خام الذهب، تعد بين الأعلى في العالم، حيث يحتوي طن الصخور على ستة جرامات من الذهب، في حين أن المتوسطات المعتادة في المناجم الأخرى تتراوح بين 1.5 و4 جرامات. إضافة إلى ذلك هناك شبهات كثيرة تحوم حول إدارة الشركات التسع للمنجم بشراهة تنم عن إفراط في الاستنزاف، كما أن هناك شبهات أخرى حول إحكام الرقابة المصرية على ما يخرج منه.
(2)
وثَّق هذا الرأي زميلنا الأستاذ أحمد النجار، رئيس تحرير التقرير الاقتصادي الذي يصدره مركز الدراسات الاستراتيجية بمؤسسة الأهرام. إذ نشر في هذا المعنى مقالا تحت عنوان «التبعية الاقتصادية والنهب الاستعماري الراهن لمصر» (الأهرام 16/2). وقد ذكر فيه معلومة مثيرة ــ بالنسبة لي على الأقل ــ خلاصتها أن المستثمرين الأجانب والعرب أدخلوا إلى مصر خلال

السنوات الثلاث الأخيرة من حكم الرئيس السابق السنوات (2008 ــ 9 ــ 10) 28 مليار دولار إذا أضيفت المعونة الأمريكية وأخرجوا منها نحو 86 مليار دولار. وهو مبلغ يتجاوز 500 مليار جنيه، الذي يعادل 24 ضعف قيمة المعونة التي حصلت عليها مصر خلال تلك الفترة.
في مقال آخر نشرته له الأهرام في 1/3 انتقد بشدة فتح باب التبرعات النقدية أو التنازل عن أجر يوم من المرتب الشهري للعاملين بهدف تعويض المعونة الأمريكية التي لوح البعض في واشنطن بقطعها إبان الأزمة الأخيرة بين البلدين. وأثار في مرافعته عدة نقاط هي:
< أن حصيلة أجر يوم يتبرع به العاملون في أجهزة الحكومة تقل عن 60 مليون جنيه، في حين أن كل العاملين في الحكومة والقطاع العام والخاص إذا تبرعوا بأجر يوم فإن ذلك سيظل في حدود 150 مليون جنيه. أما قيمة المعونة الأمريكية العسكرية والمدنية فهي في حدود مليار و550 مليون دولار، تعادل نحو 9.3 مليار جنيه.
< هذه المعونة الأمريكية التي تستخدم كعصا يلوح بها لتهديد مصر تبقى هامشية بالمقارنة مع الناتج المحلي الإجمالي المصري الذي بلغ 1373 مليار جنيه في العام المالي الماضي. ويقدر له أن يبلغ 1570 مليارا في العام المالي الحالي (2011/2012)، وهو ما يعني أن قيمة المعونة الأمريكية تقل عن نصف في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وهي نسبة ضئيلة يمكن الاستغناء عنها بسهولة.
< أن علاقة الدولة بالمواطنين لا تقوم على التبرعات، ولكن الضرائب التي تفرض على القادرين هي الصيغة التي تم التوافق عليها لتنظيم تلك العلاقة. ولو أعيد النظر في النظام الضريبي بحيث يصبح متعدد الشرائح وتصاعديا. كما يحدث في أغلب دول العالم، وتم تحصيل مستحقات الدولة بشكل صارم لاختلف الأمر، ذلك أن كبار الرأسماليين في مصر عليهم متأخرات بقيمة 63 مليار جنيه، تعادل سبعة أضعاف المعونة الأمريكية.
< يمكن لمصر أن تحقق دخلا إضافيا يبلغ أكثر من ضعف المعونة الأمريكية سنويا لو حصلت على أسعار عادلة من صادراتها من الغاز. ويمكن الاسترشاد في ذلك بما فعلته الولايات المتحدة بعد احتلال العراق في عام 2003. إذ ألغت العقود التي أبرمها نظام صدام حسين مع شركات النفط الأجنبية بدعوى أنها ليست ملزمة للشعب العراقي، وأجرت اتفاقات جديدة مع شركات الدول التي اشتركت في الغزو، وتستطيع مصر أن تنظم حملة مماثلة لإبرام عقود جديدة تتسم بالعدل والإنصاف لكي تتخلص من النهب الاستعماري الذي تعرضت له، ولكي تتخلص من الديون التي كبلها بها نظام مبارك.
(3)
الدكتور حازم الببلاوي نائب رئيس الوزراء ووزير المالية السابق له ملاحظات أخرى يتلخص أهمها فيما يلي:
< إن الوضع الاقتصادي لمصر لم يتم التعامل معه بما يستحقه من جدية وحزم، سواء من جانب السلطة أو من جانب المجتمع. وقد تحدث في كتابه الذي أصدره عن الأشهر الأربعة التي أمضاها في منصبه عن خطة من 13 نقطة لإنقاذ الاقتصاد
المصري (تبنتها وزارة المالية أخيرا) إلا أنه يعتبر أن الدولة لم تصارح المجتمع بالحقيقة ولم تعتمد بعد سياسة شد الأحزمة على البطون. فلم تفعل مثلا ما فعله رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل حين تولى منصبه أثناء الحرب العالمية الثانية وقال للإنجليز صراحة إنه يعدهم بالدم والدموع والعرق قبل أن يقودهم إلى النصر في النهاية. أما فيما خص المجتمع فإنه يبدو متعجلا في تحصيل الاستحقاقات التي لا يشك في مشروعيتها. وبسبب ذلك الاستعجال فقد بدا وكأن الناس يريدون الثمرة أولا والشغل ثانيا، في حين أن العكس هو الصحيح.
< نتيجة لذلك فقد وجدنا تنافسا على توجيه المطالب وتحصيل الحقوق، ولم يتوافر ذلك مع الدعوة للقيام بالواجبات. وفي الوقت الذي أطلقت فيه النداءات لصالح تحقيق العديد من المطالب السياسية، فلم تنتبه النخب التي تصدت لتلك المهمة إلى ضرورة دعوة الناس للشغل. ولم يقترح أحد مثلا أن تزيد مواعيد العمل مدة ساعة تطوعا بغير أجر لتحريك عجلة الإنتاج التي تمثل الخطوة الأولى في الإنقاذ المنشود، وذلك أجدى وأنفع من التبرع بأجر يوم مثلا لصالح خزينة الدولة.
< إن دعم المواد البترولية يحمل الدولة عبئا ثقيلا للغاية (95 مليار دولار). والتخفف من ذلك العبء يجب أن يبدأ بإلغاء ذلك الدعم بالنسبة للصناعات كثيفة الاستخدام للطاقة (الحديد والسيراميك والأسمنت والألومنيوم مثلا). ذلك أن منتجات تلك الصناعات تباع بالأسعار العالمية حتى في الداخل. في حين تحصل على الطاقة بالأسعار المحلية المدعومة، وهو ما يعني أن الدولة لا تدعم المستهلك في حقيقة الأمر، لكنها تعمل على زيادة أرباح المستثمر على حساب المستهلك.
< لا غضاضة في الاقتراض من الخارج الذي يستفيد منه المقرضون والمقترضون، إلا أنه ينبغي توفير أجواء مواتية في الداخل. بالتالي فإنه لا ينبغي المبادرة إلى توجيه اللوم للدول العربية التي لم تستثمر في مصر، لأن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس لماذا لا يأتون؟ وإنما يتعين أن نسأل أولا لماذا لم ننجح في جذبهم إلى مصر؟
(4)
الذين حدثتهم اتفقوا على التهوين من شأن حملات جمع التبرعات التي أطلقها بعض الهواة الطيبين سواء لتعويض المعونة الأمريكية في حال قطعها أو التبرع بأجر يوم من العاملين. وإضافة إلى ما سبقت الإشارة إليه من ضعف تأثير أمثال تلك الموارد، فإن الخبراء من أهل الاختصاص رأوا في أمثال تلك الدعوات تعبيرا عن حسن النية وتبسيطا للمسألة حوَّلها إلى فرقعات إعلامية بأكثر منها إسهامات جادة في إنقاذ الموقف. ومما قالوه إن تلك التبرعات، فضلا عن كونها نقطة في بحر، فإنها تعد إسهامات مؤقتة تنقل بعض السيولة النقدية في الداخل من يد إلى يد أخرى. ولا تشكل إضافة تذكر للاقتصاد القومي.
لدى أولئك الخبراء كلام كثير في تشخيص أزمة العافية الاقتصادية للدولة المصرية وكيفية استعادتها. وثمة بحث منشور للرئيس التنفيذي للمجموعة المالية هيرميس، حسن هيكل، رصد فيه ست مشكلات تواجه مصر وقدم لها عشرة حلول رأى أنها يمكن أن تنقل مصر إلى مستوى قوة الاقتصاد التركي خلال عقد واحد. من تلك الحلول وقف الهدر المتمثل في دعم النفط والطاقة. وتطبيق ضرائب تصاعدية على دخل الأفراد لكي تصل إلى 25٪ بالنسبة للشرائح العليا (وهو ما يحدث في أعتى الدول الرأسمالية)، وتطبيق الضريبة ولو لمرة واحدة على كل من تزيد ثروته على عشرة ملايين دولار، علما بأن أثرياء مصر لم يدفعوا أكثر من 1 أو 2٪ من دخولهم السنوية لمصلحة الضرائب، والبدء في تنفيذ بعض المشروعات القومية الكبيرة، التي من بينها مثلا تحويل قناة السويس من مجرى مائي إلى مركز تجاري عالمي...إلخ.
إزاء تعدد الاجتهادات في الموضوع، واتفاقها في بعض النقاط كما رأيت، فليس مفهوما ألا يدعى أولئك الخبراء إلى لقاء وحوار يتوافقون فيه على «خريطة طريق» لاستعادة عافية الاقتصاد المصري. ويظل مستغربا أن تجد آراء أولئك الخبراء مبعثرة بين مقالات الصحف والبرامج الحوارية التلفزيونية. وكل منهم في واد والحكومة في واد آخر وربما المجلس العسكري في واد ثالث. لقد تشكل في مصر مجلس استشاري لا لزوم له لمناقشة المسائل السياسية. وتجاهلنا تشكيل مجلس مماثل للأمور الاقتصادية التي هي أكثر إلحاحا وألزم. وبعدما ثبت عدم جدوى المجلس الأول، فلعلنا نجد نفعا في المجلس الثاني.