رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

سوريا: هل سينتصر النظام؟

جولة عربية

الأربعاء, 25 يناير 2012 10:54
سوريا: هل سينتصر النظام؟
ميشيل كليو

بمعيار الممكنات، فإن احتمال انتصار النظام وارد تماما. ولكي لا يصير واقعيا، أي كي لا تتحقق لهذا الاحتمال العناصر الضرورية التي تجعله يتحقق، لا بد من التسليم بإمكانية حدوثه والعمل ضدها بوعي وتصميم في آن معا، كي لا تنتقل من طور الممكن - المحتمل - إلى طور الواقعي المتحقق. مثل هذا القول ينطبق على انتصار الثورة الشعبية، الذي هو احتمال لا بد من خلق شروط تحققه كي يصير واقعيا بدوره.

أعود إلى السؤال: هل انتصار النظام السوري ممكن؟ وأجيب بـ«نعم» صريحة. إن انتصار النظام محتمل تماما، إلا إذا ارتكبت قيادته قدرا كبيرا من الأخطاء على غرار ما تفعله الآن، وارتكب الشعب، بالمقابل، قدرا أقل منها. عندئذ، ستتوفر للمحتمل والممكن شروط تحققه ويصير واقعيا.
ماذا يفعل النظام كي ينتصر؟ إنه ينتقل من مواجهة الداخل إلى محاولة احتوائه، استنادا إلى توازن قوى قائم منذ أشهر بينه وبين الشارع، مستعينا على ذلك بالحل الأمني: ركيزة أي سياسة رسمية وأي حل محتمل. إلى هذا، إنه ينقل الصراع من قتال ضد عصابات مسلحة إلى مجال الحرب ضد الإرهاب، لاعتقاده أنه قد يكسب بذلك التأييد الدولي عامة والغربي خاصة، وينجح في إحداث تحول في مواقف العالم يبدل الأوضاع لصالحه، ويرسي أساسا سياسيا، دوليا وإقليميا، لإخراجه من حالة الانسداد الراهنة، التي صار من الجلي أنه لا يقوى على الخروج منها بقوته العسكرية وحدها.
إلى ما تقدم، يتبع النظام دربا رسمه لصراعه يقوم على تطبيق الطرق التي يدير من خلالها داخله على علاقاته الخارجية، وهي تتلخص في آلية واحدة: «رفض تقديم أي تنازلات للغير أو عقد أي تسويات معه، وإجباره على قبول الموقف السلطوي بجميع مفرداته، عبر استخدام مفرط للعنف يأخذ شكل قمع مكثف في الداخل وأعمال قوة لا قيد عليها بدورها في الخارج». عندما يتعامل النظام مع المجالين الداخلي والخارجي، فإنه يستخدم ضدهما الأساليب ذاتها، التي تستهدف إجبارهما على التخلي عن مواقفهما والرضوخ لما يريده هو منهما. بذلك: يوضع الخصم أمام أحد خيارين: التراجع إلى

حد القبول بما يفرض عليه، أو دخول معركة تضمر مخاطر جدية بالنسبة له، يجد نفسه مجبرا قبلها على اتخاذ قراره في شروط أعد لها بصورة مسبقة، ملائمة له وليست كذلك بالنسبة إلى الخصم.
إذا ما طبقنا هذه الآلية على الأزمة الراهنة، وجدنا أن النظام رسم منذ بدايتها خطة تستند إلى رفض وإفشال أي حل داخلي بين الشعب وبينه، لاعتقاده أن حلا كهذا سيكون على حسابه، لكونه سينقل سوريا من سلطة حزبه الواحد إلى سلطة مزدوجة تجعل وضعها انتقاليا بمعنى الكلمة، كي لا يحدث هذا وتعود الأمور إلى الوضع الذي كانت عليه قبل 15 مارس (آذار)، يوم انطلاق التمرد المجتمعي الكبير، أفشل النظام محاولات الحل الداخلي التي تبنتها المعارضة.
واليوم، نراه يقوم بإفشال الحل العربي، حل الجامعة العربية، بعد أن بدأ عمله ضدها بخطوة أولى استهدفت إفراغها من مضمونها وتقييد مجالها الجغرافي والإجرائي - السياسي، وتحويلها من مبادرة تقول بسحب الجيش من المدن إلى ثكناته، ووقف الحل الأمني، وإطلاق سراح جميع المعتقلين على خلفية الأحداث الحالية، والتفاوض على مرحلة انتقالية مع المعارضة، إلى مسألة مراقبين يحق أو لا يحق لهم الدخول إلى أماكن معينة بحجة أنها رموز سيادية، هي في الحقيقة أماكن احتجاز المعتقلين وتعذيبهم ومواقع حشد القوى الأمنية والعسكرية، التي أخرجت بهذه الطريقة من رقابة الجامعة. وها هي بعثتها تجد نفسها مذ وصلت إلى سوريا محاصرة وممنوعة من ممارسة عملها، تعاني من أساليب مخادعة متنوعة، ومن تحريض المواطنين على أفرادها والعمل على إنهاء نشاطها، إلا إذا اقتصر على المهمة التي سبق أن حددها وزير خارجيته الأستاذ وليد المعلم، عندما قال: «إنها سترى المسلحين وهم يعتدون على الشعب». وليست الحملة الضارية التي شنها الرئيس الأسد على الجامعة غير تعبير
عن الرغبة في رفض ما قد يصدر عنها، إذا لم يكن في صالح النظام، وفي التحضير للمرحلة ما بعد العربية من الصراع، معركة تدويله، التي تستعد بعض المعارضة لخوضها بعد الفشل المرتقب للحل العربي، الذي لم تراهن عليه في أي وقت.
تنتظرنا إذن أسابيع تحول مهمة في الأزمة السورية، يرجح أن تنتقل بعدها إلى مجال جديد سيشهد المزيد من العنف والتصعيد في الداخل، والمزيد من انخراط القوى الخارجية في الصراع. وقد بدأت بعض خطوط التطورات المحتملة ترتسم في أفق تصعيد العنف، الذي تم تبنيه منذ بداية الأحداث انطلاقا من مرجعية نظام ما قبل انتفاضة الخامس عشر من مارس، حين انتفضت كتل شعبية هائلة العدد مطالبة ببديل لا يرتبط مع النظام الحالي بأي صلة أو رابطة. وبالنظر إلى توازن القوى القائم منذ بضعة أشهر، وجوهره عجز النظام عن إخراج الشعب من الشارع، وعجز الشعب عن إسقاط النظام، فإن تغيير موازين القوى سيتوقف من الآن فصاعدا على نوع وحجم القوى التي سيدخلها إلى الميدان كل طرف من أطرافه، وعلى فاعلية أساليب وتكتيكات الصراع التي سيستخدمها. وقد كان واضحا من خطاب الرئيس الأسد أنه سيحول دور القوى العسكرية والأمنية من ضبط عصابات مسلحة إلى حرب ضد الإرهاب، بينما استعملت المقاومة الشعبية الإضراب العام لأول مرة، وحاولت تنظيم اعتصام دائم في ساحات المدن العامة، وأنزلت عددا غير مسبوق من المتظاهرين إلى الشوارع، وغطت مناطق لم تكن قد بلغتها بعد، وحركت مناطق من مدينة حلب، بعد أن أسست قيادة موحدة تضم المدينة الهادئة نسبيا وريفها الثائر بقوة.
هل سينتصر النظام؟ أعتقد أنه لن ينتصر، ما دام يتمسك بوضع بال وفات زمانه بوصفه مرجعية يريد فرض قبولها بالقوة على شعب يرفضها ويستميت كي يتخلص منها. ولن ينتصر من خلال إصلاحات جزئية، برانية ومحدودة، سيرفضها الجميع ليس فقط لأنها تأتي متأخرة جدا، بل كذلك لأنها ستبقي عليه وتغلق الباب أمام قيام نظام انتقالي بديل له. أخيرا، إنه لن ينتصر لأنه يحاول حل أزمة سياسية - اجتماعية - اقتصادية - ثقافية شاملة بوسائل لا تصلح إلا لتأجيج نيرانها، كل ما فيها عنف منفلت من عقاله، تطبقه قوى أمنية لم تنجح يوما في معالجة أزمات من هذا النمط.
هل سينجح الشعب؟ حتما، إذا لم تقده المعارضة الحزبية والمنظمة إلى طرق تحرفه عن سبيله إلى الحرية، لن تحول بينه وبين بلوغها في نهاية الأمر، لكنها تزيد من آلامه، التي لا يجوز أن يكون للمعارضة أي مهمة أخرى غير تخفيفها أو إزالتها!
نقلا عن صحيفة الشرق الاوسط