رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

غياب الدولة

جولة عربية

الخميس, 12 يناير 2012 09:56
أسامة غريب

كثيراً ما يحكي من سافروا وتغربوا خارج الوطن عن الحنين الذي يقتلهم والشوق الحارق داخلهم الى الوطن بكل ما فيه.

و دائماً ما تجدهم على استعداد للتغاضي عن كل ما يعلمون عن مشكلات الوطن وسلبيات أهله وطغيان حكوماته، وهي الأشياء التي ربما دفعتهم الى الفرار الى أوطان أخرى قامت بتلبية احتياجات الانسان الأساسية من الخبز والكرامة منذ زمن بعيد.
و هم عندما يستسلمون للأشواق فانهم يذكرون الوطن بما يميزه من علاقات دافئة حميمة بين أفراده، ويفيضون في الحديث عن التواد والتواصل والتراحم بين الأهل والجيران، كذلك يعلون من شأن القيم التي تميزمجتمعنا كالنجدة والغوث ومساعدة الآخرين.
و من الملاحظ ان هناك مثالاً كثيراً ما يضربونه للتدليل على صحة ما يقولون، وهو ان الانسان في بلادنا اذا مرض بالليل فان الجيران يتطوعون جميعاً لمساعدته واستدعاء الطبيب أو نقله الى المستشفي، ثم لا يتركونه حتى يطمئنوا عليه، وذلك على العكس من الأمر في بلاد برة حيث الناس جزر منعزلة عن بعضها ولا أحد يسأل عن أحد أو يهتم بغير شؤونه الشخصية.ويقولون كذلك انك

اذا تعرضت للسرقة فيكفي ان تصرخ مطلقاً النداء الشهير: امسك حرامي، حتى يخف الناس الى مساعدتك ويمسكون اللص ويتكفلون به..هذا غير أمثلة أخرى كثيرة كلها على هذا المنوال.
تدهشني هذه الأمثلة عندما ترد بالتحديد على لسان من عاشوا بالخارج لأنها تعني ان الحنين للوطن قد أعماهم عن رؤية الحقيقة التي يعلمونها جيداً وهي ان اعتماد الناس على بعضهم البعض في الملمات عندنا مرجعه الأساسي هو غياب الدولة، اذ أنه في وجود دولة محترمة وحكومة منتخبة تخدم الناس فانه يكفي ان يطلب المرء الرقم الشهير 911 أو أي رقم آخر سريع ومختصر يصل الانسان مباشرة بالبوليس أو الاسعاف أو المطافئ التي تصل عادة في خلال دقائق قليلة، ولا يحتاج الشخص في هذه الحالة الى ان يزعج الجار في جوف الليل حتى يقوم بدور الدولة فيحضر الطبيب ويمسك الحرامي ويساعد في اطفاء الحريق.
ان الناس في الغرب الذين لا يكاد
الواحد منهم اليوم يعرف جيرانه كانوا في السابق مثلنا تماماً يلجؤون الى بعضهم البعض ويقترضون كوب زيت وفص ثوم أو بصلة، كما كانوا يتشاركون بعمل جمعيات مثل التي يعملها الناس في بلادنا، ويقوم كل مشترك بقبض الجمعية في دوره مع تفضيل ذي الحاجة الملحة ومنحه أولوية في الدور.لكنهم لم يعودوا الآن في غالبيتهم في حاجة الى القيام بهذا بعد ان أصبحت لهم دول ترعاهم وتكفل لهم العلاج المجاني، كما تستثمر في المستقبل فتقدم للأبناء التعليم المجاني وتبني المساكن للفقراء وتقدم لمن لا يعمل اعانة بطالة تحفظ له كرامته، هذا غير خدمات متطورة في حفظ الأمن، فلديهم بوليس لا يوالس ولا يرتشي ولا يأكل أفراده بالمجان، ولا يطلق النار على المتظاهرين، ولديهم عربات اسعاف متطورة تعمل في خدمة الناس، وهم لا يقومون هناك باستغلال سيارات الاسعاف في حمل البلطجية والشبيحة بأوامر من وزير الصحة كما حدث عندنا يوم موقعة الجحش، كما ان عربات الشرطة لديهم تستخدم في حفظ الأمن فقط، ولا يستخدمها الضباط في نقل الزوجات الى الكوافير والى النادي أو نقل الأطفال الى المدرسة.
لكل هذا فان صور التواد والتعاضد والتساكن في مجتمعنا تعود في أغلبها الى ان الحكومة عبارة عن تشكيل عصابي يعمل ضد الناس ويضطرهم الى القيام بأنفسهم بكل ما ينبغي ان تقوم به الدولة..والله أعلم.


نقلا عن صحيفة الوطن الكويتية