رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

«وآفة حارتنا النسيان»!

جولة عربية

الأربعاء, 15 فبراير 2012 10:41
«وآفة حارتنا النسيان»!
عبد المنعم سعيد

في «أولاد حارتنا» - كما أذكر - قالها نجيب محفوظ أن «آفة حارتنا النسيان». كانت الحارة التي نشأت من منبع «الجبلاوي» فوق التل البعيد قد مر عليها عصور كثيرة، ولكنها في كل عصر كانت تنسى ما مضى من دروس وعبر. والحارة العربية هذه المرة لا يجري فيها النسيان عبر العصور، ولكن الذاكرة تضيع تماما عما جرى في عام؛ وإلا فكيف نفسر ما يجري في سوريا الآن حيث تدور آلة طحن قاتلة بلا هوادة دون ذكر لما جرى خلال شهور سبقت اشتعلت فيها الثورات بأنواع شتى يكون فيها عبر لمن لا يعتبر، ودروس لمن لا يعرف مدرسة ولا كتابا.

وببساطة فإن الشعوب العربية لم تعد على استعداد لقبول الطريقة التي حكمت بها طوال العقود الستة الماضية، أو الفترة التي لحقت بالاستقلال مباشرة حيث تحولت الدولة العربية الجديدة إلى نظام للحكم يقوده زعيم من نوع أو آخر، ومن ورائه أسرة فيها زوجة قوية أحيانا، وحوله طائفة من الساسة بعضهم من أقاربه وبعضهم الآخر من لاعقي الأحذية ومن هم على استعداد بألاعيب الحواة وأكروبات السياسة لكي يزينوا للحاكم وأهله أنهم مرسلون من العناية الإلهية لكي ينقذوا بلدا وشعبا وأحيانا معها أمة كاملة عربية أو إسلامية من المحيط إلى الخليج. مثل ذلك ومع نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين لم يعد مقبولا ولا يمكن التسامح معه؛ إلى الدرجة التي باتت فيها الشعوب على استعداد للاستشهاد وتقديم الدماء للتخلص من نظم لا يمكن وصفها إلا بالتخلف.
لقد عرف العالم أنواعا من «الاستبداد»، ولم يكن «لي كوان يو» في سنغافورة بالقائد الديمقراطي، بل إنه صراحة دعا إلى نوع من الديكتاتورية تحت ما سماه بالنموذج الآسيوي. ولم يكن الجنرال بارك في كوريا الجنوبية ديمقراطيا هو الآخر، واستخدم العداء التاريخي بين بلاده وكوريا الشمالية لكي يسيطر على شعب واقع تحت التهديد الشيوعي. وفعل الجنرال «بينوشيه» ذات الأمر في تشيلي بعد انقلاب دامٍ على القائد اليساري الديمقراطي «الليندي». ولكن كل هذه الديكتاتوريات، وغيرها كثير، أقاموا دولا ورخاء

وتقدما ونظاما سرعان ما أفرز - بعد عقود قليلة - طبقة وسطى واسعة انطلقت ثوراتها لكي تطالب بالديمقراطية وتحصل عليها. جماعتنا من الديكتاتوريين العرب كانت إنجازاتهم شحيحة، وكانت احتكاراتهم كبيرة، وكان فسادهم واسعا. وببساطة كان العفن معششا لا يبرره إلا أسطورة الاستقلال أو النضال ضد إسرائيل أو مؤامرات استعمارية من أنواع شتى وحتى خوف دائم من التقسيم والتشرذم.
الآن تدور آلة القتل في سوريا، وما نسمعه هو تماما ما سمعناه طوال العقود الماضية، وما دقت طبوله نظم عربية شتى بينما معاول الثورة تهز عرش النظام من أسفل، وتطيح بالقادة من أعلى. لم يكن هناك ثورة واحدة بل كانت هناك ثورات، وسواء كان هذا ربيعا عربيا أم لم يكن فقد كان هناك قرار استراتيجي لا نكوص عنه أن ما جرى خلال العقود الماضية لن يتكرر مرة أخرى حتى ولو كان الثمن التدخل الأجنبي، والتقسيم الجغرافي، والصراع الداخلي. وكان ذلك لأن «النسيان» بات آفة تلف بالقيادات والثوار معا وفي آن واحد. فالحقيقة هي أن الأمر لا يحتاج ذكاء كبيرا لكي يعلم بشار الأسد أنه سوف يرحل إلى غير رجعة، إما إلى المنفى إذا كان محظوظا، أو إلى القبر إذا كان مشؤوما، وهو من قبل ومن بعد سوف يكون واقفا أمام محكمة التاريخ لكي تحكم له أو عليه حسب ما يستجد من أحداث، وما ينزف من دماء. ولكن بشار الأسد لن يكون واقفا وحده أمام محكمة التاريخ وإنما ستكون معه المعارضة السورية التي سوف تسأل هي الأخرى عما أعدته لكي تتلافى ما جرى من قبل في العراق وليبيا واليمن وحتى في تونس ومصر.
التجربة الثورية ببساطة لا تتحمل آفة النسيان لأنها مرحلة بطبيعتها مريرة وذات تكلفة عالية ولكنها ضرورية لأن النظم الحاكمة
إما أنها استنفدت أغراضها أو أنها وصلت إلى طريق مسدود، وفي كل الأحوال فإن الشعب لم يعد يتقبلها. وسوف يكون النظام الحاكم حكيما إذا ما عرف أن اللحظة حانت وآن أوان الرحيل، وربما يقال الكثير عن زين العابدين بن علي أو عن حسني مبارك، ولكنهما في النهاية غادرا الحكم حينما عبرت الإرادة الشعبية بطريقة لا لبس فيها أنه لم يعد مقبولا استمرار النظام. ولكن القذافي وعلي عبد الله صالح وبشار الأسد خاضوا طريقا آخر من العنت والجبروت والاستعداد للمضي في الطريق إلى آخره على أجساد الضحايا والشعب الذي أقسموا على حمايته ورعايته.
النتيجة في كل الأحوال واحدة، ولكنها حتى لا تصيبنا آفة النسيان فإن الحارة لا تنتهي قصتها عند ذهاب المستبد بل إنها ربما تبدأ من جديد في جولة جديدة تسير فيها جماعة أو جماعات من القادة الجدد وهؤلاء بدورهم عليهم أن يتذكروا ويتعلموا من تجارب سبقت وأجيال لحقت، وكلها أفرزت دروسا وعبرا. لن نعيد قصة ما جرى في الجزائر ذات يوم، وما حدث في العراق منذ سنوات، ولكن القريب من الزمن فيه ما يشيب لهوله الولدان، فالثورة هي الأخرى أشبه بانفجار المفاعلات النووية التي تقلب مجتمعاتها رأسا على عقب. ويوجد كثير من الصحة في ذلك القول الشائع في مصر أن الثورة أخرجت أفضل ما في المصريين وأسوأ ما فيهم. وهؤلاء دخلوا برزخ التغيير وتفاعلاته الصعبة بين الشرعية والميدان، وبين الدولة والثورة، وبين سكة السلامة وسكة الندامة وسكة ذلك الذي يذهب ولا يعود.
السوريون ربما يكونون أفضل حالا من الجميع حتى ولو كانوا الأسوأ حالا من حيث عدد القتلى والجرحى والمدن المدمرة وشراسة التعذيب وفجر الاستبداد؛ وذلك لأنهم يملكون فرصة تشكيل مستقبلهم من الآن. وإذا كان على الشعب السوري أن يقاتل باليد لإسقاط النظام، فإن عليه أن يفكر بالعقل ما الذي سوف يفعله بعد سقوط النظام. فقائمة الحارة العربية باتت معروفة، ومن يتذكرها سوف يجدها موجودة في الطرقات، فهناك حاجة لقيادة موحدة في الفترة الانتقالية، ولا يوجد معنى للصراع والمنافسة بين المجلس الوطني واللجان التنسيقية، وهناك حاجة أخرى إلى دستور، وهناك حاجة ثالثة للتعامل مع الأقليات وطمأنتها، وهناك حاجة رابعة لتحديد الطريقة التي يتم بها التعامل مع النظام القديم بما فيها نوازع الانتقام الذي لا يبقي متهما ولا بريئا، وهناك حاجة خامسة إلى معرفة النظام المراد بناؤه وموقع أجهزة الأمن والإعلام فيه، وباختصار أدوات القمع التي استخدمها النظام الذي راح. ساعتها سوف ينتهي الجهاد الأصغر ويبدأ الجهاد الأكبر وعندها فإن الذكرى تنفع المؤمنين.
نقلا عن صحيفة الشرق الاوسط