ذكرى ميلاد نجيب محفوظ

جولة عربية

الأربعاء, 04 يناير 2012 13:29

كان عجبي شديدا عندما جاءتني الدعوة من جمعية «رسايل» الثقافية المصرية لكي أتحدث في ذكرى مرور مائة عام على ميلاد نجيب محفوظ. كان مصدر العجب أنني لست ناقدا أدبيا، ومن المؤكد أن هناك وفرة من المتخصصين في الموضوع.

ومع ذلك كانت الدعوة مغرية، لأن الالتقاء بالجمهور المصري في هذه الأيام فيه متعة وفائدة، خاصة لمن كانت مهنته الكتابة والتحليل. وربما كان السبب الأهم هو أن نجيب محفوظ ليس فقط قيمة مصرية وعربية كبيرة، ولكنه كان دائما في وسط الجدل السياسي السائد في مصر؛ سواء عندما اختصه متطرفون بالخصومة السياسية لمواقفه المدنية والليبرالية، أو عندما رأت جماعات سياسية أن موقفه من السلام المصري - الإسرائيلي لا يتناسب مع معدتها النضالية. وببساطة، كان نجيب محفوظ دائما وسط الجدل السياسي، ولم تكن هناك صدفة في أن أحدهم حاول اغتياله بطعنة في رقبته، ولم يكن هناك أمر جديد إبان الثورة المصرية بأن يوضع أدب نجيب محفوظ، حتى بعد وفاته، على مائدة الصراع السياسي في زمن الثورة المصرية الجديدة.
وهكذا ذهبت وتحدثت إلى جانب ربما من هم أكثر علما مني في منمنمات نجيب محفوظ الكثيرة، التي تحتاج عين المتخصص لكي تفض أسرارها وتجليات أفكارها. ومن ناحيتي كان الحاضر المصري هو الذي يشغلني، وهو الذي كان في حاجة إلى نجيب محفوظ أكثر من أي وقت مضى. تخيل ما الذي كان سيدور في ذهن صاحب نوبل عن ميدان التحرير، وهو الذي جعل المكان أو الجغرافيا جزءا مهما من الرواية العظمى عن عالمنا. لم يكن حجم المكان مهما لدى القصاص فقد دارت أحداثه في فندق - «ميرامار» - أو حتى في عوامة - «ثرثرة على النيل» - كما أن الزقاق، «زقاق المدق»، تماما كما كانت الحارة، «أولاد حارتنا»، والمقهى، «قشتمر»، هي التي دار فيها عالم كامل من الصراع البشري يحكي ويقص عن تفاعل الزمان والمكان في عقول وقلوب بشر يشتاقون إلى الحب والعدل وملذات الحياة. ومن ينظر إلى الأدب المحفوظي في أغلبه، فسوف يجده يدور في تلك المساحة المحصورة ما بين نهر النيل في القاهرة غربا، وحي العباسية شرقا، وحي شبرا شمالا، والحلمية والقصر العيني جنوبا. «الإسكندرية» كانت استثناء محمودا، ولكن من ذهبوا إليها ليقوموا ببطولة القصة كانت دائما أحلامهم ورواياتهم قاهرية تدور حول القاهرة أو تنبع منها. هنا دارت الأحداث وظهر أبطال وبزغوا، وجرت الثورة وخيانتها في آن واحد. «ميدان التحرير» كان دائما في قلب المساحة، ومقهى «علي بابا» كان مكانا للقاء، وجزءا من مسيرة الصباح، يطل على الميدان الفسيح ويطرح تساؤلات مستحيلة الإجابة.
«زمن» نجيب محفوظ لم يبدأ مع مولده عام 1911، ولكنه بدأ مع ثورة 1919، حينما جاء سعد زغلول بالبطولة الأولى لكي تشكل حلقات متتابعة من التطور، تتشابك وتتصارع حتى تصل إلى الحرب العالمية الثانية. جاء ذلك كله في الثلاثية؛ «قصر الشوق» و«بين القصرين» و«السكرية»، حيث الثورة والقصر والإنجليز وأشواق الحياة والدين تتناغم في أسرة وتتصارع في وطن. ولكن القضية كلها يبدو فيها ما هو أكبر، ولا يخص بلدا بعينها، ولكنه جزء من الإنسانية كلها. في «أولاد حارتنا» كما في «الحرافيش»، البداية الأولى عند «الجبلاوي» أو «عاشور الناجي» لم تكن

الخطيئة الأصلية التي يسعى إليها البشر طوال حياتهم يحاولون إصلاح أو غفران الذنب، وإنما هو العدل الأعظم والأقوى الذي يسعى الناس للحصول عليه. صحيح أن «آفة حارتنا النسيان»، إلا أن الحقيقة هي أن الحارة تتذكر أبدا ذلك النموذج الذي تصبو إليه وتسعى إلى تحقيقه. وعلى الرغم من أن نجيب محفوظ ينهي «الحرافيش» بانتظار ثورة جديدة، فإن بقية أدبه فيه أسى دائم من خيانة الثورة، ليس فقط من قادتها، ولكن أيضا من المشاركين فيها. هناك دائما «رؤوف علوان» - «اللص والكلاب» - الذي يخون، وهناك دائما «الشحاذ» المحبط من توقف عصر مضى كان فيه ثورة ذات يوم.
ما جعل نجيب محفوظ يعيش مائة عام ويدخل دائرة الخلود الأدبية والفكرية أن جدل الأفكار كان لديه عميق بواقعيته الشديدة، وتجريده الفذ في آن واحد. صراع «الوجود» و«اللاوجود» الذي تجد فيه الجبلاوي حيا متحاورا ومتصارعا وحانيا وقاسيا ورحيما، ولكنه يضيع في خضم الزمن ويصبح أسطورة أو خرافة تستحق أن يذهب «عرفة» لكي يقتلها، أو بنفس المنطق تخرج الثورة المأمولة على عاشور الناجي لكي تنهي حلمه الذي بات مستحيلا التأكد من وجوده أو إمكانية تحقيقه. وعلى نفس المنوال تسير جدلية الحرية والعدالة؛ الأولى يصبو لها الإنسان حتى يحقق أقصى ما تأخذه قدراته إليه، والعدالة التي تتفجر حيويتها بسوقية المساواة الحسابية بين بشر غير متساويين. والمعضلة على هذا المنوال تحتاج دوما حسابا وتقييما سواء في «قشتمر» أو في «العائش في الحقيقة» حيث الجدل دائم والتوازن مستحيل.
«الدولة والثورة» فيها معضلة الاستقرار والتغيير، «السيد المحترم» البيروقراطي العتيد يقف في مواجهة عالم عاصف، ودنيا السيد أحمد عبد الجواد المستقرة بجمود التقاليد والعادة تنتهي في مواجهة الوفاة البطولية لفهمي عبد الجواد، بينما كمال عبد الجواد لا يجد في المسافة بين الدولة والثورة، وحتى بين الدين والدولة، حينما ينقسم الأحفاد بين الشيوعية والإخوان المسلمين، إلا بحيرة واسعة من الحيرة والشك وانعدام اليقين.
وهكذا لا تبدو القضايا أقل بطولة من الأبطال، وتعلو الرواية إلى مرتبة المشارك في التاريخ والفلسفة وما يشتق منهما عن «التخلف والتقدم» و«الديمقراطية والاستبداد» وكل متناقضات الحياة المصرية، وربما العربية أيضا، حيث يوجد دوما بصيص من نور مبشر بضياء شمس، ولكن الضياء لا يكتمل، وتضيع القوة، ويذهب العدل، وربما، حتى، لا يطلع فجر.
ماذا كان سيكون قول نجيب محفوظ عن حاضرنا، وهل كانت ستكون له كلمة عن «الربيع العربي» أم أن ذلك زمن جديد له مفردات مختلفة تولدت من عالم الـ«فيس بوك» والـ«يوتيوب»؟ وهل يمكن استبدال «الحرافيش» بـ«الألتراس»، ومدونات الحاضر بمقالات الماضي؟ والحقيقة أن نجيب محفوظ لم يكن لديه مشكلة أبدا مع التغيير، سواء كان ذلك على صعيد حياته الشخصية حيث كانت لقاءاته اليومية تضم كل الأجيال، ولا مع الأبطال في رواياته. ولكن الأمر هذه المرة ليس كما كان في كل المرات، وربما سقطت نظم سياسية عربية كاملة لأنها لم تعرف الفارق ما بين القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين. هل كان نجيب محفوظ سوف يدرك الفارق، أو أن قضايا الوجود لا تعرف مسافة الزمن المقترن بالإنسان؟ المهم في كل الأحوال أننا نفتقد نجيب محفوظ بشدة. أو هكذا قلت عند الحديث.
نقلا عن جريدة الشرق الاوسط