عام التحول وأخذ العبر

جولة عربية

السبت, 31 ديسمبر 2011 11:40
حسين العودات

ربما كانت الأحداث التي جرت هذا العام في بعض البلدان العربية، هي الأحداث الأكثر تأثيراً خلال العقود الثلاثة الماضية، وهي الوحيدة التي نتج عنها تغييرات بنيوية في الأنظمة السياسية العربية.

وفي مسارها الحاضر، والمسار المستقبلي العربي بشكل عام، ولا يغير هذا الافتراض أو يلغيه إذا كان هناك من يسميها احتجاجات أو انتفاضات أو ثورات، أو إذا اعتبرها آخرون تمرداً، فموقف المراقبين والمحللين والشعب منها، لا يغير من تأثيراتها العميقة في واقع العرب الحالي، وفي مستقبلهم القريب والبعيد. باعتبار أن هذه الأحداث أدت إلى نتائج يصعب تجاهلها أو إنكارها أو إهمال دراستها وأخذ العبر منها.
إن أول ما يلفت الانتباه في هذه الأحداث، هو أن القائمين عليها وفاعليها هم من الشباب جلهم أو كلهم، هؤلاء الشباب الذين كان يعتقد الدارسون في علم الاجتماع والتربية والسياسة والعلوم الإنسانية الأخرى، قبل فترة قصيرة، وربما قبل الأحداث مباشرة، أنهم جيل ما بعد الحداثة دون حداثة، استغرقهم نمط الحياة الاستهلاكية، والأنانية والتخاذل.
وتداخلت القيم في وعيهم، وانقلب سلم الأولويات، فأخذوا يحلمون بالربح السريع دون تعب، ويحاولون الحصول على المال بأي ثمن ليساعدهم على تحقيق نهم الاستهلاك، وتغيرت القيم الوطنية وقيم الوطن والتضحية في مفاهيمهم، واستسلموا للحكومات بما فيها حكومات الأنظمة الشمولية والاستبدادية، ولم تعد القضايا الوطنية الكبرى، والقضايا القومية العظيمة تثير اهتمامهم، أو تشغلهم، حتى انهم لا يفهمونها، وبالتالي لا يتحمسون لها.
واستوى عندهم الصلح مع إسرائيل أو مهادنة الهيمنة الأوروبية والأميركية، وصاروا قابلين بالفساد والاستبداد، غارقين في حبائل الخوف من أجهزة الأمن والنظام، مهملين حقوقهم كمواطنين وكأبناء مجتمع لهم عليه حقوق العمل والمساواة والتكافؤ والضمان الاجتماعي

والصحي، وأصبحوا بنظر هؤلاء الدارسين والسياسيين وعلماء العلوم الإنسانية (رعايا) ولم يعودوا مواطنين. إلا أن الأحداث التي جرت في بعض البلدان العربية طوال أشهر عام (2011) المنصرم، أكدت عكس ذلك كله، وأثبتت أن هؤلاء الشباب، يملكون الوعي الكامل والعميق بما يجري حولهم، ويعرفون حقوقهم كمواطنين.
ولهم مواقف واضحة من أنظمتهم السياسية، ولم يكونوا مخدوعين لا بالعدو ولا بالمهيمن ولا بالصديق، وليس للخوف نصيب في وعيهم، وهم مستعدون للتضحية بكل شيء في سبيل حقوقهم بالشراكة في السلطة والثروة، وقد خاب رأي الدارسين والعلماء ورأي من كان يعتقد غير ذلك.
أما ثاني ما يلفت الانتباه فهو أن الشعوب العربية، ورغم ما مر عليها خلال العقود الثلاثة الماضية، من إشعال نار التفرقة داخلها، التفرقة الطائفية والاثنية والجهوية وغيرها، وتجاهل مفهوم المواطنة أو الاعتقاد أن المجتمع في كل بلد أصبح مجزءاً متصدعاً منقسماً على نفسه، ورغم خطط بعض وسائل الإعلام وخطط السياسة أيضاً، التي اشتغلت على هذه التجزئة وعملت لها.
وكثفت جهودها لتحقيقها، اكتشف الجميع، أن المجتمع في هذه البلدان متماسك متعاطف ومتضامن، لم تؤثر فيه الدعوات الطائفية ودعوات التفرقة والانقسام، وما أن انتفض حتى توحد من جديد، وتمسك بالشعار الوطني المهم (واحد واحد واحد، الشعب واحد) ولم تفلح كل محاولات الأنظمة السياسية، ومحاولات الأوساط الخارجية في تحقيق التفرقة والتناقض، وتبين أن كل دعاوى الطائفية والتفرقة القومية والمناطقية هي دعوات بلا جدوى.
ولم تحدث سوى بعض الخدوش في المجتمعات العربية، وأن القضايا الوطنية والحقوق الوطنية والاجتماعية هي المحور الذي التف أبناء المجتمع حوله مهما كانت ثقافاتهم وخصوصياتهم وأديانهم ومذاهبهم وطوائفهم، ويعرف هؤلاء المنتفضون أو الثائرون أولوياتهم ويفرقون بين الرئيس والثانوي، ولا خوف عليهم من سياسات التفرقة التي تنّفذ ضدهم، ولا من الحملات الإعلامية ذات الأهداف المماثلة.
ويلفت الانتباه ثالثاً موقف بعض الأنظمة التي تحكم مجتمعات هذه الانتفاضات، حيث تأكد أنها لا تعرف شعوبها ولا مجتمعاتها من جهة ولا تدرك ما جرى في العالم من تطورات من جهة أخرى، وبالتالي ترفض الاستجابة لمتطلبات شعوبها، أو تطوير معايير دولها، أو قبول مشاركة مواطنيها لها في السلطة والثروة، بل ان بعضها كشف عن وجه دموي، اظهر أنه يؤمن بأن العنف وحده كفيل بتطويع الشعوب.
ولم يهتز له جفن، أو يثقل ضميره إطلاق الرصاص على أبناء شعبه، كما تفننت قواه الأمنية في تعذيبهم بعنف وهمجية وسادية منقطعة النظير، وكأننا مازلنا في العصور الوسطى، حيث كان التعذيب بلا حدود ولا قيود.
وأشير بعد ذلك إلى أن دول العالم (والمجتمع الدولي الذي تشكله) ينظر لما جرى ويجري في بلداننا من خلال مصالحه الضيقة وليس من خلال واجباته التي قررها القانون الدولي، ولا من خلال جوانب إنسانية ينبغي أن تؤخذ بعين الاعتبار، ويبدو أن معظم هذه الدول ترش السكر فوق الموت، وتكتفي بتصريحات (بعضها نارية) لا تفيد أحداً، ولا ترد غائلة، ولا تنقذ ثواراً من أنظمة استبدادية ظالمة تصطادهم كالعصافير.
الملاحظ أن الأنظمة المعنية، رفضت التسوية التاريخية بينها وبين شعوبها، وبعضها الآخر، مازال يرفض، كأنه في هذه التسوية يخسر من رأسماله المتمثل بأن له كل السلطة وكل الثروة، ولا يدرك أن رفضه هذا سيزيد الأمور توتراً، والثورة ثورة، وستودي بالنظام نفسه في نهاية المطاف، بعد أن يكون قد ألزم شعبه بدفع ثمن غال، وهكذا تأكد أن معظم هذه الأنظمة لا ترى لأبعد من أنوفها، ولذلك تراهن على كل شيء، وتتناسى أن النتيجة الحتمية لهذا الموقف ستكون لا شيء.
وكل عام وأنتم بخير.

نقلا عن جريدة البيان الاماراتية