مصطفى الفقي:المستبعدون

جولة عربية

الثلاثاء, 27 ديسمبر 2011 09:33

عجيب هو أمر وطننا العزيز الذي تتناوب عليه مراحل متتالية ولكن يجمعها قاسم مشترك هو غياب الرؤية وانعدام الإحساس بالمسؤولية، فما إن سقط نظام

كانت ركيزتاه هما “الفساد” و”الاستبداد” حتى دخلنا في مرحلة جديدة نعيد فيها إنتاج بعض ما عانيناه في السنوات الماضية، “الإقصاء” يعود، و”الاستبعاد” قائم، ونحن أسرى ما أصابنا من قبل، فبدلاً من أن نلتقي على كلمة سواء وأن نفتح الأبواب والنوافذ ونستفيد بكل العقليات المتوهجة والشخصيات المتخصصة من أجل تعظيم الفائدة لبلد يحتاج إلى جهد أبنائه  كل أبنائه بغير استثناء  شريطة ألا تكون هناك إدانة قضائية عادلة ضد من تستعين بهم مصر في حاضرها ومستقبلها، أقول ذلك وقد نما إلى علمي أن الاجتماع التحضيري لتشكيل “المجلس الاستشاري” في غياب ممثلي حزب “الحرية والعدالة” وغياب بعض الرموز الليبرالية التي قاطعت ذلك المجلس المرحلي بل ورفضت فكرته من البداية، أقول: لقد علمنا جميعاً أن هناك أصواتاً من الحاضرين قد ارتفعت لترفض هذا وتؤيد ذاك وكأنما هم أوصياء جدد على الوطن .

وهنا يتساءل المرء: هل هم الثوار الحقيقيون الذين خرجوا يوم 25 يناير أم هم تلك القوى الطفيليلة التي سطت على الثورة وأجهضت إنجازاتها؟ من يمثل هؤلاء؟ هل يعبّرون عن أغلبية الشارع المصري؟ أم أنها دوافع حزبية وفئوية وتصفية حسابات تاريخية مدفوعة بالقلق من كفاءاتٍ مشهودة وقدرات معروفة؟ فكل من سمى نفسه “مرشحاً محتملاً” أصبح ذا حيثية، وكل من حمل اسماً لحزب عمره شهور قليلة أصبح صاحب كلمة يحدد من يأتي ومن لا يأتي ومن يشارك ومن لا يشارك!

إنني أدهش لهذا المنطق المعوج الذي يمثل نمطاً من الإرهاب الفكري ويذكرنا ب”المكارثية” في الولايات المتحدة الأمريكية مع بدايات الحرب الباردة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وليكن معلوماً للقارئ أنه لا توجد لديّ دوافع شخصية في ما أقول لأنه لم يعد من طموحاتي موقع سياسي أو

منصب رسمي فلا سلطان يعلو على سلطان الفكر الحر ولا سطوة تقمع الثقافة الوطنية، إنما هو رفضي لطريقة التفكير التي تبدو معبرة عن عجز أصحابها مؤكدة ضعفهم، وقديماً قال المثل الشعبي المصري (إن القوالب قد  نامت وإن الأنصاف قد قامت) . بقي أن أقول إن الحديث المتكرر عما يسمى “الفلول” لم يعد له ما يبرره بعد أن قامت الجماهير بتطبيق “العزل السياسي” تلقائياً من دون نص قانوني أو قرار سيادي، فليتنا نحتكم دائماً إلى الجماهير، إذ لديها حسٌ أصيل يفرق بين الغث والسمين، أما عن “الحزب الوطني السابق” فإنني أقول إن الخوف منه ومن ملايين أعضائه خوف مصطنع لأنه لم يكن حزباً عقائدياً يستقر في وجدان من انضموا إليه، فليس فيه تمسك “الإخواني” بعقيدته، ولا “اليساري” بفكرته، ولا حتى “البعثي” بتاريخه، إنما كان تجمعاً فئوياً حول مراكز السلطة مضياً على نمط ثقافة مصرية سائدة تحتمي برداء الحكم وتلتحف بغطاء الحاكم! ولنا هنا بعض الملاحظات:

* أولاً: إن منطق الإقصاء منطق سلطوي يعبّر عن نزعة فردية وكأنما يحاول أصحابه احتكار الوطنية والاستئثار بالقرار، لذلك فإنني أنبّه أن النغمة الجديدة حول ما يسمى المستبعدين هي نغمة نشاز لا تعبر عن روح ثورة ولا تمهد لمستقبل أمة ولا تشكل ضمير شعب، إنني أرفض هذه الأساليب ذات الطابع الديكتاتوري، خصوصاً أن أصحابها يقومون بتصفية الحسابات والسعي نحو تحقيق أهداف ذاتية نتيجة مرارة في حلوقهم نجمت عن معاناة عرفوها من قبل، فإذا بهم يقومون بعملية تعميم لا تدرس بعناية تاريخ الأفراد، ولكنها تستمتع للغاية بتمزيق نسيج الوطن وتجريف كفاءاته، وأنا أقول لهم

إن علاج الإقصاء السابق لا يكون بإقصاءٍ جديد كما أن الثوار كانوا - عبر التاريخ - نماذج مشرفة لاستيعاب الآخر واحتواء الجماهير والتوقف عن “الشخصنة” وتوزيع الاتهامات بلا سندٍ أو دليل .

* ثانياً: إن “الشخصنة” هي إحدى أدوات التخريب التي عرفها تاريخنا المعاصر ولا يمكن أن نستسلم لها أو نمضي وراء أهوائها، وليسأل كل من يحاول استبعاد غيره من هو حتى يقرر ذلك؟ ومن هو الآخر الذي يريد استبعاده؟ وبأي صكٍ تاريخي يحدث ذلك؟ إننا أمام معادلة جديدة تستخدم الأساليب القديمة نفسها وكأن روح الثورة لم تظهر وأن كل الذي جرى هو استبدال قوى مستبدة بأخرى لها الخصائص والأطماع نفسها وربما الأساليب أيضاً .

* ثالثاً: إن سلطة الحكم التي تسمح بالاحتكام إلى البعض في تقويم البعض الآخر هي سلطة لا تملك أدوات “الحكم الرشيد” ولا تعي المسؤولية التي يجب أن تتحملها أمام الله ثم الوطن وهي تبحث عن أسهل الحلول وأيسر الطرق من دون مراعاة لرشادة الحكم وعدالة الاختيار وتعظيم قدرات الوطن بأبنائه المتميزين ذوي الرؤية الشاملة والنظرة الثاقبة والخبرة الطويلة والفكر السديد وما أكثرهم وهم يجلسون الآن في مقاعد المتفرجين خصماً من رصيد الوطن وإهداراً لموارد بشرية نحن في أشد الحاجة إليها .

* رابعاً: إن الغريب في الأمر هو أن سلطة الحكم تكيل بمكيالين، فهي تتغاضى عن رفض الشارع لأشخاص بعينهم إذا أرادتهم هي ولكنها تتذرع برفض الشارع إذا أرادت أن تمارس هي الأخرى منطق الإقصاء وفلسفة الإبعاد، إنها معايير مزدوجة وقرارات مضطربة وأفكار فقيرة .

* خامساً: إن الذين يتصورون أن باستطاعتهم أن يقبروا أصحاب الرأي الآخر وأن يأدوا ذوي الكفاءات تحت مسمى “الفلول” أو غيرها من المفردات الجديدة التي لا تحمل مضموناً سليماً ولا تعبّر عن واقع حقيقي، إن الذين يتصورون ذلك إنما يدفعون الوطن في طريقٍ مسدود ويحجبون عنه الرؤية ويمنعون وصوله إلى الدولة العصرية الحديثة .

إننا لا ننطلق من طموحٍ شخصي أو رغبة ذاتية فليباعد بيننا الله وبين المناصب خصوصاً في عصر تقزمت فيه المواقع وتراجعت معه قيم الرجال . . ويحك يا وطني ماذا يريد بك الجدد بعدما أساء إليك القدامى؟ لعل في الأجيال القادمة من يرتفع فوق مستوى “الشخصنة” وينكر الذات ويبني مع غيره وطناً نعيش فيه جميعاً دون استثناءٍ أو إقصاءٍ أو استبعادٍ . 
نقلا عن صحيفة الخليج الاماراتية