عراك ديكة وصراع ثيران

جولة عربية

الأربعاء, 04 يناير 2012 13:29
• د. سيّار الجميل

يطيب لبعض الكتّاب العراقيين أن يسمّي ما يحدث اليوم في العراق بالتجربة (الديمقراطية)، ويبني عليها قصصاً، ويقارن بينها وبين تجارب ديمقراطية عراقية سبقتنا بعشرات السنين، وان زاد جنونه قرن نفسه بالتجارب الديمقراطية في العالم، ولكن لا قادة العراق يجيدون صنعة الديمقراطية، ولا الشعب يدرك معانيها!

والحقيقة، ان تجربة العراق اليوم هي ميراث صعب جداً لمجتمع متنوع وقع صريعاً بين احتلالين: بريطاني قبل قرابة مائة سنة، وأميركي قبل قرابة عشر سنوات.. وعاش بين الاحتلالين، مجتمع تفاقمت تناقضاته بشكل لا يمكن تخيّله، بحيث لا تستطيع ان تجد اليوم خمسة عراقيين فقط يتفقون على مبدأ واحد، أو فكرة واحدة، أو رأي واحد بعد ان وصلوا بأحزابهم الوطنية وتجمعاتهم المهنية والنقابية وتشكيلاتهم الثقافية والفنية إلى ذروة العطاء في منتصف القرن الماضي.
إن «المشكلة» الحقيقية ليست بمن يحكم العراق فقط، بل لأن الذين حكموه سابقاً أو لاحقاً، أو من تبعهم اليوم عراقيون من هذا المجتمع، ولم يتم استيرادهم من خارج الحدود، ولكن من الوضوح بمكان ان مجتمعهم غدا من الهشاشة والتشظي بمكان، بحيث بقي ملتئم الشمل بوجود حكومات فردية أو تسلطية أو دكتاتورية قاهرة كانت تمحقه بلا هوادة من حين إلى حين .. واليوم، يعيش مشكلات لا حصر أو عدّ لها، وهي غير قابلة بحلول ساذجة، أو أفكار بليدة، أو معالجات سريعة.
المشكلة اليوم ليست سياسية فحسب، بل اجتماعية أيضاً، فالعراقيون لا يعانون من طائفية سياسية فقط، بل من انقسامية طائفية وعرقية اجتماعية لها تعصباتها غير المتخيّلة، وتبدو الأحقاد والكراهية واضحة في كل المعاملات، وكل الحوارات، وكل مرافق الحياة بين سنّة وشيعة، وبين عرب وكرد، وبين تركمان وكرد، وبين مسيحيين ومسلمين .. الخ.
وخير من يعّبر عن مرآة ذلك الأحزاب السياسية والدينية وقادتها الذين وجدوا أنفسهم على رأس العراق لقيادة العراقيين فجأة، إن كل ما يحكونه عن الديمقراطية والدستورية والشفافية والقانون والحياة المدنية والحريات، كلام كاذب لا صحة له، فهم يحملون ميراثاً سيئاً جداً لمجتمع غير متجانس أبداً، كان مزيفاً على امتداد القرن العشرين، وقد طفت كل أدرانه على مياهه الآسنة اليوم، ويذهب ضحيته العقلاء من المتوازنين والمتنورين والمبدعين والمتحررين من طرف.. وذاك الرعاع الذي لا يفقه شيئاً من العراق إلا ما يملى عليه من طقوس عقيمة عند هذا أو شعارات جوفاء عند ذاك!
ثمة دعاة أذكياء من العراقيين نادوا لانتشال العراق قبل سقوطه بيد الأميركيين أو من بعد ذاك السقوط إلى حيث التمدن والممارسات الحقيقية وتصفية التاريخ البشع لما مضى من تجارب مؤلمة من أجل خلاص المجتمع وترسيخ عقد اجتماعي تؤسسه مبادئ وطنية، وإلغاء كل ما يقسّم

البلاد ويبعثرها ويجزئ المجتمع، ولكن الأحزاب الطائفية الشيعية والسنية والقومية الكردية اشتركت معاً تحت وصاية أميركية لتأسيس ما أسموه بـ «العراق الجديد» واتوا بثلة من القادة ليصنعوا منهم «زعماء» وقد اسقطوا من حسابهم كل القوى الوطنية والمدنية وكان المخلصون يتمنون ان تنشأ قوى مدنية سياسية نظيفة تحّل محل القوى الأحادية من البعثيين الراحلين الذين حكموا العراق بشراسة على امتداد أربعين سنة، ولكن دون جدوى..
كم نادى المخلصون بأن «الدستور» (الجديد)، يشكل فجيعة للعراقيين، فهو مشروع يسحق عراقيتهم، ويمزق بلادهم، ويخلق التناقضات في ما بينهم، ولكن مضت «المكونات الثلاثة: السنة والشيعة والأكراد» ــ كما أسموها ـــ بتنفيذ هذا الدستور ! لقد صفقوا للشراكة السياسية وهرجّوا للعملية التوافقية، وكأن العراقيين من أجناس قارية ثلاثة.. وبدا واضحاً أن عراكات الديكة قبل رحيل الأمريكان عندما كان يهرش احدهم الآخر منتفشاً.. قد تحّول بعد رحيلهم إلى صراع ثيران بين هؤلاء الزعماء الذين ضحك احدهم على الآخر، وكذب احدهم على الآخر، وتنقّل احدهم من آخر لآخر، وتاجر احدهم بدم الآخر..
واتهم احدهم الآخر بأشنع التهم ثم يصافحه ويشاركه الوزارة والقيادة من واحد لآخر.. إذا كان مبدأ الثقة مفقوداً، فكيف ينطلق فن الممكن لقيادة العراقيين؟ إذا كان الشغل الشاغل هو تربّص هذا لسحق ذاك، فما الذي يمكن أن يقدمه هذا آو ذاك لأهل العراق؟ إذا كانت الجريمة مبررة لزعماء وقادة ووزراء ومستشارين لهذه الطائفة، فلماذا يتّم التشنيع بأمثالهم من طائفة أخرى؟ والأدهى من ذلك أن من يسمون أنفسهم بالمستقلين والمتمدنين وغير الطائفيين قد انقسموا بين الطرفين ؟
لو كانت المنافسة شريفة ضمن الأصول الديمقراطية لقلنا بأنه صراع شرفاء لمصلحة وطنية عليا، ولكن بدا لنا ان الصراعات شخصية وكيدية مختلقة مع ثيران يطلقونها قوية في الساحة ثم يهاجمونها ويغرقونها بالدماء حتى تسقط على الأرض! وهكذا، فإن جماعة تنحر أخرى لعوامل واهية، ضمن أجندة قميئة لا تخدم إلا الآخرين الذين يتربصون بالعراق وأهله.
إنني لا استثني أحداً من هؤلاء الذين يتشدقون ليل نهار بالشعارات الوهمية وبديمقراطية العراق الجديد كونهم شاركوا بعملية سياسية غير وطنية أبداً، وأنهم بقدر ما عارضوا قمع النظام السابق واستبداده، فإنهم يمارسون أيضاً الأساليب نفسها في سحق البلاد ونهب أموال العباد، وهم يمارسون أبشع وسائل القتل والغدر وتفجير الناس الآمنين..
وتسقيط المعارضين والمخالفين. لقد أثبت هؤلاء للعالم بأنهم من أغبى السياسيين في إدارة شؤون بلادهم، وأنهم لا يتمتعون بأي حس وطني، إذ ان لهم أولياتهم البديلة. إن العراق يتجه نحو المزيد من التمزق والتشظي إن بقي الزعماء ينحر واحدهم الآخر، وهم يشغلوننا بصراعاتهم تاركين مصالح العراقيين وراء ظهورهم.!