رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

المثقف الجديد والتابوهات التقليدية

جولة عربية

الجمعة, 09 مارس 2012 11:36
المثقف الجديد والتابوهات التقليديةنورة السويدي
بقلم - نورة السويدي

لا ينكر حضور وألق وجاذبية مواقع التواصل الاجتماعي، إلا من كان بعيداً عن عالمها وعن مقدار ما تقدمه من جرعات معرفية على اختلاف مستوياتها، ينهل منها الجميع ما يشاؤون وكما يشاؤون، من دون قيود الزمان أو المكان، أو شتى التابوهات التقليدية التي نعرفها ونعيش ضمنها، بل ونتعايش معها.

هذه الحقيقة «الافتراضية» الواقعية، أصبحت لوناً صارخاً من ألوان حياتنا، لا يمكننا الإغضاء عنه مهما حاولنا نسبته إلى الجيل الشاب، وأنه لا مكان فيه لمخضرمي المثقفين الذين قضوا السنين وراء القلم والورقة وبين طيات الكتب.
والمسألة هنا في عالم التواصل الاجتماعي عبر نوافذه المعروفة، من الفيسبوك أو التويتر أو غيرها مما عرفنا أو لم نعرف، حقيقة لا تقبل المناقشة أو الجدل فيها، بل أصبحت ذات مكانة أكبر مما هي عليه، بعد أن كانت المطية الناجحة التي حملت على ظهرها بذور التغيير، ونجح الشباب في استثمارها أفضل استثمار في تشييد بناء متماسك، برأي واضح واحد وحلم واحد وجهود موحدة، غيرت وجه الحياة بعد أن يئس الكثير من أرباب الثقافة من إمكانية تغيير حجر واحد من أحجار الواقع الثقيل المضني.
وأمام هذه الواقعية المفروضة، يقف المثقف التقليدي ـ إن جاز لنا وسمه بهذا الوصف ـ ما بين الإقدام على خوض هذه الساحة أو العدول عنها وتركها لروادها الجدد، بعد أن رأينا كتابها يستطيعون الوصول إلى القارئ بسرعة البرق، من دون وساطة المطبوعات وأربابها، وفي مطلق الحرية من مقصات الرقباء وأترابها، فنراهم

يؤثرون ويتأثرون، ويطرحون أحلامهم وآمالهم، ومشكلاتهم وحلولها، ويبحثون في صالونات ثقافية افتراضية ممتدة، جميع المسائل الفكرية وغير الفكرية بصوت عالٍ، باحثين حقيقة عن حلول لمشكلات الجيل.
وجرت العادة أن يقف أبناء جيل أي لون ثقافي، برهة من الزمن حين تطرأ عليهم تنوعات التكنولوجيا، كما حدث لأقطاب الصحافة عقب دخول الإذاعة، أو بين الإذاعة والتلفزيون، أو غيرها، إلا أن المسألة هنا في عالم السرعة لا تحتمل التردد أبداً، فكل يوم يتأخر فيه المثقفون الحقيقيون عن هذا المجال، سيشغل مكانهم صوت مبتدئ جديد قد لا يحمل من التنوير ما يحمله المثقفون والمصلحون الاجتماعيون الحقيقيون.
وحاجة المجتمعات ماسة على الدوام لمن ينير لها الطريق، وأن لا تترك الشعوب تجرب في مصائرها، لأن أمانة المعرفة تقتضي أن لا يتوانى من وضع المجتمع فيهم ثقته، عن زمام السير نحو النهضة والحضارة، على النحو الذي يضمن أعلى درجات المنفعة وأقل مستويات الخسائر.
والغريب أن بعض المثقفين الجادين لا يزالون يرون في هذه الوسائل العصرية فضاءات لا تليق بمكانة الثقافة، وكأن الثقافة لم توجد إلا لبطون الكتب النادرة المهجورة التي لا يعرفها إلا النخبة أو نخبة النخبة، حتى صار المثقف غريباً في مجتمعه، وكأنه يتكلم لغة غير لغة الناس الذين يعيش بينهم. ومردّ هذه
الحال هو التعقيد المقصود أو غير المقصود في لغة الثقافة، في تصور يكاد يكون مطرداً عند كثير منهم، ففي اعتقادهم أن تبسيط الخطاب المعرفي ليكون في متناول الناس قد ينزل بمستوى المثقف والثقافة، ولا يدركون أن الخطاب المعرفي البسيط الشعبي، أبقى على مدى الأيام وأعمق في مدى التأثير من التلوينات المبهمة الطلسمية.
ويثبت هذه النظرية البسيطة الواضحة، ما أحدثته مواقع التواصل الاجتماعي من تأثير كبير عظيم، عجزت عنه آلاف الأوراق الفلسفية المعقدة أو القصائد الملغوزة المعقدة، ليخرج في جيل الشباب والإنترنت تنويريون شباب يعرفون من أين تؤكل الكتف، ويتقنون لغة الجيل وحاجته وآماله ويبسطون أحلامه، ليصنع الجميع ما اعتقد، إلى زمن قريب، كثير من المثقفين أنه من المستحيلات، ورأينا كيف وقف الكثير من المثقفين ذاهلين أمام عظم موجات التغيير، وتساقط أحجار الدومينو السياسية الواحد تلو الآخر، أمام موجات الشعوب السلمية البسيطة.
آن الأوان لأن يعيد المثقفون نظرتهم إلى مخزونهم الثقافي أولاً، فيسعون إلى إخراجه وتمريره على حجر الواقع الشاحذ، ليتم تشذيبه وتقليمه وإعادة إنتاجه كمنتج سهل الهضم لغةً وعبارةً ومدلولاً، ثم أن يغيروا نظرتهم لمنابر التواصل الاجتماعي الجدية الجديدة، ويغتنموا فرصتها ليصلوا بهذا الخطاب إلى أوسع الشرائح الإنسانية، لأنهم عند ذلك يكونون قد أدّوا حق الثقافة والمعرفة في أعناقهم، وصنعوا من تراكم تجاربهم منارات أمام الجيل المنطلق المتدفق، ليحسن استثمار منجزاته أحسن استثمار، وحتى لا يقتنص خفافيش ظلام المعرفة هذه المكتسبات، فيحيلوها ويحرفوها عن مسارها الحقيقي التنويري الإنساني.
والمسألة، كما قلنا وأكدنا، لا تحتمل أنصاف الحلول، أو التردد، أو المساومة على الماضي أمام وفرة المستقبل، بل هي مسار إجباري في اتجاه واحد لا مناص منه، لمن يحترم ولاءه الاجتماعي وعَقده الإنساني مع ذاته ومعارفه، وبالطبع إنما نقصد في كل دعوتنا هذه، المثقف الحقيقي الملتزم، لا تجار الكلمات وبائعي الهمهمات!!
نقلا عن صحيفة البيان الاماراتية