رئيس حزب الوفد

بهاء الدين أبو شقة

رئيس مجلس الإدارة

د.هانى سري الدين

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الربيع العربي وبلورة العولمة برؤية إسلامية جديدة

جولة عربية

السبت, 11 فبراير 2012 09:30
الربيع العربي وبلورة العولمة برؤية إسلامية جديدة
كامل أبو صقر

في نهاية القرن العشرين من الألفية الثانية، سجلنا في كتابنا "العولمة.. رؤية إسلامية"، أن القرن الأول من الألفية الثالثة سوف يكون قرناً إسلامياً، وأن النموذج الأميركي للعولمة سوف يتلاشى تدريجياً، ليحل محله في الثلث الأول من القرن الحادي والعشرين النموذج الصيني للعولمة، والذي سميناه في ذلك الوقت "نموذج البامبو للعولمة"، تشبيهاً له بشجر البامبو الذي ينمو بسرعة في البيئة المناسبة.

وها هو نموذج البامبو لم يتوقف عن النمو منذ أواخر تسعينات القرن العشرين، وبدا الآن هو المنقذ للعالم من أزمته الاقتصادية، فهو أكبر دائن للنموذج الأميركي، وهو الآن يتدخل لإنقاذ النموذج الأوروبي من أزمته وأوروبته.
وقلنا إن العرب هم الوحيدون القادرون على بلورة نموذج إسلامي للعولمة، قادر على منافسة النماذج الأخرى واحتوائها، بحكم مركزهم الديمغرافي والإرث الحضاري وما سبق أن قدموه للإنسانية، وأنهم سيكون بمقدورهم استلام دفة العولمة من النموذج الصيني في الثلث الثاني من القرن الحادي والعشرين. و
لن يكون دورهم فقط مقصوراً على نقل العلوم والابتكارات والمنتجات من الصين إلى أوروبا وأميركا، كما حدث في الماضي عن طريق الأندلس، بل سيكونون جاهزين هذه المرة لاستيعاب التكنولوجيا وتفعيلها تجارياً، وحمايتها واستثمارها، والمحافظة على المركز القيادي للعالم بعولمة ذات رؤية إسلامية جديدة صالحة لكل العالم. وها هو الربيع العربي يضع أولى لبنات العولمة ذات الرؤية الإسلامية، ليكون القرن الحادي والعشرون قرناً إسلامياً.
إن الانعتاق من العبودية، وبشكل خاص من الحكام المستبدين ومن قيود الماضي والتطرف الأعمى، قد بدأ في نهاية العقد الأول من القرن الجديد.
فمن تونس الخضراء بدأت خضرة الربيع تنفلت من الأرض العطشى للحرية، ليتدفق بعد ذلك من مياه نيل مصر، والتي أذهلت العالم بربيعها وأنموذجها الجديد الخاص بالثورات، وصحوتها والبدء في تلمس قدراتها الذاتية، وليبيا التي انعتقت من عبودية الفرد لتبدأ بالولادة من جديد، وها هو الربيع العربي قد

أصبح مولوداً جديداً في شمال إفريقيا العربي، ليفرز لبنات النموذج الإسلامي للعولمة. فهذه الحركات الإسلامية التي فازت بالانتخابات وتفوز الآن أيضاً، سوف تقوم بتجديد ذاتها لتتمكن من فلترة ما علق بها على مدار السنين، ولتبلور النموذج الإسلامي الجديد.
ورغم أن الربيع العربي ما زالت ولادته متعثرة في الشرق العربي، لكنه سيولد في النهاية من رحم هذا الخريف والشتاء، وقبل نهاية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، ويقوم بدوره في الاستواء والنضج والرشد، ليتهيأ لبلورة الأنمودج الإسلامي للعولمة، مستنداً على نقاط القوة، وعلى رأسها الإنسان الذي هو بحق مركز الكون، والكتاب الذي كرم الله عز وجل العرب بحمله، ليكون لهم ذكراً وسمعة وحضارة وقدرة لعولمة العالم. أضف إلى ذلك مورد النفط وهو عصب الحياة للعالم، والموقع الجغرافي، ومخزون الإرث الإنساني الحضاري الإسلامي.
فالربيع العربي قد تنفس وسيمتد إلى أطرافه الإسلامية، وإلى المستضعفين في الأرض، ويقدم للعالم النموذج الرباني للعولمة ذات الرؤية الإسلامية، التي تجمع القواسم المشتركة بين الأديان السماوية الثلاثة، وهي الآلية التي يمكن أن تكون أساساً من أساسات الربيع العربي للانطلاق نحو عولمة العالم.
أضف إلى ذلك آلية العفو والأخذ بالعرف، القائمة على التآلف مع الثقافات الأخرى والأمر بالعرف، وهو الثقافة المحلية لكل أمة أو بيئة، فهذا كان أحد أسباب نجاح العرب عندما حملوا راية الإسلام، فكانت الدولة الإسلامية الكبرى ممن اتبعوا الإسلام، بناءً على هذا التآلف بين الإسلام وبين ثقافتهم المحلية، ودون قتال أو حرب.
إن النموذج الأوروبي للعولمة قد اندثر، وحل محله النموذج الأميركي بعد أن تفكك الاتحاد السوفييتي وانهدم جدار برلين،
وتفردت أميركا بقيادة العالم لتنشر هذا النموذج الأميركي القائم على قتل كل من يقف أمامها، وقد آن لهذا النموذج أن يتوقف بعد أن ضعف اقتصادياً وأصبح يعاني من البيروقراطية، وبعد ولادة الربيع العربي الحامل والحالم بالنموذج الإسلامي للعولمة، القادر على تفعيل النظم لانبثاق نظم جديدة تبادلية، وبدء الانتشار لإزاحة العولمة المالية التي تزيد الأغنياء غنى والفقراء فقراً، فكان هذا الربيع يستلهم قدرة المستضعفين في الأرض على تنظيم انتفاضتهم، في أكثر من ثمانين مدينة ومقراً مالياً عالمياً في الوقت نفسه.
إن خيار الربيع العربي هو أن يبلور النموذج الإسلامي وفق خصوصيته، ولكن قبل ذلك يجب تفعيل مبدأ الجنة قبل الكلمات، ونقصد الناحية الاقتصادية، ليكون الربيع العربي ربيعاً لديه مقومات الحياة الأساسية، والحد من البطالة والأخذ بنظرية الإدارة كأسلوب تطوير داخلي لهذا الربيع، دون تقليد أو تماهٍ مع نماذج العولمة الموجودة أو البائدة. فالنموذج الأميركي أصبح ضعيفاً اقتصادياً ومديناً للصين، التي تتقوى عسكرياً واقتصادياً بما يدفعه لها الأميركان من فوائد على قروضها.
أضف إلى ذلك أن النموذج الأميركي تنهشه الآن البيروقراطيه والتسيير الكمي، وهو عرضة في أي وقت للإفلاس، سواء على مستوى الولايات أو الشركات، الأمر الذي سيعود به إلى ما كان عليه من تشرذم وانقسام وتفكك، وحتى حروب أهلية، بعد أن تعلن الحكومة الاتحادية عجزها عن سداد ديونها التي بلغت حوالي 99% من الناتج القومي.
من أجل هذا، فإن بلورة النموذج للربيع العربي قائم على رؤية إسلامية جديدة، مع وضع رؤية استراتيجية مستلهمة من قدرة ربيع شباب العرب على التجديد والابتكار، على أساس تحسين ما هو موجود، بعد تطويره وتخصيبه، حتى لا يكون الربيع العربي لاعباً من دون نموذج، كما كنا قبله.
لا بد من بلورة هذا النموذج ورسم معالمه على أسس الحرية والانعتاق وعدم الفساد، والأخذ بالعفو والأمر بالعرف وما تعارف عليه الناس. أما بالنسبة للمسائل غير المغطاة بالأعراف المحلية، بالإضافة إلى المعلومات والشفافية والجودة والتجويد بالتقوى والإحسان.
وبعد الحرية يأتي الإبداع، تمهيداً لعولمة العالم والمحافظة على النظم التي تساوي التمكين في الأرض، ولتسود نظم الحق والعدالة على الباطل والظلم، من أجل حماية العالم من عولمة الفسق والفجور، وعولمة التحريف والتبسيط والتهوين من شأن الثوابت، من أجل حماية نظم الاختلاف والتنويع والمنافسة، والتي جميعاً تحصن العالم من الفساد.
نقلا عن صحيفة البيان الاماراتية