رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

تونس الشريدة

جولة عربية

السبت, 04 فبراير 2012 10:24
تونس الشريدة
محمد صالح مجيد

في تونس ما بعد الثورة منَ الشّقاق والتباين بين الأطياف السياسيّة ما ينبئ بدخول البلاد في مستنقع الصراعات الأيديولوجيّة التي سرعان ما تتحوّل إلى سهام مسمومة تخطئ أهدافها لتصيب البلاد في مقتل وهي الخارجة للتوّ من جحيم الدكتاتورية الذي امتدّ على أكثر من خمسين سنة في تونس اليوم حرب كلاميّة ومناظرات خطابيّة من اليمين إلى اليسار على أشدّها. . وشوارع تُجَيّش ُ في حملات استعراض قوّة انخرطت فيها كلّ التيارات السياسيّة . .

ومن غزوة كليّة الاَداب ’منوبة’ إلى واقعة محاكمة القناة ’الضالّة’ نسمة مرورا بإمارة ’سجنان’ وصولا إلى حملات السيطرة على المساجد من أطياف دينيّة تتصارع على المنابر، يتأكّد يوما بعد يوم أنّ تضاريس البلاد السياسيّة و’الإتنيّة’ سائرة نحو تغيير يُرادُ له أن يكون جوهريّا ،وتنذر بانفجار من شأنّه أن يهدّد بعض الثوابت في الشخصيّة التونسيّة ،ويجرف التربة التي ظنّ الجميع أنّها ثابتة رغم تعاقب الحضارات على هذه الرقعة الجغرافيّة من العالم. ويصاحب هذا التلوّن والصراع السياسيّ والفكريّ والعقائديّ انحدار قويّ نحو الأسفل يهدّد بسقوط البلاد في هاوية من المتاهة لا أحد يمكن أن يتنبّأ بتفاصيل نهاياتها ولكن يمكن الجزم بأنّها لن تكون إلا كارثيّة.

ويكشف المشهد السياسيّ في تونس الاَن عن حكومة متردّدة تائهة لا تملك القدرة على الحسم والمضيّ نحو تحقيق استحقاقات هذه الثورة. وهي تبدو عاجزة إلى حدّ الاَن عن حلحلة الوضع الحسابات السياسيّة الضيّقة لإعادةويغلّبون المصلحة العامّة علىدولة يتسمون بالشعور بالمسؤوليّة،هذا الظرف الخانق لا بدّ من ظهور رجاليعسّر ضخّ الأمل بتحسّن الأوضاع. وفيأمست بركانيّة تهدّد بانفجار قريبالتحالفات داخل المجلس التأسيسيّوقد تبيّن بما لا يدع أيّ

مجال للشك أنتجاري’ خاص بهم. لأنفسهم أن يتعاملوا معه على أنّه ’أصلوكلاء وأوصياء على الدين و سمحوابصراحة عن بعض مَن نصّبوا أنفسهمباتخاذ إجراءات حاسمة تجيب فيهاحصوله على شهائد جامعيّة، وأن تبادروإلى الشباب الباحث عن عمل رغمتطمين إلى رجال الأعمال المتردّدين،بحكم صلاحياتها هو أن تبعث رسالةعلى أنّ المطلوب من الحكومة الاَنتصاحب تحرّك الحكومة. الفساد تبريرا لحالة العجز التيالتنظير والتركيز على خمسين سنة منظهروا فيه، أن يلوكوا خطابا يجنح نحوالحكومة من خلال المنابر الصحفيّة التيورغم ذلك اختار بعض وزراءعلى الانتقاء وتحديد سلّم الأولويات. فاخر لم يألفه فعلته بهتة وبدا غير قادرالحكومة هذه الأيّام بالقادم على طعام’حكومة تصريف أعمال’. وما أشبهبرنامجا و لم تتجاوز إجرائيّا- صفةوكأنّ هذه الحكومة’الوفاقيّة’ لا تملكالقرارات حتّى بدا للمواطن البسيطالأرض . وقد طغى التذبذب على اتخاذتصحيحيّة ناجعة،وقابلة للتحقّق علىواضحة تبني على أساسها برامجالمنتخبة لا تستند إلى رؤية اقتصاديّةيزيد الوضع تعقيدا أنّ هذه الحكومةصفوف شباب بلغوا مرحلة اليأس . ومماجرعة من ’أوكسيجين’ التفاؤل فيالمتأزّم اقتصاديّا واجتماعيّا،وضخ توزيع الأدوار، والعودة إلى مربّع التوافق الموسّع . وما أحوج البلاد إلى أن تعود إلى الأجواء التيّ أنتجت جبهة ’18أكتوبر’. وتأكّد أن ما تعيشه البلاد يصيب أمل إنقاذها في مقتل ويهدّد بانقلاب هذه الثورة إلى جحيم اقتصاديّ واجتماعيّ. . المطلوب إلى الإسلاميين واليسار اليوم الجلوس خارج أسوار المجلس التأسيسي للنظر في مستقبل البلاد بعيدا عن المشاحنات والمزايدات.

وعلى الأغلبيّة أن تتخلّى عمّا فُهمَ منه رغبة في الاستحواذ على كلّ دواليب السلطة. وعلى المعارضة أن تتخلّى عمّا يجرّ إلى الاعتقاد بأنّها تعارض من أجل المعارضة وعرقلة سير الحكومة. إنّ البلاد الاَن بحاجة إلى كلّ أبنائها لتقرير المصير والعمل معا على إنجاح الثورة التي لم تكتمل بعد، رغم الاختلافات السياسيّة والأيديولوجيّة. سكّة قانونيّة ودستوريّة صلبة إلىمحطّة مفصليّة لوضع قطار البلاد علىتحوّل انتخابات المجلس التأسيسيّ منالسلطة بعد حالة الفراغ. و نتج عن ذلكاستعجالُ كلّ طرف سياسيّ لمسكلقد جرّ إلى هذا الوضع المتأزّم استجداء سخيف لعطف المواطن البسيط بوعود كاذبة مزيّفة سرعان ما اكتشف هذا المواطن زيفها،فنزل إلى الشارع غاضبا ومهدّدا مستنكرا تبخّر انتظاراته.

لن تكون هناك ضحيّة غير ’تونس ’ في نهاية هذه المعارك السياسيّة والأيديولوجيّة التي تحوّلت إلى نار قد تأتي على كلّ ما يمكن أن يبشّر بصباح جديد يبدّد ظلمة الحاضر. إنّ تونس اليوم تئن تحت نير السهام التي تتعاورها يمينا ويسارا. والمصلحة العامة تقتضي التفكير في خارطة طريق وفاقيّة ترتقي فيها الأحزاب عن اختلافاتها وصراعاتها من أجل بناء وطن يكرّس الاختلاف البنّاء والتعدّديّة الإيجابيّة التي تخصّب التربة وتعزّز الأمل بغد أفضل تعيش فيه كلّ الأطراف المختلفة وتختلف فيه دون أن تفقد بوصلة العمل من أجل تونس وجعله فوق كلّ اعتبار.

إنّ الأمل في تحرّك القوى السياسيّة نحو مزيد التوافق من أجل تونس لم ينقطع . وما على الطرف المهيمن في الائتلاف الحكومي إلا أن يتخلّى عن رغبته في الهيمنة على المشهد السياسيّ التي تجلّت من خلال عدد وزارئه في الحكومة المعلن عن أسمائهم صراحة والمخفيين، ومن خلال تجييش الشارع بعناصره كلّما احتاج إلى جرعة دعم. وفي المقابل على المعارضة أن تتوحّد دون أن يكون هدفها الدخول في صراع مع هذا الطرف المهيمن في الحكومة. لأنّ تحالفاتها كثيرا ما فُهمت على أنّها اصطفاف لمواجهة طرف بعينه والحال أن التوافق والائتلاف يجب أن يكونا من أجل بناء مشترك لتونس الديمقراطية الحداثيّة التي لا تنكر ماضيها ولا تلعن مستقبلها. عن (القدس العربي)
نقلا عن صحيفة الوطن الاماراتية