رئيس حزب الوفد

بهاء الدين أبو شقة

رئيس مجلس الإدارة

د.هانى سري الدين

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الأزمة المصرية - الأمريكية إلى أين؟

جولة عربية

الاثنين, 13 فبراير 2012 12:00
الأزمة المصرية - الأمريكية إلى أين؟عبدالله السويجي
بقلم - عبدالله السويجي

في التاسع عشر من ديسمبر/ كانون الثاني الماضي ،2011 قامت قوات الأمن المصرية باقتحام مقرات 17 جمعية أهلية محلية ودولية

ومصادرة أجهزة كمبيوتر ووثائق، ومن بين المنظمات الأمريكية “المعهد الديمقراطي الوطني” و”المعهد الجمهوري الدولي” و”فريدوم هاوس” و”مؤسسة كونراد أديناور” الألمانية، وقرر القضاء المصري بعد دراسة القضية وتداولها تقديم 44 شخصاً من بينهم 19 أمريكياً أو يحملون الجنسية الأمريكية وآخرون أجانب إلى المحاكمة، وأدى هذا الأمر إلى نشوب أزمة خلال الأسبوع الماضي بين مصر والولايات المتحدة، بشأن تمويل منظمات أمريكية لمنظمات غير حكومية مصرية بطريقة غير قانونية، وقد وصل الأمر إلى التهديد بالقطيعة بين البلدين ووقف المساعدات المالية السنوية التي تقدمها أمريكا لمصر وتبلغ 3 .1 مليار دولار عبارة عن مساعدات عسكرية . وللغرابة، كان رد الفعل الأمريكي عنيفاً بشكل غير مسبوق، إذ حذر ثلاثة أعضاء في مجلس الشيوخ الأمريكي الثلاثاء الماضي مصر من الملاحقات القضائية ضد مسؤولين في جمعيات أجنبية، محذرين من خطر قطيعة كارثية بين البلدين . وجاء في بيان لأعضاء مجلس الشيوخ الثلاثة، الجمهوريان جون ماكين وكيلي إيوت والمستقل جو ليبرمان، أن “الأزمة الحالية مع الحكومة المصرية وصلت إلى مستوى أصبح يهدد معه صداقتنا منذ زمن طويل”، وطلب البرلمانيون الثلاثة من القاهرة إنهاء الملاحقات ضد العاملين في الجمعيات الأهلية الأمريكية وإعادة مقتنياتهم والسماح لهم بمغادرة البلاد . واتهموا خصوم الولايات المتحدة داخل الحكومة المصرية بإذكاء التوتر وإثارة الرأي العام لأهداف سياسية ضيقة . المدهش في الأمر يتمثل في كلام السيناتور ماكين حين قال “إن مصر لا تستطيع التصرف وحدها في هذا الأمر”، أي أن السناتور يريد أن تشاركه القيادة المصرية في شأن قضائي، وفي قضية يحاسب عليها القانون الأمريكي ذاته!

من جهتها ردت مصر على التهديدات الأمريكية رداً اعتبره المراقبون فيه الكثير من التحدي، وذلك حين قال الدكتور كمال الجنزوري، رئيس الحكومة المصرية، إن بلاده لن

تغيّر موقفها في قضية التمويل الخارجي للمنظمات غير الحكومية بسبب التهديدات الأمريكية بقطع المساعدات، وأضاف الجنزوري في مؤتمر صحفي الأربعاء الماضي، أن القضية تخضع لأحكام القضاء، مشيراً إلى أن المنظمات ذات التمويل الأمريكي والمنظمات غير الحكومية الأخرى يجري التحقيق معها لانتهاكها القوانين المصرية، بما في ذلك عدم التسجيل وتلقي أموال أجنبية بطريقة غير قانونية، وقال أيضاً: “مصر ستطبق القانون في قضية المنظمات غير الحكومية ولن تتراجع بسبب المساعدات أو غير ذلك من الأسباب” .

أظهرت برقيات حصل عليها موقع “ويكيليكس” من بينها الوثيقة رقم ،66342 بتاريخ فبراير/ شباط 2006 أن الولايات المتحدة دفعت 600 مليون دولار إلى منظمات تدعو إلى الديمقراطية في مصر وحركات شبابية، وجاء في برقية تحمل رقم 0076523 بتاريخ ديسمبر/ كانون الأول 2010 مسربة صادرة عن السفارة الأمريكية في القاهرة أن الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (يو . إس . إيد) خصصت مبلغ 5 .66 مليون دولار في عام ،2008 و75 مليون دولار في عام ،2009 لبرامج مصرية لنشر الديمقراطية والحكم الجيد من خلال تمويل منظمات حقوقية وجمعيات أهلية وحركات شبابية، وجاء في البرقية التي تحمل رقم 0067832” بتاريخ يناير 2006 صادرة عن السفارة الأمريكية في القاهرة أن برامج الحكومة الأمريكية تساعد على إنشاء مؤسسات ديمقراطية وتقوية أصوات الأفراد من أجل إحداث التغيير في مصر” .  وجاء في برقية أخرى برقم 0087432 بتاريخ ديسمبر 2008 أن الأموال التي أنفقتها الولايات المتحدة على نشر الديمقراطية كانت تستهدف برامج تديرها المنظمات الأهلية المصرية والأمريكية العاملة في الميدان، وبحسب برقية بتاريخ 28 فبراير/ شباط 2008 أرسلت وزيرة التعاون الدولي المصرية فايزة

أبوالنجا رسالة إلى السفارة تطلب فيها من “يو . اس . ايد” التوقف عن تمويل عشر منظمات “لأنها غير مسجلة كمنظمات معتمدة من الحكومة المصرية” .

وفي الوثيقة رقم 002473 وهي برقية من السفارة الأمريكية بالقاهرة إلى الإدارة الأمريكية، تشير إلى أن عدداً من الشباب المزمع أن يقوموا بالثورة المصرية، سيقومون بالسفر إلى اسطنبول، لحضور ورشة عمل بمقر متحف الشرقيين عن آليات التحوّل الديمقراطي في مصر وقواعد العمل السياسي، وتذكر البرقية المرسلة من “آن باترسون” السفيرة الأمريكية بالقاهرة إلى جون كيري عضو الكونغرس الأمريكي، أن الأمور تسير على ما يرام .

الخلاف يتفاقم يوماً بعد يوم، وربما يتصاعد في المرحلة المقبلة، وتسخن أمريكا انتقاداتها للمجلس العسكري وحكومة الجنزوري، ولديها على الأرض (في مصر)، ما يجعلها تسنّ أسنان حقوق الإنسان، وعدم استخدام القوة ضد المتظاهرين، وقد تتعامل مع الحكومة الحالية كما تعاملت مع الرئيس مبارك، وكل ذلك يصب في أن تبقى أكبر الدول العربية وأقواها في حالة فوضى عارمة، لا تستقر ولا تهدأ، وهذا هو المطلوب أمريكياً وصهيونياً، وهناك من يغذي هذا التوجه في الداخل المصري، وليس شرطاً بهدف خدمة أجندة خارجية، فالوضع الداخلي منقسم انقساماً شديداً بين الإخوان المسلمين وبين السلفيين، ويظهر كلما انعقد مجلس الشعب، وبين الاتجاه الإسلامي والليبرالي والديمقراطي، فوجود حكومة إسلامية يعني حصول جدل لا ينتهي، ثم إن انقسام أطراف المعارضة لا يجعل الهدوء يأخذ مجراه، كما يحدث في ليبيا والعراق وما يحدث أو سيحدث في سوريا .

الأزمة المصرية الأمريكية معرضة للتصعيد، وربما يدخل الكيان الصهيوني على الخط، بما أن هذا الكيان هو وكيل السياسة الأمريكية في المنطقة، وبالتالي، قد تتعرض مصر لحملة أمريكية غربية، يتبعها وقف الدعم، ووقف القروض مع صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي، وتحذير السياح من الذهاب إلى مصر، حتى تعود مصر إلى (رشدها) مرة ثانية، وتواصل نهجها القديم .

سيبقى العالم العربي محط أنظار وأطماع الآخرين، ولاسيما من قبل الدول الأوروبية والولايات المتحدة، بسبب خيراته المتمثلة في النفط، والموقع الاستراتيجي، وبسبب وجود الكيان الصهيوني في قلبه، ولا أعتقد أنه مرّ وقت على العرب يكونون فيه في حاجة إلى التنسيق في ما بينهم، أكثر من هذا الوقت، وأن يعوا ماذا يدور خلف ظهورهم، وفي النهاية، أثبتت الأحداث صدق المثل الشهير: (ما حك جلدك مثل ظفرك . .فتول أنت جميع أمرك).
نقلا عن صحيفة الخليج الاماراتية