الوطن البحرينية: الديمقراطية بين الرومانسية والواقع

جولة عربية

الأربعاء, 28 ديسمبر 2011 12:41
بقلم - فاروق عبدالله

بعيداً عن المثاليات، البشر غير متكافئين في قدراتهم الذهنية والجسدية والنفسية، غير متساوين في ملكاتهم، في امتلاكهم لمقومات القيادة

وفنونها، في درجات حكمتهم وعلمهم، وإذا تركت لهم شؤون الحكم فلن تجد غير الفوضى. تنبه أفلاطون لذلك في نقده لـ«حكم الشعب» إذ أنَّ النظام الديمقراطي المطلق ينتج عنه الحكم بحسب أهواء الشعب وليس المصلحة العامة لأنهما تتعارضان، ويذهب أفلاطون إلى أنَّ الديمقراطية “نظام سياسي يديره بعض الحمقى”، ويدعو لأن يتولى شؤون إدارة الدولة المختصون، فشؤون الحكم إذا تركت للشعب سيؤدي ذلك لخلل كبير في الدولة، لأنَّ الشعب لا يعرف ما الذي يفعله على وجه الحقيقة. ما الذي تغيَّر من زمان أفلاطون؟ لا يزال البشر متفاوتين بقدراتهم وميولهم وتخصصاتهم، كثير منهم تحكمه العاطفة وقد تعميه عن الرؤية القيادية، وفهم الفواصل بين المصالح الخاصة والعامة والقدرة على السيطرة على ردود الفعل المتسرعة. تفترض الديمقراطية المطلقة وبتبسيطية شديدة أن الجميع متساوون في قدراتهم على الإدارة والتعامل مع التحديات والقيادة، لكن في الواقع هناك المتعلم والجاهل، العقلاني والعاطفي، السليم والمريض، والقول بترك الحكم بالمطلق للشعب يعبِّرعنه جيمس ميل قائلاً إنه يخلق الفوضى السياسية ويعرقل التقدم. النموذج الديمقراطي الذي تقترحه بعض دول الغرب شكليّ ومزخرف تعجبك ألوانه، لكنه فارغ من الداخل وينطوي على مشكلات لا حصر لها. أمريكا التي تقدّم نفسها كراعية للديمقراطية العالمية تشهد سياساتها تناقضاً عجيباً مع الديمقراطية نفسها. من أوجه التناقض الأمريكي تضييقها على الأحزاب الشيوعية غير المرغوب فيها، وإبعاد أعضائه عن المناصب. تاريخ أمريكا زاخر بتشويه صورة الشيوعية وجعلها مرادفاً للإرهاب مثلما فعلت لاحقاً مع الإسلام، بحيث لا تكون له صفة قانونية بل تصويرها خارجة على القانون و«الإنسانية» والنظام الدولي. الخوف يكمن في خطر الشيوعية على النظام الرأسمالي، الذي تستفيد منه نخب اقتصادية. يقول العالم الأمريكي هاري براون: “أمريكا ليست دولة ديمقراطية بل جمهورية يحكمها سراً مجموعة من أصحاب المصالح”. في الوقت نفسه تضغط أمريكا على الدول حسب مصالحها جابرة إياها على القبول بأحزاب إرهابية وفق المقاييس الأمريكية نفسها،

لذا أبدت أمريكا دعمها لحزب الله البحريني رغم إدراج الولايات المتحدة لحزب الله في قوائم الإرهاب. وتابعنا كيف تغيرت نغمتها تجاه طالبان، ثم تجاه الإخوان المسلمين بعد بروزهم في “الربيع العربي” في بعض الدول. الديمقراطية التي تتكلم عنها الولايات المتحدة هي “الدين” الجديد الذي ترعاه أمريكا ليرعى بدوره مصالحها، دين يكفّر ويستبيح من لا يقبله، الديمقراطية يتمّ الترويج له مثل القصص الرومانسية ذات النهايات السعيدة للمراهقين، بينما الواقع تحكيه أفغانستان والعراق.. العراق التي يعتبرها أوباما “قصة نجاح” خير شاهد على الخدعة، التي يتمّ الترويج لها لتبرير انتهاك الدول واحتلالها واستنزافها وتقسيمها. يذكر خالد حربي في مقال بعنوان الديمقراطية أفيون الشعوب إنَّ “المتابع الجيد للديمقراطية يجدها ديكتاتورية ناعمة تعتمد الخداع قبل الفتك والتضليل قبل التقتيل والسم قبل السيف، أما ديمقراطية الكتب والأساطير فهي جزء من واقعها، كتب وأساطير وحبر على ورق وخيالات في ذهن الرواي فقط، لكنها عجزت بنرجسيتها الجامحة أن تجد لها موطئاً في حياة البشر”. في إحدى البرامج يتمّ توجيه سؤال لساسة ومترشحين لرئاسة الولايات المتحدة حول الديمقراطية ومفهومها وبيئتها، يتكرر في الإجابات أن الديمقراطية لا توجد إلا في بلد يحكمه القانون، على نقيض ذلك تابعنا كيف سعت الولايات المتحدة إلى تعطيل القوانين بالضغط على دول أخرى، لتنتشر بها الفوضى التي تشل البلد وتأخذه للمجهول باسم الديمقراطية وحق التعبير، الذي لم تطقه أمريكا في وول ستريت لتؤكد لنا أن “الديمقراطية” لا تعريف لها إلا ما تريده أمريكا... فهذا ديكتاتور وذاك شيوعي مجرم وذاك إسلامي إرهابي، وإما أن تكون “معنا” في رؤيتنا وأفكارنا ومصالحنا، وإما أن تكون “ضدنا” تلاحقك السياط الأمريكية. وعندما يسأل الأمريكي البسيط: لماذا يكرهنا الآخرون، تأتيه إجابة جاهزة: لأننا مجتمع حر وديمقراطي! تابعوا مناظرات المترشحين لرئاسة الولايات المتحدة لتتأكدوا من ذلك. واحد من المترشحين فقط يجيب بصراحة قائلاً: ما الذي تتوقعونه من شعوب نحتلها ونقصفها ونسلب خيراتها؟ إنما ستقف لوبيات الضغط والاحتلال والحرب ضده لضمان بقاء “الإصدار” الأمريكي من الحقيقة هو الرائج.