رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الرئيس أم الدستور أولا؟

جولة عربية

السبت, 04 فبراير 2012 10:23
الرئيس أم الدستور أولا؟
سعيد السني

على صفحته الشخصية بموقع تويتر للتواصل الاجتماعي، وفي تدويناته طلب المدير العام السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وحائز جائزة نوبل للسلام، الدكتور محمد البرادعي، من البرلمان المصري، أن ينتخب من بين أعضائه فورا رئيسا موقتا لمصر، قبل الشروع في تشكيل لجنة كتابة الدستور الدائم للبلاد، وعلى أن يعقب الدستور، انتخاب برلمان ورئيس للجمهورية.. البرادعي أيضا هو زعيم الجمعية الوطنية للتغيير بمصر، ومرشح منسحب من سباق الانتخابات الرئاسية، احتجاجا على ما يصفه بـ «تخبط» سياسات المجلس العسكري الحاكم بمصر، وقد جاء مطلبه متزامنا مع ارتفاع الأصوات الشبابية الثورية، المنادية في «ميدان التحرير» والميادين الأخرى، بتسليم السلطة للمدنيين، وإقصاء المجلس العسكري عن الحُكم، ومع ذكرى مرور عام على اندلاع ثورة 25 يناير التي أسقطت الرئيس حسني مبارك ونظامه، يوم 11فبراير من العام الماضي، ومن ثم فإن دعوته لاقت ترحيبا شديداً، وسط هذه القوى الثورية المصطلح على تسميتها «قوى الميدان» التي لا تمل الهُتَاف بشعار «يسقط يسقط حُكم العسكر».

قبل البرادعي وعلى مدار الأسابيع الثلاثة الماضية، فإن الفقيه القانوني طارق البشري رئيس اللجنة التي كلفها «العسكري» إعداد التعديلات الدستورية عقب قيام الثورة، دعا هو الآخر، عبر حوارات تلفزيونية وصحافية عدة، لاختصار مراحل وزمن انتخابات مجلس الشورى، يعقبها فورا، تشكيل لجنة كتابة الدستور، وفتح باب الترشح لـ «الانتخابات الرئاسية»، وعلى أن تجرى «أولا»، و «قبل» كتابة الدستور، وغير هذا وذاك، تنادى قوى الميدان، بتسليم السلطات الباقية مع العسكري، وهي سلطات رئيس الجمهورية إلى «رئيس البرلمان» فورا، ويتولى هذا الأخير سلطات رئاسة الجمهورية إلى جانب رئاسته للبرلمان، مع ملاحظة أن رئيس البرلمان هو «إخواني».
المشير محمد حسين طنطاوي رئيس المجلس العسكري، وعقب محاولات اقتحام وزارة الداخلية، في شهر نوفمبر الماضي، والمعروفة إعلاميا بـ «موقعة محمد محمود»، كان قد تعهد في شهر نوفمبر الماضي بتسليم سلطات البرلمان فور انعقاده، وهو ما حدث بالفعل يوم 23 من شهر يناير

الماضي، أثناء انعقاد أولى جلسات البرلمان، كما تعهد المشير يومها بإجراء انتخابات الرئاسة قبل نهاية شهر يونيو المقبل، وعارضا أن يتنحى «العسكري» فورا عن السلطة، إذا وافق الشعب على ذلك عبر استفتاء عام.
هكذا يبدو «المشهد السياسي المصري» مرتبكاً بشدة، وتُمزقُه الانقسامات الحادة، وربما أن كل هذا الارتباك، يرجع إلى أن الانتخابات البرلمانية جرت قبل كتابة الدستور، إذ المُعتاد هو أن يكون إعداد «الدستور» أولا، كي يتحدد النظام المراد والأسس التي يقوم عليها، وشكل الحياة التي يريدها المجتمع، وبعدها تكون «الانتخابات» لإعادة بناء مؤسسات الدولة بما يتوافق مع الدستور الجديد، إلا أن لجنة البشري وبدلا من ذلك، جعلت «الانتخابات» أولا قبل الدستور، وهو ما جاء لصالح «جماعة الإخوان المسلمين»، إّذ ان «الأحزاب» القديمة كلها تكاد تكون سقطت مع النظام، بينما الجديدة و الثورية تحتاج إلى وقت للتواجد، والكل يعلم أن «الإخوان» هم التنظيم السياسي «الوحيد» الذي كان جاهزاً لخوض الانتخابات، ومؤهلاً للفوز، رغم أنه كان محظورا من الناحية القانونية قبل الثورة، ولعل جهوزية الإخوان ترجع لمجموعة من الأسباب ليس مجالها الآن.
وعودة لـ «مطلب» البرادعي بتعيين رئيس موقت للجمهورية، وكتابة الدستور، ثم حل البرلمان، بدلا من «الرئيس» الذي ينتخبه الشعب مباشرة قبل نهاية شهر يونيو المُقبل، طبقا لتعهد المشير، فهذا الذي يطلبه البرادعي يتعارض بشدة مع الإعلان الدستوري القائم حاليا، ويفتح الباب واسعا لصراعات قد تكون مصحوبة بالعنف، نتيجة هدم ما تم بناؤه، والبدء من نقطة الصفر..ذلك أن الإخوان، والسلفيين، والجماعة الإسلامية، والذين يمتلكون نحو 70 في المئة من مقاعد البرلمان، يتوافقون مع المجلس العسكري، ويؤيدونه، فيما قرره من إجراء لانتخابات الشورى وكتابة الدستور،
ثم رئاسة الجمهورية في موعدها المقرر، قبل نهاية يونيو المقبل، وهذه «القوى الإسلامية» أعلنت أخيرا، أنها لا ترغب ولا تنوي الصدام مع العسكري، كما أنها لا تقبل «مطلب البرادعي» لأنه يعني «حل البرلمان» وتجريدها من إنجازها بالاستحواذ على الغالبية البرلمانية، وهي لا توافق أيضا على فكرة الرئيس الموقت للجمهورية، بل وقد رفض الإخوان أن يكون رئيس البرلمان، وهو منهم، رئيسا للجمهورية، وهذا الرفض توافق مع رؤية العسكري واتفاق، وربما تحالف خفي، إذ المعلوم ان «العسكري»، لا يقبل تسليم رئاسة الجمهورية إلى الإخوان، هكذا ومن دون انتخابات، كما أنه ربما يؤيد ويُفَضل مرشحا مدنيا له خلفية عسكرية.
أما عن دعوة «البشري»، لتقديم وتسريع الانتخابات الرئاسية قبل إقرار الدستور.. فإن أي باحث موضوعي دارس للقانون يعلم جيدا أن «البرلمان» بمجلسيه (الشعب والشورى)، يُمكن أن يتعرض للحل، عقب إقرار الدستور المنتظر، لأن البرلمان منتخب في ظل الإعلان الدستوري الحالي والصادر بمرسوم عسكري في 30 مارس الماضي، كما أنه لا يجوز للبرلمان أن يستمر حال «ميلاد» الدستور المنتظر، إذ ان هذا الميلاد يعني وفي نفس اللحظة إعلاناً بـ «وفاة» الإعلان الدستوري الحالي، الذي هو بطبيعته «انتقاليا»، ويكون البرلمان المنتخب على أساسه «انتقاليا» أيضا، وإذا تم الأخذ بدعوة البشري، وانتخاب الرئيس الآن، قبل الدستور، فإن الرئيس يمكن أن يسقط أيضا مع البرلمان، بميلاد الدستور المُنتَظر، ولعل أبسط ما يمكن أن يُساق من براهين قانونية في هذا المجال، هو أن الرئيس المنتخب أقسم فور انتخابه على احترام الإعلان الدستوري الحالي (الانتقالي)، بينما هو سيعمل في ظل دستور جديد مختلف تماما ودائم، وهو لم يُقسِم على احترامه، ناهيك عن الاختصاصات الموكولة للرئيس في الدستور المُنتَظر، لابد وإنها تختلف عن الانتقالي القائم حاليا..ويكون السؤال الجوهري هو.. أليس من الأفضل أن نكتفي بما يمكن أن يواجهنا من مأزق دستوري حول «شرعية البرلمان»، ويكون لدينا رئيس ننتخبه قبل نهاية يونيو المقبل، في ظل الدستور الجديد والدائم؟، أم نسير وراء البرادعي والبشري وقوى الميدان، وبعد أشهر قليلة، نجد أنفسنا مع ميلاد الدستور الجديد في حالة فراغ رئاسي وبرلماني؟ ونبدأ من الصفر مجدداً، وندخل في دوامات الانقسامات والصراعات، نتيجة سقوط الشرعية عن البرلمان والرئيس؟، غير أنه لا يفوتنا أن الأمور إذا سارت على هذا النحو المقترح، فإن هذا يعني تسليم مصر باباً وشباكاً ومفتاحاً، للإخوان المسلمين، وربما يشركون معهم السلفيين في ملكية مصر.

 


نقلا عن صحيفة الرأى الكويتية